- أحياء وأموات الحي ضحايا الإسكان الفاخر

- "الحي" زاد الطين بلة وترك الأهالي يعانون

- عشرات الطلبات بالبرلمان دون مجيب

 

تحقيق- الزهراء عامر وإيمان إسماعيل:

حتى الأموات لم ترحمهم حكومة الدكتور نظيف وطالهم إهمالها، هكذا يبدو الأمر لمَن يمر بجوار بحيرة "عين الصيرة" بحي مصر القديمة بالقاهرة ليرى مئات المقابر التي أغرقتها مياه البحيرة؛ لتطفو بقايا الجثث على سطح البحيرة التي يبلغ عمقها أكثر من 25 مترًا.

 

وعلى الرغم من تحذيرات الخبراء والمتخصصين من تعرض المنطقة بأكملها- منازل ومقابر- للانهيار بفعل مياه البحيرة، لم تفعل أجهزة المحافظة شيئًا سوى أنها سحبت المياه من الشوارع بعد أن فاضت وتسرَّبت من البحيرة لتلقيها في البحيرة مرةً أخرى!!.

 

(إخوان أون لاين) انتقل إلى قلب الكارثة ليرصد حالة اليأس التي سادت أهالي منطقة عزبة "الخيالة" المجاورة للبحيرة، فمنهم من افترش الطرقات في انتظار مصير مجهول ومأوى جديد لا يعلمه، ومنهم من كتم همومه بداخله والدموع في عينيه رافضًا الحديث مع أي شخص ولكن ملامح وجهه كانت كافية للتعبير عما بداخله.

 

المأساة الجديدة تقع على بعد أمتار من "معسكر الخيالة للتدريب" التابع لوزارة الداخلية، والذي يفد إليه يوميًّا كبار رجال الشرطة ويرون بأعينهم معاناة الأهالي.

 

منك لله يا حكومة

اقتربنا أكثر من المواطنين وكانت بدايتنا مع عم جمال عبد الناصر (60 عامًا)، والذي يقيم بأحد الأحواش بين مقبرتين، بعد أن دمرت مياه البحيرة مسكنه، وقال بلهجة يملؤها الغضب: "منها لله الحكومة هي السبب، وبعد الفاس ما وقعت في الراس سابتنا نغرق لوحدنا".

 الصورة غير متاحة

 منازل على حافة البحيرة مهددة بالانهيار

 

وأوضح أن الحكومة قامت بالتخلص من بقايا هدم منازل عزبة "خير الله" المجاورة بإلقائها في البحيرة؛ مما أدَّى إلى ارتفاع منسوب المياه، ومن ثم أغرقت كل ما حولها بهذا الشكل.

 

 وعلى مقربة من معسكر "الخيالة" التقينا بالحاج حسن شحاتة أحد باعة كماليات السيارات، والذي يروج لبضائعه بعرضها على جدران المقابر فقال: "أهلي مدفونين هنا، ومنهم اللي مات من أسابيع جت المية غرقت كل حاجة حتى حيطان المقبرة دابت ووقعت عليهم".

 

وتناول أحد الأهالي أطراف الحديث بانفعال شديد قائلاً: "الحكومة أهملت المنطقة كتير، ومركز تدريب الخيالة متحصن ومية البحيرة مطالتهوش؛ لأنه متحاط بالسور العالي ورصيف طويل منع تسرب نقطة مية واحدة جوه المركز".

 

متر x متر

أم شعبان سيدة بسيطة تسكن هي وأبناؤها الأربعة في غرفة ضيقة وحيدة ومصنعة من الطوب الأحمر تتوسط المقابر، تروي لنا أنها استيقظت صباح يوم ما على صوت تسرب المياه من تحت عقب الباب، فنظرت حولها في الغرفة فوجدت أن المياه قد أغرقت كل شيء حتى كادت تغرق أجساد أطفالها الرضع وهم نائمون.

 

وتوضح أم شعبان قائلةً: "لما جت الحكومة زودت الطين بلة، بقوا يشفطوا الميه من الشارع ويرموها تاني في البحيرة اللي هي أساسًا سبب البهدلة اللي إحنا فيها، ده غير الريحة الصعبة اللي إحنا فيها طول الوقت لأن مية بحيرة عين الصيرة أغلبها صرف صحي علشان مفيش مكان نصرف فيه"!.

