- حاكموني لأني فضحت السجون السرية في مدينة نصر
- هناك فارق كبير بين شركات الإخوان وتمويل الجماعة
- النظام أغلق لنا في القضية الأخيرة 68 شركة ناجحة
- أفكر جيدًا قبل العودة للسوق بسبب إرهاب الدولة
- اقتصادنا في حالة اضطراب بدليل القوانين الشاذة
حوار- محمد مدني:
المهندس مدحت الحداد اسم له شهرة كبيرة داخل محافظة الإسكندرية وخارجها، فضلاً عمَّا يمثله هذا الاسم من علامة تجارية لا تقبل التشكيك فيها في المجال الاقتصادي.
قضى المهندس الحداد ثلاث سنوات خلف قضبان الظلم والاستبداد في محكمة عسكرية بدأت بمهزلة وانتهت بفضيحة، إلا أن أغرب ما فيها هي أن الاتهامات التي على أساسها قامت القضية استبعدتها المحكمة، والتي كان أبرزها غسل الأموال والعرض العسكري لطلاب الأزهر؛ ولأنها مسرحية فقد صدرت الأحكام دون أي اعتبار لقانون أو دستور أو حتى احترام لعقول المشاهدين، أقصد المتابعين.
وهذه ليست المرة الأولى التي يكون المهندس مدحت الحداد أحد أبطال مسرحيات النظام الهزلية التي يُطلق عليها مجازًا محاكمات حتى وإن كانت عسكرية، فقد سبقت محاكمته في قضية النقابات المهنية، والتي كان على رأسها فضيلة المرشد العام الحالي للجماعة الدكتور محمد بديع عام 1999م، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات؛ ليستمر اعتقاله عدة مرات كان منها اعتقاله مرتين في يوم واحد، لينتهي المشهد حتى الآن بمحكمة عسكرية ثانية كان على رأسها المهندس خيرت الشاطر.
والمهندس الحداد أحد رجال الأعمال البارزين والاقتصاديين الوطنيين الذين طالتهم يد الحكومة الظالمة دون التفات لما يمثله ذلك من آثار خطيرة على الاقتصاد الوطني الذي عانى لفترات طويلة من الفساد والنهب، ثم مؤخرًا من الغلق والتضييق.
(إخوان أون لاين) التقى بالمهندس مدحت الحداد الذي استقبله أهله ومحبوه وجيرانه بفرحة عارمة، أكدت تعاطف ومساندة الشعب المصري للإخوان المسلمين، واستطعنا رغم كثرة المهنئين وعشرات الاتصالات أن نُجري معه هذا الحوار:
* تساؤلات كثيرة ما زالت تطرح نفسها عن السبب الحقيقي وراء المحاكمة العسكرية لكم، خاصة أن المحكمة ضمَّت مجموعةً منتقاةً من الإخوان المسلمين ربما لم يلتقِ عدد كبير منهم ببعضهم إلا في عنبر الحبس.. فما هو السبب من وجهة نظرك في هذه القضية؟
** الأسباب المشتركة بين الإخوان الذين كانوا في القضية كثيرة منها: ردّ النظام على فوز 88 نائبًا في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، والأداء الواضح لنواب الإخوان في كشف الفساد، وأسباب أخرى منها: منع الإخوان من الترشح لانتخابات مجلس الشورى، كما أن هناك أسبابًا خاصَّةً لكل واحد منَّا، وفي حالتي على سبيل المثال أعتقد أن السبب وراء اعتقالي ثم محاكمتي يرجع إلى إصراري على فضح ممارسات الداخلية، والإعلان عن شكل وتفاصيل جهاز مباحث أمن الدولة في مدينة نصر، وكشف السجون السرِّية فيه، والذي لم يكن معلومًا لدى الجميع؛ حيث تم اقتيادي إليه أيام قضية المهندس الشهيد أكرم زهيري للتعذيب، ووقتها كان هذا المكان مجهول الهوية إلا أنني بفضل الله استطعتُ أن أحدد المكان وأُعلن في أكثر من صحيفة عن وصف وشكل الجهاز، وأصبح مكانًا معروفًا لدى كلِّ من يتم اقتياده هناك؛ ومما يؤكد على كلامي هو أن القضية كانت في القاهرة، وتخص طلاب جامعة الأزهر، وأنا لست أستاذًا جامعيًّا ولا من سكان القاهرة أو ضواحيها أصلاً.
