في غرفة الانتظار لدى طبيب أطفال في واشنطن، جلست طفلة تبلغ من العمر حوالي الثماني سنوات قرب جدتها، تستمع إليها بشغف وهي تقرأ لها قصة للأطفال حول إنشاء "دولة الصهاينة" والانتصار الذي حققته؛ استعادة "أرض الميعاد".
بالقرب منها جلست أم فلسطينية قرب طفلتها، ولا شيء معها سوى بعض أحاديث من الذاكرة، سمعت عنها من بعض الكبار عن بلدها، إلا أنها لم تكن تفكر يومًا بأن تقرأها لأبنائها، باعتبارهم صغارًا "بكير عليهم ليفهموا مثل هذه الأمور"، وفكرت الأم أنه حتى إن أرادت؛ فأين تجد ما يكتب للأبناء حول القضية.
عادت الأم الفلسطينية إلى حيث تقطن في عمان؛ لتستقبل ابن أخيها العائد من بريطانيا حيث يدرس؛ لتستمع إلى ما يرويه بمرارة عن تجربته في التعرف إلى طالب صهيوني، صدمه بالمعلومات التاريخية التي يمتلكها، والحجج المنطقية التي نجح من خلالها بإقناع الطلاب من حوله بعدالة "قضيته" مقابل إرهاب العرب، وكم أسقط بيد الطالب الفلسطيني؛ حيث لم يستطع مجابهته بالمعلومات التي يمتلك "نتفًا" منها، أو مقارعته بأي حجة لم يكن على بينة منها.
صحيح أن عاطفته وحماسته كانت قوية ولكنها لا تقنع أحدًا.
أذكر هاتين الحادثتين لما لهما من دلالات حول تربية أبنائنا على فهم قضايانا؛ لا سيما القضية الفلسطينية، وتعريف أبناء العالم بها، وتنمية الشعور بالمسئولية تجاهها، وحقهم في المقاومة من أجل استرداد حقوقهم الوطنية والقومية كمواطنين؛ حيث يبدو جليًّا تقصيرنا الواضح في هذا المجال، مقابل الإصرار الصهيوني على التوجه للكبار والصغار، بحملة دؤوبة لا تتوقف لنشر المعلومات التي تثبت وجهة نظرهم، وتكسب الدعم لهم في كل ما يفعلون، وينطبق الأمر نفسه على المقاومة في العراق وظروف الاحتلال وادعاءاته؛ حيث لا يمكن فصله عن الحركة الصهيونية ومطامعها.
وتتميز هذه الحملة بالخصائص التالية:
أولاً: استخدام التاريخ القريب والبعيد لإظهار "الظلم والاضطهاد اللذين أحاقا بالشعب اليهودي" من قبل سكان الأرض، مقابل التمييز الإلهي لهم كشعب الله المختار، والذي وهبهم "أرض الميعاد"؛ ليقيموا عليها دولة هي حقهم منذ الأزل، وحيث أقاموا دولة متقدمة ديمقراطية، تدافع عن "حقها في الوجود"، مقابل "الإرهاب" الذي يمارسه عليها الفلسطينيون؛ ما يؤدي إلى الشعور بالذنب الإنساني تجاه هذا الشعب العظيم المقهور وإلى الرغبة في الدفاع عنه.
ثانيًا: استخدام كافة الوسائل التي من شأنها أن تؤثر على العقل؛ من خلال إثارة المشاعر الإنسانية المرهفة؛ بحيث تؤدي بالضرورة إلى تبلور موقف داعم لهم، بل ومتحيز إلى جانبهم، يعتبر كل ما يفعلونه حقًّا وعدلاً؛ فركزوا اهتمامهم على وسائل الإعلام المختلفة والأدب بكل فئاته والفنون على أنواعها، وبشكل خاص المسرح والسينما، ولا بد أن العديد منا شاهد منذ بضع سنوات فيلم "لائحة شاندلر" وقبله "اختيار صوفي" وتأثر بكليهما.