 

وأضافت أنهم قاموا بإرسال شكاوى عديدة لرئاسة حي مصر القديمة حتى يجد لهم حلاًّ لمشاكلهم هذه، ولكن دون جدوى، ولم يتعب أي مسئول نفسه ويأتي إليهم لينظر صحة تلك الشكوى من عدمها أو يفحص أوضاعهم.

 

وعزبة "خير الله" تبعد عن عزبة الخيالة عشرات الأمتار؛ حيث تشاهد اختلاط المقابر فيها بالمساكن، ويشتكي مواطنوها من الحملات التي يقوم بها الحي على فترات متقاربة لهدم منازلهم بشكل عشوائي.

 

ناس وناس!!

محمد علي (35عامًا) بدا في غاية الاستياء وظل يردد: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وعندما سألناه عن أسباب ذلك قال إن منزله مهدد بالانهيار ضمن منازل كثيرة؛ حيث يبعد 10 أمتار فقط من حافة الجبل الذي بأسفله تقع بحيرة "عين الصيرة".

 الصورة غير متاحة

عمال الحي يلقون بمياه البحيرة الطافية في البحيرة مرة أخرى!!

 

ويضيف قائلاً: إن الحكومة قامت بعد اختيار عشوائي بهدم بعض المنازل التي تقع على حافة الجبل منذ عدة أيام، وقامت بإلقاء جزء من مخلفات الهدم في العين، بزعم منها أن تلك المنازل تشكل خطرًا على أصحابها ودون أن تعطي أصحاب تلك المنازل أي تعويضات كافية، أما الجزء الآخر المتبقي من الهدم تركته مكانه وقالت لهم "اتصرفوا في الباقي"!

 

وتساءل محمد في سخط: "إيه اللي يخلي مساكننا إحنا اللي مبنية على ردم أجزاء من البحيرة خطر ومساكن الفسطاط الجديدة اللي بتبنيها الحكومة على نفس ردم البحيرة مش خطر على الرغم من إنهم جنب بعض وأرض واحدة؟!".

 

ضحية الكبار

وأضاف فتحي حسن (44 عامًا) أن الحي لم يُفكِّر من قبل أثناء هدمه للمنازل بحجم الأضرار التي تكبدوها خاصةً ساكني شارع "عبد الرحيم قناوي"، موضحًا أن الحي عندما قام بالهدم ترك حافة العين بدون سور؛ مما كان السبب في وفاة بنت جارهم سعاد ذات الـ8 سنوات أثناء لعبها عند حافة العين.

 

"الحاجة عزة" جلست باكيةً على أطلال منزلها تشكو إلى الله ظلم المسئولين، فقد كان منزلها يقع أمام عمارة من 6 طوابق، قام الحي بإزالتها منذ أيام قليلة، وقالت الحاجة عزة إن بعض الموظفين في الحي أخبروهم إن سبب الهدم المفاجئ أن مساكنهم بدائية في مواجهة مشروع الفسطاط السكني الفاخر التابع لأحد رجال الأعمال الكبار.

 

أما أم دنيا فتقول إنهم لا يملكون وسيلة أخرى سوى البحيرة لصرف مخلفاتهم فيها، على الرغم من علمهم بمدى خطورة ذلك الأمر على صحتهم، مشيرةً إلى أن نقل مخلفات الصرف الصحي عبر عربات النقل يتكلف أكثر من 100 جنيه يوميًّا، وهو ما لا يطيقونه فيضطرون إلى إلقاء المخلفات بمياه البحيرة.

 

خوف وترقب

وعلى الرغم من قيام الحي بأداء المهمة التي تكلف بها على أكمل وجه لتحقيق الراحة لجنود ولواءات معسكر الخيالة للتدريب إلا أنه تجاهل تمامًا بسطاء وفقراء المنطقة وتركهم في حيرة من أمرهم، وفي خوفٍ وترقبٍ لما سيحدث لهم غدًا، ومَن سيكون عليه الدور في هدم منزله في الصباح، فها هي الحاجة "أم محمد" التي تخشي على بيتها من الهدم في حين غفلة؛ حيث قامت ببنائه من قوت أولادها ولا يوجد لها مسكن آخر سواه، فتقول إنها قامت بشراء حديد تسليح وطوب أحمر من فترة حتى تستكمل حوائط تنقصها بمنزلها، إلا أن الخوف يراودها من أن يكون على منزلها الدور في الهدم بعدما تكون قد صرفت أموالاً طائلةً في تجهيزه.

