تعقيبًا على مقالي السابق (هيا بنا نؤمن ساعة)، طلب مني كثير من الشباب أن نتناول عوامل زيادة الإيمان، ما دام أننا نوقن حقيقةً أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، كما ذهب إلى ذلك أهل السنة والجماعة، وقلنا إن أصحاب الدعوة في هذا الوقت أشد ما يكونون حاجة إلى زيادة الإيمان، ورعاية القلوب، وتفقدها، وتنقيتها، وسد منافذ الشيطان عنها، والارتباط بقوة بالله عز وجل عقيدةً تملأ الجوانح، ونورًا يفيض على جنبات النفس، وطمأنينةً تغمر قلب المؤمن، راحةً وهدوءًا وبردًا وسلامًا، وتبعد عنه عوامل القلق والتوتر والحيرة والاضطراب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد).
يقول صاحب الظلال رحمه الله: "تطمئن بإحساسها بالصلة بالله والأنس بجواره والأمن في جانبه وفي حماه، تطمئن من قلق الوحدة وحيرة الطريق بإدراك الحكمة في الخلق والمصير، وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضر، ومن كل شر إلا بما يشاء الله مع الرضا بالابتلاء والصبر على البلاء، وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة".
ويسترسل- رحمه الله- فيقول: "ليس أشقى على وجه هذه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون، لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون، ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لمَ جاء؟ ولمَ يذهب؟ ولمَ يعاني ما يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يتوجس من كل شيء خيفة؛ لأنه لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا الوجود، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريدًا وحيدًا شاردًا في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هادٍ ولا معين".
وقد تأتي زيادة الإيمان وتعميقه، والثبات عليه في حالات الشدة والابتلاء، وصنوف المواجهة وصليل السلاح ولمعان السيوف، وتربص الأعداء وحشد قواهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران).
وزيادة الإيمان هنا إنما تعني الثبات على الحق، والتزام الصف، وعدم الفرار من الساحة والميدان، والتوحد مع المؤمنين، والثقة في القيادة، والمُضي بالوفاء بعهد الله، واليقين بوعده ونصره وتأييده.
وزيادة الإيمان هنا، تعني مواقف عملية لا تحتاج إلى أقوال، أو شعارات، أو خطب ومقالات إنما تنصرف إلى الترجمة العملية لحقيقة الإيمان الذي استقر في القلب، وارتبط مباشرة بالله خالق كل شيء ومليكه ومدبر أمر الدنيا والآخرة.
وزيادة الهدى: قريبة إلى زيادة الإيمان. ففي سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ أي ألهمهم رشدهم.
كيف نزيد الإيمان؟
- تدبر كتاب الله:
يحتاج المؤمن أن يكون مصاحبًا لكتاب الله عزَّ وجلَّ حفظًا وتلاوةً وتدبرًا، وتكون المصاحبة في كل يوم وفي شكل ورد يومي، ويمكن أن يتم ذلك في الأوقات التي يقضيها في الذهاب والعودة من العمل، وما أكثر هذه الأوقات التي تضيع على الكثيرين، فنتلو حينئذٍ القرآن أو نستمع إليه وإلى تفسيره والمعيشة في معانيه وظلاله، أو التسبيح والذكر بما يعود على المؤمن بالخير، ويبعده عن الشر وفضول السمع والنظر والكلام ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾ (محمد).
ونحن في حاجة إلى أن نطيل النظر في كتاب الله، ونعيش مع آياته المقروءة، فترطب قلوبنا بذكره وتَسْبح أرواحنا في ملكوته وتسبِّح بحمده، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بآية يرددها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾ (المائدة).
- التفكير في خلق الله:
ونحتاج إلى هذه السبحات لنقوي الإيمان، ونجدد العزيمة، ولنتقوى على مشاق الطريق.
ويمكن أن نخرج مع بعض الإخوة والأحباب إلى المناطق الخالية أو الصحراوية إن أمكن، بهدف التدبر والتفكر في خلق السماوات والأرض، واستشعار قدرة الله وعظمته، إذ إن تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل أن يقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (البقرة: من الآية 164)، وقد قال عنها: "ويل لمن قرأها ولم يتدبر فيها".