ثالثًا: الاهتمام الخاص بالأطفال والنشء؛ لقد أدرك الصهاينة منذ البداية أهمية هذا الجيل في بناء المستقبل وضمان الاستمرار، فأنتجوا لهم الحكايات والمسرحيات وكتب المعلومات والملصقات والألعاب، بكثرة وبطريقة جذابة، وربما كان أبرز مثال على ذلك "معرض القدس" الضخم الذي أُقيم في مدينة ديزني للأطفال منذ بضع سنوات، والذي حاول إثبات هوية القدس اليهودية عبر العصور، ولم تجد نفعًا حينها الاحتجاجات العربية، والتي اقتصرت على بعض أبناء الجالية العربية في الولايات المتحدة. حيث سمع بها في بلادنا فقط ندرة من المهتمين المتابعين لما يحدث في الخارج ولكن دون أي رد فعل يذكر.
لقد أدرك أعداؤنا أهمية التربية والتثقيف لنجاح أهدافهم، وكما توجهوا لأبنائهم وللعالم بتلك الحملة المركزة الفعالة، توجهوا إلى أبنائنا الصامدين في أرضهم بحملة مركزة من نوع آخر، استهدفت بالدرجة الأولى محاصرة وضرب إمكانيات النهوض التربوي والإنساني العربي في مهدها، ساعدهم فيها دفع كبير، وفره ذلك الصمت العربي الصارخ.
وما الهجمة الصهيونية الشرسة في كل من الضفة الغربية وغزة خلال الاجتياحات والهجمات والاحتلال، ثم إعادة الاحتلال على المؤسسات التربوية والثقافية في المدن الفلسطينية؛ إلاّ تعبير عن استهدافها لهذا النهوض؛ فقد استهدفت المدارس بالتدمير والإقفال، كانت آخرها مدرسة الفاخورة في غزة؛ حيث استشهد العديد من الأطفال والمعلمين، كما استخدمت المدارس كمراكز عسكرية وكمراكز اعتقال، ونذكر أنه خلال عملية "الدرع الواقي" وحدها أقفلت 1289 مدرسة، ومنعت 50% من الطلاب في الضفة وغزة من الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم، وما الجدار العازل إلا للعزل بين الطلاب ومدارسهم وجامعاتهم كأحد أهم الأهداف، وبالإضافة إلى المدارس قامت قوات الاحتلال بتدمير المؤسسات التربوية والثقافية، وأحرقت ومزقت كافة المستندات والكتب وأجهزة الكمبيوتر والوسائل السمعية البصرية التي وجدتها فيها، وبهذا تكون الآلة العسكرية الصهيونية قد وجهت جام وحشيتها ليس فقط على البشر والبنى التحتية للمجتمع لتغتال الحاضر الفلسطيني المقاوم، وإنما على المستقبل وما يبنيه من مواطنية وعصرية، وربما كان من أهم الدلائل على ذلك الطريقة التي تعاملت بها هذه القوات مع سفينة الأخوة اللبنانية؛ حيث منعت وصادرت ما تضمنته حمولتها من ألعاب وقصص للأطفال تم تجميعه؛ بناء على طلب من مؤسسة تربوية في غزة تحتاجه في عملها لمعالجة ما خلفه العدوان من تأثيرات نفسية على الأطفال، كما كان عدد من الألعاب قد كتب عليه أسماء أطفال في غزة.
وليس هذا إلا استمرارًا لسياستها الدائمة التي تهدف إلى محاولة تجهيل الشعب الفلسطيني من ناحية وفصله عن انتمائه لوطنه العربي من ناحية أخرى، فقد سعت منذ الاحتلال الأول عام 1948م إلى حرمان العديد من أبنائه من التعليم لا سيما منه التعليم العالي، وشوهت تاريخه العربي في المناهج التي فرضتها على طلابه؛ حيث قدمته كتاريخ فتن ومؤامرات وحروب داخلية، لا تجد فيها أي انتصار وأي مقاومة لأي تدخل أجنبي، ناهيك عن إلغاء أي ذكر لمساهمات حضارية من أي نوع في أي مرحلة من التاريخ، والهدف جعل الفلسطيني لا يشعر بالاعتزاز بالانتماء إلى أمته، كما وجهت هذه المناهج الطلاب العرب إلى الانتماء الطائفي وليس القومي؛ حيث صورت المجتمع الفلسطيني بأنه يتكون من طوائف دينية ليس إلا تعيش جميعها في وئام في ظل الديمقراطية الصهيونية.