 

بادرنا بالحديث الحاج بيومي (65عامًا) قائلاً: "الدافع الوحيد لهدم بيوتنا مش خوفها علينا زي ما بيقولوا إنما الحقيقة: إن بيوتنا اللي بيقولوا عليها عشوائية على بعد 20 مترًا من معسكر تدريب الخيالة، وهم اشتكوا للحكومة أن منظرنا غير حضاري وإحنا جنبهم بالشكل ده فكانت دي النتيجة".

 

ويضيف الحاج بيومي أن الهدم كان بشكلٍ عشوائي لدرجة إن حائطًا مجاورًا لأحد المنازل المهدمة سقط على طفلة رضيعة فماتت في الحال بعد انصراف آليات الحي.

 

هدم مسجد!

 الصورة غير متاحة

الوجه الآخر.. مساكن فاخرة على ضفاف البحيرة

حتى المساجد لم تسلم من تخريب الحكومة، فها هي أنقاض مسجد "الرحمن" تشهد على ذلك؛ حيث انتقاه الحي من وسط المساكن ضمن خطة الهدم، وكان الأهالي قد بنوه على نفقتهم الخاصة؛ وذلك بحجة خطره على المصلين.

 

ويروي لنا كمال السيد (30 عامًا) مأساته، قائلاً: "حتة من حيطة بيتي وقعت على ولادي الأربعة بعد الحكومة ما هدت البيت اللي جنبنا ومات ابني الصغير، رحت عملت محضر ومن ساعتها مفيش حد اتحرك".

 

"هنسيب بيوتنا ونروح فين؟!" جاء هذا التساؤل على لسان أم مصطفى التي لا تعلم إلى أين ستذهب بعد هدم منزلها بدون وجه حق؛ حيث تقول إن رغم التلوث والرائحة الكريهة الناتجة من مياه الصرف الصحي وخوفها على أولادها من الانزلاق في العين، إلا أنها تُفضِّل البقاء في هذا المكان بدلاً من طردها في الشارع وفقدان زوجها لعمله وأطفالها ومدارسهم، خاصةً أنهم في "معمعة الامتحانات".

 

لا حياة لمَن تُنادي

ويعلق يسري بيومي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ونائب دائرة مصر القديمة أن تلك المشاكل التي تواجه عزبة الخيالة وعزبة خير الله متواجدة منذ ما يزيد عن 5 سنوات، مشيرًا إلى أنه تقدم بالعديد من البيانات العاجلة وطلبات الإحاطة والشكاوى في مجلس الشعب حتى يلتفت إليهم أحد، ولكن إلى الآن لم يتخذ المسئولون أية خطوة تُذكر ولم يحرك أحدهم ساكنًا.

 الصورة غير متاحة

يسري بيومي

 

ويضيف أن الأوضاع في تلك المنطقة بالغة الخطورة، وفي حاجة إلى حلول فورية وسريعة قبل تضخم الأزمة أكثر من ذلك؛ حيث إن المساكن المحيطة بعين الصيرة تطرد المياه من تحت الأرض؛ مما جعل منسوبها يرتفع وتسربت إلى المقابر.

 

ويشير إلى أن كافة الحلول التي تتخذها الحكومة لمواجهة تلك الكارثة، ستكون تقليدية للغاية وغير مثمرة، منها شفط المياه المنتشرة بالشوارع وإلقاؤها في العين مرةً أخرى، مشددًا على أن الحكومة في حاجة إلى حلول ذات تقدم فني أكثر، خاصةً بعدما ثبت أن تلك المياه الموجودة بعين الصيرة تحتوي على مواد كبريتية شديدة مما يجعل التخلص من الفائض منها عن طريق شبكات الصرف الصحي أمرًا مستحيلاً لتآكل تلك الشبكات في الحال إذا ما التقت مع تلك المواد الكبريتية.

 

وطالب النائب الحكومة بسرعة الانتهاء من مشروع الصرف الصحي بالمنطقة، والذي سيساعد على تدارك الكثير من المشاكل هناك، فضلاً عن وضع حدٍّ لمياه الطرنشات بالمنطقة، وبالتالي التخفيض من منسوب المياه في العين.