بين محاكمتين
![]() |
** في البداية كنت أشعر من إجراءات الضبط والتفتيش ثم التحقيقات أن هناك أمرًا غريبًا لكن غير واضح المعالم، وعندما تقابلت في التحقيقات مع الدكتور محمد علي بشر كنت أظنُّ أنه جاء ليطمئن علينا، ولكنني فوجئت أنه مقبوض عليه معنا، فأيقنت أن في الأمر شيئًا جديدًا عن القضايا العادية؛ خاصة بعدما تمَّ ضم مجموعتنا إلى مجموعة المهندس خيرت الشاطر ثم إلى مجموعة الأستاذ حسن مالك؛ مما زاد في تقديري ورؤيتي أن القضية مقبلة على نفق مظلم، وكنت متوقعًا أنه بين لحظة وأخرى ستتم إحالتنا إلى المحكمة العسكرية؛ لأن اعتقال هذه التشكيلة من هذه النخب والمحافظات لا توحي أن الأمر سيمر بأمان.
* كنت في محاكمتين عسكريتين.. ما الفرق بينهما؟
** لا فرق بينهما فكلاهما عبارة عن محضر تحريات لتُهم واهية وظالمة، والمحاكمتان في نفس القاعة، وحتى طريقة الحضور كانت واحدة، بينما الفارق الوحيد في نوعية التُّهم ومدة الأحكام التي وصلت لأول مرة إلى سبع سنوات.
* البعض يرى أن القضية في الأساس موجهة إلى الاقتصاد الإخواني، وإلى رجال الأعمال من الإخوان، وهو ما أثَّر على شركاتهم، وبالتالي على أداء الإخوان وتمويل نشاطهم في الشارع؟
** أولاً أنا أتحفَّظ على كلمة الاقتصاد الإخواني، لأننا جميعًا جزء من الاقتصاد القومي المصري، أما أن هذه القضية كانت موجهةً لرجال الأعمال الإخوان فهو أمر لا يقبل الشك بدليل أن الأستاذ حسن مالك كان على رأس القضية مع المهندس خيرت الشاطر، والأستاذ مالك رجل أعمال كبير ومعروف، وكذلك باقي رجال الأعمال الذين ضمتهم القضية، ولا شك أن حجم الخسائر التي خلفتها هذه القضية كان كبيرًا ليس على صعيد أصحابها فقط، وإنما على صعيد الوطن كله؛ لأن هناك المئات من الأسر أو الآلاف تمَّ تشريدها في وقت ترتفع فيه نسب البطالة وزادت فيه صعوبة الحصول على فرصة عمل، وغلق هذه الشركات أدى إلى زيادة البطالة، كما شوه صورة الاقتصاد المصري المهزوز أصلاً في الخارج.
وفيما يتعلق بأن هذه الضربة كانت موجهة للحد من أداء الإخوان في الشارع فهو أمر قد يكون صحيحًا؛ بدليل أنه قبل اعتقالنا بشهر ونصف كان هناك اجتماع بين وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس وبعض رجال المخابرات في مصر والسعودية والأردن والمغرب وبعض الدول العربية وكانت المشكلة عندهم هي كيفية تجفيف منابع الإخوان المسلمين، وهناك فرق تمامًا بين الشركات الاقتصادية القائمة وتمويل الإخوان، وهذا ما ثبت بوضوح أثناء المحاكمة، وعلى الرغم من عدم قانونية اللجنة التي تحدثت عن هذا الأمر في المحكمة إلا أنها أقرَّت بعدم وجود تمويل من هذه الشركات لجماعة الإخوان، وهذه شهادة حق في حقنا نعتز بها، أما تمويل جماعة الإخوان المسلمين فما زال منذ أيام المرشد الأول ومؤسس الجماعة الإمام حسن البنا إلى المرشد الثامن الدكتور محمد بديع من جيوب الإخوان ومن أموالهم الخاصة، ولك أن تتخيل لو أن مئات الآلاف من الإخوان دفع كل واحد منهم مبلغ 10 جنيهات فكيف سيكون دخل الإخوان؟ وبالتالي لا علاقة بين الشركات وتمويل الإخوان.