واستكملت محاولاتها هذه عند احتلالها ما تبقى من فلسطين عام 1967م؛ حيث قامت وبعد أسابيع من دخول مدرعاتها ودباباتها، بتعديل المناهج الأردنية التي كانت مطبقة في الضفة الغربية؛ فألغت كتاب "القضية الفلسطينية"، وحذفت كل ما يتعلق بالمقاومة وانتصاراتها في كافة الحقب والمراحل التاريخية في كتب التاريخ والأدب والدين، وعمدت إلى حذف كافة الآيات القرآنية والأشعار الوطنية التي تحث على الجهاد، كما ألغت كل ما يتعلق بإبداعات العرب ومساهماتهم الحضارية والعلمية.
بالمقابل، نرى في أقطارنا العربية خارج فلسطين مناهج لا تتعامل مع فلسطين كقضية عربية مركزية، فهي تكاد لا تذكر فلسطين ولا قضيتها ولا الأخطار الصهيونية التي تحيق ببلادنا، ولا تذكرها ضمن القضايا القومية العالقة، ولا توجه بكل الأحوال طلابها لتحمل أي مسئولية تجاهها، كمواطنين عرب يسعون لبناء مجتمع عصري متحرر.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكم القليل الذي ورد في المناهج العربية عن فلسطين قد تم تقليصه لا سيما بعد اتفاقيات أوسلو. ومثالاً على ذلك فقد ألغى كتاب "القضية الفلسطينية" من المناهج الأردنية وكذلك مادة عن القضية الفلسطينية في مناهج الجامعة اللبنانية.
ولكن رغم هذه المناهج المعادية في فلسطين المحتلة والمقصرة في أقطارنا العربية، نرى الشباب والطلاب العرب في فلسطين يشكلون عماد الثورة والانتفاضة، وشباب وطلاب العرب في أقطارهم المختلفة يشكلون جذوة التحرك الشعبي الضاغط لتحمل الدول المسئولية تجاه فلسطين بما يتناسب مع كونها قضية العرب المركزية.
وفي الوقت نفسه الذي نشهد فيه تلك التحركات المثيرة للآمال بمستقبل مشرق، نجد أن الثغرة تكمن في افتقاد هؤلاء الشباب المعلومات اللازمة عن فلسطين وقضيتها وتاريخها، فالعاطفة الوطنية والقومية قوية، ولكنها تحتاج إلى وعي ومعرفة تضمن تبلورها واستمرارها؛ ليصبح الشباب قادرين على التأثير في إحداث تغيير في سياسات دولهم وتسهم في توضيح رؤيتهم لدورهم، كما تكون مادة تساعدهم في التعاطي مع هيئات وأفراد في دول العالم المختلفة ممن ازداد تعاطفهم مع قضيتنا ويحتاجون للمعلومات للاستمرار وتوسيع دائرة التعاطف، وكذلك ممن يعملون ضدها وعلى شبابنا مواجهتهم بالمعلومات.
إن المسئولية هنا تقع بالدرجة الأولى على كاهل المؤسسة التربوية النظامية الرسمية وهذه تحتاج إلى قرار سياسي، كما أنها تقع على عاتق مؤسسات التربية غير النظامية لا سيما مؤسسات الإعلام والتي بدورها تخضع للقرار السياسي ومؤسسات الاتصال ومؤسسات المجتمع المدني من هيئات ثقافية وتربوية، وبشكل خاص المؤسسات الإقليمية العربية كمنظمة اليونسكو والأليكسو والإسيسكو.
وأذكر أن وزراء التربية العرب قد أقروا في أحد اجتماعات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في بداية الثمانينيات، اعتماد ثلاثة كتب مدرسية تعرّف بالقضية الفلسطينية يُطبق كل منها في نهاية كل مرحلة من مراحل التعليم، الابتدائي والإعدادي والثانوي، في المدارس في كافة الدول العربية. وقد أنجزت الكتب الثلاث وكان لي شرف كتابة كتاب المرحلة الابتدائية، إلا أن هذه الكتب ما زالت في مستودعات المنظمة إن كانت ما زالت موجودة. أما منظمة اليونسكو فمراكزها العربية ترفض التعاطي بهذا الموضوع باعتباره موضوعًا في "السياسة" الممنوعة على موظفي منظمات الأمم المتحدة.