- دفع الباطل وصده:
وهذا يكسب النفس صلابةً وجلدًا في مقارعة الباطل ودفعه، ويستشعر في قرارة نفسه أنه هو المسئول عن حماية الدين والذب عن العقيدة في خاصة نفسه، ومع أهله وأولاده، وجيرانه وعشيرته والناس أجمعين، يلتزم بالحق ويعمل له، ويبذل وسعه في نشره والدعوة إليه، ويتحمل ما يترتب على ذلك من آثار ونتائج، إذ إن ذلك سنة من سنن الله في الدعوات، ويكاد يكون قانونًا ربانيًّا في عالم البشر ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: من الآية 40)، ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)﴾ (الأحزاب).
وخلاصة القول، فإن هذه المجالدة وهذا الحافز يقوي الإيمان ويزيد اليقين، ويشعر المؤمن دائمًا أنه في حالة تأهب لا ينفع معها التكاسل والفتور أو التراخي والقعود.
- الاستكثار من العبادة:
المواظبة على العبادات وأداء الصلاة في جماعة وفي المساجد، والحرص على ذلك، وجعل القلب معلقًا بالمساجد، مع التأكيد على ذلك، التأكيد على دوام صلاتي العشاء والفجر في المساجد طبعًا، وحضور مقارئ القرآن، والتقرب إلى الله بالنوافل "ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه.." إلى آخر الحديث القدسي، ويدخل في العبادة التي تزيد الإيمان وتقويه وتجعله مثمرًا.. يدخل فيها عبادة الجوارح، مثل العين والأذن واللسان، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾ (الإسراء).
ومن العبادة السعي في مصالح المسلمين، بل في نفع الناس "لأن من سعى في حاجة أخيه ساعة من نهار قضاها أو لم يقضها كان كمن اعتكف في مسجدي هذا شهرًا"، و"خير الناس أنفعهم للناس"، و"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، حتى ولو كانوا يسيئون إلينا؛ فإن الأستاذ البنا قد وصانا بحسن معاملة من أساء إلينا قال: كونوا مع الناس كالشجر يرمونه بالحجر فيرميهم بالثمر، وفي المقابل من تؤذي جيرانها بلسانها مسلمين كانوا أو مسيحيين فهي في النار حتى ولو كانت تصوم النهار وتقوم الليل.
- التفكير في الآخرة:
وهذا مما يقوي الإيمان ويزكيه، ويجعل القلب معلقًا بالخالق العظيم، يرجو رحمته ويخشى عذابه ﴿وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: 4).
وهذا ينبع من قلب حي، يقظ يحب لقاء الله، فيحب الله لقاءه، ولا شك أن صلاح الفرد والأمة، والناس أجمعين، مرتبط بذكر الآخرة، وجعلها في بؤرة الشعور والاهتمام، فينصرف الجميع إلى الأعمال الصالحة، في كل مجالات الحياة، مادية وروحية فيعم الخير وتحسن الأخلاق، ويقل الجموح والانفلات، ويعم الأمن والأمان.
إن مجرد سماع أسماء ذلك اليوم الآخر ووقع رنينها من شأنها أن يهز المشاعر ويوقظ القلوب الغافلة: القارعة، الصاعقة، الحاقة، الواقعة، الصاخة، الطامة الكبرى، الغاشية، الراجفة.. إلخ.
فهيا أيها الأحباب نحافظ على ما تفضَّل الله به علينا من هداية وإيمان، ونعمل على زيادتها، هيا.. نتسابق في الخيرات.
نعي
ودعنا بالأمس في مدينة مطاي بالمنيا أخًا عزيزًا ومجاهدًا فاضلاً، هو المهندس الزراعي فاروق عبد الغني الصاوي، وقد حمل دعوة الإخوان منذ أن كان طالبًا في الجامعة، وقضى معنا في السجون أكثر من تسع سنوات، كان فيها مثالاً للطيبة والصفاء والنقاء والتعلق بالقرآن الكريم، وحب الإخوان واحترام الكبار منهم وحب الجلوس معهم، للاقتداء وأخذ الخبرة والتجربة.
رحم الله أخانا فاروق، وأنزله منازل الصالحين، وألحقنا به ثابتين غير مبدلين ولا مفرطين، وألهم أهله وأولاده وأحبابه الصبر والثبات وإنا لله وإنا إليه راجعون.