68 شركة ضحية
* وماذا مثَّل إغلاق شركتك بالنسبة لك؟

** لم يكن إغلاق الشركة هو الأول في هذه المحاكمة؛ حيث سبق أن تم إغلاقها في المحاكمة العسكرية السابقة.
وليس هناك جدال أن إغلاق شركتي يُمَثِّل خرابًا؛ حيث إنه من المفترض أن تكون هذه الشركة أحد أهم الكيانات الاقتصادية في الإسكندرية بشكل خاص، وفي مصر بشكل عام.
وبالفعل حقَّقت هذه الشركة نجاحًا وحضورًا قويًّا حتى عام 1998م، قبل اعتقالي في قضية النقابات المهنية عام 1999م، أما الآن فقد دمَّرتها الدولة عن بكرة أبيها، ورغم أنها شركة مساهمة مصرية وقائمة ككيان رسمي إلا أنها غائبة فعليًّا.
* بصفتك رجل أعمال ما هي الآثار السلبية الملموسة على الأرض لغلق شركات الإخوان؟
** لقد تمَّ غلق 68 شركةً كانت مملوكة لرجال أعمال تمَّت محاكمتهم في القضية الأخيرة، ليس لأنهم سرقوا أموال البنوك وهربوا بها أو تلاعبوا بالقوانين، وإنما لأنهم من الإخوان؛ ومما يحزنك أن جميع هذه الشركات كانت معروفة في السوق بسمتها الإسلامي، وهو ما أحدث رد فعل سريع جدًّا وعكسي في البنوك الإسلامية، ففي نفس أسبوع الإعلان عن إغلاق الشركات وقرار النائب العام بالتحفظ تم سحب أموال طائلة من البنوك الإسلامية المصرية؛ لشكوك أصحابها في نوايا الدولة الخاصة بالتعامل مع أصحاب المؤسسة المالية الإسلامية، وكذلك البورصة التي تأثرت أيضًا بشدَّةٍ عند إغلاق شركات الإخوان إلا أن التأثير الأكبر كان على البنوك الإسلامية.
* وهل أدى ذلك إلى حدوث أزمة مالية؟
** بالفعل أدت هذه الإجراءات إلى حدوث أزمة مالية في السوق، وعندما قمنا بحصر الخسائر المالية للسوق وجدناها تجاوزت عشرات الملايين من الجنيهات، بالإضافة إلى تسريح آلاف العاملين من هذه الشركات وانضمامهم إلى قطار البطالة، وخسائر أخرى مادية وبشرية لا تُحصى، وفي النهاية فهي مأساة من نوع آخر ضمن سلسلة المآسي التي يتعرض لها الإخوان المسلمون، فمئات الشركات تم إغلاقها إضافة لعشرات المدارس، وما صاحب هذا الإغلاق من تشريد عمالي وأسري.
وبهذه المناسبة فأنا أُشكك في كل كلام الحكومة حول أهمية تقييد النسل بحُجَّة أن الدخل القومي المصري والإنتاج والموازنة لا يواكب هذه الزيادة، وهي عبارات خاوية، فكيف تتحدث الحكومة عن ضعف في الموازنة يؤثر على الأولاد في الوقت الذي تقوم فيه بمنع مدخلات إلى الموازنة العامة للدولة من خلال الشركات المساهمة التي تقوم بتأدية واجباتها تجاه الوطن، في وقت يغيب فيه رجال أعمال الحزب الوطني عن تأدية مستحقاتهم المالية للدولة.