![]() |
|
غرس حب المقاومة والدفاع عنها دور الأسرة |
ولكننا بحاجة لمعرفة وتعلم من نوع آخر يظهر لنا جمال هذه المدن والقرى وعراقة معالمها وحضارتها وإسهامات أبنائها وتاريخها وبسالة أهلها، وتضامنهم في الدفاع عنها على مدى التاريخ، فهذا النوع من المعرفة من شأنه أن يحفز على التصميم والأمل بين أبنائنا، ويوفر لهم مادة من الحقائق يواجهون بها أعداءهم ويجيشون بها أصدقاءهم.
ولما كانت وسائل المعرفة غير متوفرة للشباب الفلسطيني لا سيما في الشتات، والشباب العربي في أي مكان من خلال المصادر العادية؛ كالمناهج المدرسية ووسائل الإعلام، باعتبار أنها جميعها تحتاج إلى قرار سياسي من السلطات الحاكمة؛ فإن المسئولية تقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة لتوفير وسائل تبقي القضية حية في عقول وقلوب الناس، من خلال تركيزها على حقنا التاريخي ومفهوم العدالة وأشكال المقاومة المتعددة التي مارسها شعبنا على مدى التاريخ، فتوفير قصة أو ملصق أو مسرحية أو أغنية من شأنه مساعدة المعلم في المدرسة العربية، أينما كانت في عرض القضية من خلال نشاطات مرافقة للمنهاج.
ولكن هذا لا يعني أن توفير مثل هذه الوسائل يحل المشكلة بالكامل، وإنما لا شك يساعد المعلمين والأهل على السواء الذين يملكون الرغبة القوية في تربية طلابهم وأبنائهم بهذا الاتجاه، إذ إن معظم المعلمين في مدارس الأقطار العربية يواجهون قيودًا من الخوف من السلطات العليا تكبلهم بما يمكن أن تفرضه عليهم من عقوبات إن هم تطرقوا إلى موضوع "حساس" كفلسطين؛ فبالرغم من كثرة التصريحات للمسئولين التي تعتبر فلسطين قضية قومية أولى، إلا أن العديد من المعلمين في دولهم يخافون حتى من ذكر فلسطين باعتباره كلامًا في السياسة يعاقب عليه القانون بالفصل من الوظيفة، فيتجنبوه، وعندما نقول المعلمين في الأقطار العربية فنحن نشمل المدارس التي تتوجه للفلسطينيين وتحديدًا مدارس وكالة غوث اللاجئين، وهنا تكمن مأساتنا بالمقارنة مع العالم؛ حيث يعالج الكتاب والرسامون والإعلاميون والمسرحيون والمبدعون قضاياهم بكل شفافية وصدق وينقلوها لأبنائهم دون قيود، بل ويستحقون عليها الجوائز العالمية، بينما نحن لا نجرؤ على الحديث عن قضيتنا وحتى أحيانًا على إجابة عن سؤال من طالب متحمس، والأسوأ من ذلك أن جميع الدول العربية وقعت على اتفاقية حقوق الطفل التي تشمل حقوقًا يتم انتهاكها بغالبيتها في كل من فلسطين والعراق، وبينما تسعى هذه البلدان لإدخال "ثقافة الحقوق" في مناهجها كتطبيق للاتفاقية إياها، إلا أن المعلمين والمسئولين لا يجرءون على إيرادها من ضمن النماذج حول تلك الانتهاكات.
وربما كانت تجربتي في إنتاج وسائل تربوية محدودة عن فلسطين وأبنائها تعبيرًا عن واقع، آمل أن يتعاون المخلصون من أشخاص وهيئات من أجل تغييره وتطويره، فقد أنتجت مؤسسة "تالة" للوسائل التربوية في لبنان بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للرعاية الاجتماعية والتأهيل المهني خريطة "فلسطين الحضارة"، والهدف منها تعريف أبناء فلسطين والعالم بمعالم فلسطين الحضارية، وغناها بهذا الإرث الكبير الذي ساهم في بنائه شعبها العربي بفئاته المختلفة، لبنة لبنة على مر العصور، والذي يتنوع من حيث الثقافات واحتضان الأديان، ولكن تبقى فيه الثقافة العربية أساسًا.
المشروع الأهم كان سلسلة قصص أبناء عن فلسطين بعنوان "سلسلة حنين"، تروي حكايات أبناء من فلسطين يعيشون ظروفها القاسية في الوطن وخارجه في المخيم وفي المدينة، يستعيدون أحداثها من النكبة إلى النكسة إلى الثورة فالانتفاضات المتلاحقة.
وتوقعت إقبالاً كبيرًا على هذه الكتب لبساطتها وجمالها وفائدتها، وخلوها من أي كلمات يمكن أن تحرج الحكومات والهيئات التعليمية على حد سواء، وإنما اعتمدت الإيحاء، إيمانًا منا بقدرة أبنائنا على التفكير والاستنتاج. فالأهالي العرب كما اعتقدت يودون تعريف أبنائهم بالقضية، وكذلك المدارس العربية والهيئات الأهلية تسعى للاستفادة من مثل هذه الوسائل. إلا أنه بالرغم من الاهتمام الصادق لندرة من المخلصين للقضية لم أجد ذلك الإقبال، بل ربما ووجهت بالمديح للجهد مترافقًا مع الهروب من الالتزام، فلا المؤسسات الداعمة قبلت أن توزع منها على الطلاب في المدارس رغم "التقدير العالي" ولا وكالة غوث اللاجئين ابتاعت منها لطلابها سوى عدد أصابع اليدين في لبنان، وبالطبع ندرة من المكتبات العربية العامة أو المدارس اختارتها من بين كتبنا.
من أسوأ ما واجهت في إحدى الدول العربية المحيطة في فلسطين رفض المسئولين التربويين القاطع لاستخدام أي كتاب حول فلسطين، وكان هذا من قِبل المدارس الخاصة والحكومية ومدارس الوكالة على حد سواء، والحجة أن الحديث عن فلسطين هو حديث في السياسة، وهذا ممنوع ويهدد المعلمين بفقدان عملهم، أما الأمر المضحك المبكي فقبول المسئولين قصصًا وحكايات عن انتهاكات لحقوق شعوب أخرى كالسود وحتى اليهود وليس شعوبنا.
السؤال الذي يطرح نفسه؛ كيف يمكن أن ننمي ثقافة المقاومة بين الجيل الجديد في ظل هذا الوضع المحبط. ومن خلال الاستفادة من الطريقة التي اعتمدها أعداؤنا التي تركز على طرح "قضيتها" بجرأة وإصرار وتصميم في المناهج المدرسية، ومراكزهم الثقافية وبيوتهم، واعتماد المعلومات التي تتوجه للعقل، في قالب يحفز العواطف، ومن هذا المنطق أتقدم.
وأختم ببعض التوصيات التي يمكن أن نسعى من قبلنا لتحقيقها في البلدان العربية والخارج.
- على صعيد مؤسسات التعليم في فلسطين:
1- مساهمة الجهاز التعليمي في الأقطار العربية بأجر يوم عمل واحد من أجل بناء ما تهدَّم من مؤسسات تربوية في فلسطين.
2- إقامة اتحادات المعلمين العرب يوم تضامن مع فلسطين، يتشاركون به مع اتحادات مماثلة في أقطار العالم المختلفة.
3- الدعوة إلى توأمة مدارس رسمية، وخاصة في الدول العربية مع مدارس في فلسطين، ومساعدتها في إعادة بنائها وتجهيزها بكافة الوسائل التربوية لا سيما المختبرات والمكتبات والأجهزة، وإقامة نشاطات للتواصل بين الطلاب العرب في أقطارهم مع إخوانهم في فلسطين عبر وسائل الاتصال المختلفة، لما لذلك من فائدة لكلتا الفئتين.
4- دعوة المنظمات التربوية الإقليمية كمنظمة اليونسكو والأليكسو والأسيسكو للتعاون من أجل وضع برامج لإعادة بناء المؤسسات التربوية والثقافية التي دمرت، وتوفير الدعم العلمي والتربوي لها، والعمل على إعداد برامج تليفزيونية تربوية؛ لتعويض ما فات من خسارة خلال العدوان المستمر عليها لا سيما في غزة.
على صعيد الأقطار العربية:
1- إدخال مادة تعليمية حول فلسطين في مناهج التعليم المدرسية العربية لكافة المراحل؛ وذلك على شكل فصل يُضاف إلى كتب التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية والأدب العربي، وكذلك ضمن مواد الفنون والموسيقى، واعتماد المدارس للكتب الثلاث الخاصة بالقضية الفلسطينية التي أعدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في بداية الثمانينيات لمراحل التعليم الثلاث (الابتدائي والتكميلي والثانوي)، والتي لم تُطبق في أي بلد عربي.