مناخ مظلم
* كيف ترى إذن المناخ الاقتصادي في مصر؟
** المناخ الاقتصادي المصري كله في حالة اضطراب وهو ما يظهر واضحًا من خلال القرارات والقوانين واللوائح المالية التي تُحدث أنواعًا من الذعر بين الناس بين الحين والآخر، وكان آخرها قانون الضرائب العقارية، ومن قبله قصة بيع حصة مصر في المال العام أو ما يُعرف بمشروع الصكوك، وهذا كله يعكس أن الأمور في مصر غير مدروسة وغير محسوبة، وإن لم يكن هذا النظام قادرًا على إدارة مقدَّرات الوطن، فالأفضل له أن يتركها لمن هم أقدر على إدارتها، والحرص عليها وتنميتها.
وللأسف فقد كان بإمكان الدول العربية أن تستغلَّ الأزمة المالية العالمية في أن تتحرر من قيود وضغوط الإدارة الغربية من خلال أن تتوحدَّ في إدارة مالية وتعاون مشترك بينها بدلاً من بنوك الغرب التي تتهاوى واحدًا تلو الآخر، ورغم التصريحات التي يرددها المسئولون في الدول العربية بأننا لم نتأثر بالأزمة إلا أن الحقيقة بدأت تتضح، فالخاسر الأكبر في الأزمة المالية العالمية هم العرب، وأتوقع أن يتم الإعلان عن حجم هذه الخسائر خلال الفترات القليلة القادمة.
* لا شك أنك داخل السجن كنت تفكر في أعمالك وتجارتك، كما أن السجن كان فرصة للالتقاء بخبرات اقتصادية مختلفة فما الذي كان يدور بينكم؟
** لا أخفي سرًّا أن مجموعة رجال الأعمال في المحاكمة العسكرية كان تفكيرها حول طريقة العمل والأداء بعد الخروج من السجن في ظل وجود هذا النظام وفي ظلِّ التخوفات الشديدة من جذب رءوس أموال جديدة؛ خوفًا من ضربها رغم قانونية الإجراءات التي يتم بها استثمار هذه الأموال.
وأعتقد أن الكيانات التي تستطيع الصمود في السوق المصري هي الكيانات الكبيرة، وكم أتمنى أن أقوم بتأسيس شركة مساهمة كبيرة تجمع رجال أعمال مصريين وتعمل من أجل الصالح الوطني، لكن أعتقد أن هذا لن يكون مع هذا النظام، والضربات الأمنية المتلاحقة، فالأمر يحتاج إلى التريث قبل الإقدام على هذه الفكرة.
ولذلك فإنني في الوقت الحالي لا أستطيع أن أحدد شكلاً معيَّنًا للعمل على غير طبيعة رجال الأعمال، فالتفكير في الضربات الأمنية يلاحقني قبل الشروع في أي عمل، وهذا بالتأكيد ليس يأسًا أو إحباطًا ولكنه ضرورة؛ حتى نعرف إلى أين يذهب النظام بنا وبمصر، فكيف تطلب مني أن أعمل في ظلِّ نظام يُغلق مئات الشركات بجرَّة قلم من ضابط غير مسئول؟!.
مجازفة محسوبة
* معنى ذلك أن رجال الأعمال الإخوان يفكرون في تقليص استثماراتهم؟

** التريث ليس معناه أن يُغلق أحد شركاته أو يقلص استثماراته، كما أن التريث ليس مقصورًا على الإخوان فقط، بل إن بعض رجال الأعمال الآخرين سحبوا بالفعل استثماراتهم من مصر؛ خاصة بعد بعض التسريبات بوجود قائمة لعدة مشروعات مطلوب إغلاقها وضربها تباعًا، وبالتالي فإن هذا الجو من الإرهاب المالي لأفراد الشعب المصري ورجال الأعمال المصريين والعرب غير مناسب للاستثمار بأي شكل من الأشكال.
* لكن عدد الشركات التي يتم افتتاحها في مصر يؤكد عكس كلامك؟
** أن تقوم بافتتاح شركة جديدة أمر وإغلاق شركات أخرى قائمة وناجحة ومستقرة ماليًّا ودوليًّا أمر آخر ليس له علاقة بعدد الشركات، لأن هذا العدد لم يحقق أي طفرة في الناتج القومي أو الموازنة المصرية.