2- شمول مادة التاريخ وبالتفصيل والتحليل مقاومات العرب ضد الغزاة عبر التاريخ، وأبرز قياداتها ورموزها والحالات الشعبية التي رافقتها، والبطولات التي قام بها أناس عاديون لم تبرز أسماءهم، بل أظهروا بسالة كبيرة ضد الاحتلال والظلم.
3- إدخال مواضيع وفصول ونماذج عن الأدب المقاوم في مادة الأدب العربي في فلسطين والعراق ولبنان ودول عربية أخرى واجهت الاستعمار وقاومته.
4- تضمين مادة الاقتصاد فصولاً عن الأطماع الأجنبية في ثروات بلادنا، ومدى استقلاليتنا في استغلالها واستفادتنا الكاملة من خيراتها، كونها تشكل أحد الأسباب الرئيسية للاعتداءات علينا، والتي تأخذ أشكالاً مختلفة.
5- تضمين مادة العلوم إنجازات العرب العلمية التاريخية وتأثيرها على الحضارة العالمية، وإنجازات العلماء العرب في الحاضر أينما وجدوا.
6- إدخال مادة متطورة حول فلسطين على المستوى الجامعي ضمن مواد الثقافة العامة المطلوبة من الطلاب من كافة الاختصاصات.
7- اعتماد يوم فلسطين في المدارس والجامعات العربية، تقام فيه أنشطة متنوعة حول فلسطين ضمن برنامج النشاطات اللامنهجية تشمل نشاطات مسرحية وفنية وأدبية ومسابقات معلومات.
8- دعوة محطات التلفزة العربية إلى إنتاج برامج وأفلام وثائقية تتضمن معلومات عن فلسطين الوطن والقضية، بالإضافة إلى البرامج التي تقدم آراءً حول القضية، وإنتاج مسلسلات وأفلام تدور أحداثها حول فلسطين وفيها.
9- إنشاء موقع "المقاومة العربية" التفاعلي يتوجه للشباب والأطفال، يتضمن معلومات وصورًا عن البلدان العربية التي تواجه الاحتلال والتدخل الأجنبي ومظاهر المقاومة التي يقوم بها أبناؤها؛ ما يوفر معلومات عن تلك البلدان، لا سيما فلسطين والعراق، تشمل الجغرافية والحضارة والتاريخ والواقع الحالي بمؤسساته والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية وانتهاكات القوات المعتدية الصهيونية والأمريكية ومظاهر المقاومة العربية لها بكل أشكالها، ويمكن الاستعانة بالموسوعة الفلسطينية بقسميها كأساس لذلك، على أن يتم تجديدها باستمرار، ودعوة المنظمات الإقليمية المتعددة للمساهمة في إنجاز هذا المشروع وتأليف هيئة خاصة تضمن استمراره.
10- الدعوة لإنتاج وسائل تربوية متنوعة يمكن للمعلم أن يستعين بها؛ للتعريف بقضايا العرب ومقاومته، تجعل تقديمها وتعلمها عملية حيوية وجذابة، ويشمل ذلك الخرائط والكراريس والقصص والألعاب والكتب المصورة وأفلام الفيديو/ الأسطوانات المضغوطة.
11- دعوة منظمة الأليكسو (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) إلى اعتماد مشروع جديد على نسق مشروع "كتاب في جريدة" يكون "كتاب فلسطين في جريدة"، يتضمن كتبًا مختارةً لكتابات من فلسطين وعن فلسطين، تصبح بمتناول أوسع عدد ممكن من القراء.
ولا بد من القول إن تنفيذ الاقتراحات المذكورة آنفًا يمكن أن يساهم ليس فقط في جعل فلسطين قضية العرب الأولى لدى الأجيال الجديدة، وينمي حس المسئولية تجاهها، باعتبارها أساس الصراع الذي نرى تداعياته في غير قطر عربي، وإنما في جعلها قضية العرب الموحدة، والتي تجعل الجميع يتجاوز الحساسيات القطرية والفئوية من أي نوع في سبيل نقطة التقاء واحدة (فلسطين).
