- الخضيري: الأجهزة الرقابية تحوَّلت لديكور يشجع المفسدين
- د. عمار حسن: ملفات الفساد كثيرة ولكنها تنتظر الضوء الأخضر
- د. المصري: الأخلاق والمبادئ والعدالة أساس محاربة المفسدين
تحقيق- شيماء جلال:
لم يكد عام 2010م يبدأ في تنفس هوائه وإعادة فتح ملفاته المختلفة، وخاصةً ملفات الفساد حتى قام الدكتور محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان السابق وعضو مجلس الشعب عن الحزب الوطني الديمقراطي ورئيس شركة الخدمات البترولية البحرية المملوكة للدولة قام بحجز مقعد متقدم جدًّا في قائمة الفساد الحكومي، ساعده في ذلك ما كشفته تقارير الرقابة الإدارية، والتي قالت إن الرجلَ فاسد، وإنه عندما كان وزيرًا تاجر بأراضي الدولة وخصص أراضي بالمحسوبية والرشوة والمجاملة لأفراد عائلته ولعددٍ من رجال الأعمال ومسئولين كبار جدًّا في الحكومة والنظام بشكلٍ مخالفٍ للقانون.
تقرير الرقابة الإدارية رغم أنه جاء متأخرًا إلا أنه قدَّم أكثر من 60 مستندًا بخط الوزير وعدد من رجال الأعمال تثبت أن الوزير السابق خصص أراضي الدولة بالمحسوبية والرشوة والمجاملة بالمخالفة لقانون هيئة المجتمعات العمرانية، وقرارات رئيس الوزراء.
وذكر التقرير أن سليمان استغلَّ منصبه الوزاري طيلة 12 عامًا في تخصيص أراضٍ له ولأسرته وأصدقائه وعددٍ من رجال الأعمال مقابل رشاوى مادية عبارة عن خمس شقق من أحد رجال الأعمال ومبالغ مالية في صورة شراء عقارات مملوكة لأسرته بأغلى من سعرها؛ حيث يمثل فارق السعر مبلغ الرشوة.
وكشف التقرير عن أن الوزير السابق خصص 1500 فدان من الأراضي لرجل أعمال ومقاول دون مزاد، في مخالفةٍ للقانون، مقابل بيعه لرجل الأعمال قصرًا يعود إليه بمبلغ يزيد عن السعر الحقيقي بسبعة ملايين جنيه.
وأورد التقرير تفصيلات بشأن حصول زوجة سليمان وأولاده على قطع أراضٍ تملكها الدولة بأسعار بخسة، إضافةً إلى تجاوزاتهم على مساحات الأراضي، والتي تقع في مدن عمرانية جديدة.
وأضاف أنه على سبيل المثال قدَّم شريف محمد إبراهيم سليمان- عندما كان قاصرًا- طلبًا لوالده الوزير بتخصيص قطعة أرض فضاء بمنطقة الجولف بالقاهرة الجديدة للبناء عليها، وقد وافق الوزير على تخصيصها بمساحة ألف متر، وعندما قام مسئولو هيئة المساحة بقياسها كتبوا أن مساحتها زادت إلى 2500 متر، وعند تسليمها على الطبيعة تبيَّن زيادة المساحة مرةً أخرى إلى 4500 متر مرة واحدة، وبمزيدٍ من البحث والتحري تبيَّن أن الوزير السابق قام بدمج 4 قطع في قطعة واحدة، وجعل القطع الأربع تحمل رقم القطعة التي قدَّم نجله الطلب برقمها.
وأوضح التقرير أن وزير الإسكان السابق كي يتحايل على القانون أنشأ لجنة تخصيص لمدة 3 سنوات قامت بتخصيص الأراضي لزوجته وأبنائه بالمخالفة للقانون، ولم تُسدد زوجة الوزير وأبناؤه ثمن الأرض التي حصلوا عليها بسعر 300 جنيه إلا بعد 3 سنوات، على الرغم من أن سعر المتر وقت التخصيص كان 500 جنيه في القطع المجاورة، ووصل إلى ألف جنيه عندما سددوا بأثرٍ رجعي بنفس سعر الـ300 جنيه ودون غرامات تأخير.
وأكدت الرقابة أن السيدة منى المنيري قدَّمت لزوجها الوزير السابق طلبًا بتخصيص قطعة أرض مساحتها 1400 متر لبناء فيلا عليها، فمنحها إياها، وجعل لها حديقة بمساحة 700 متر.
أما ابنته دينا فقدمت أيضًا طلبًا لوالدها الوزير السابق تطلب منه تخصيص قطعة أرض بمنطقة المشتل بالتجمع الخامس بالقاهرة الجديدة بمساحة ألف متر، وعندما توجه مهندسو المساحة لقياسها أثبتوا أنهم وجدوا مساحتها 1500 متر، وعندما توجه مسئولو وزارة الإسكان لتسليمها المساحة على الطبيعة تبيَّن أن مساحتها وصلت إلى 2400 متر على الطبيعة، وبعد ذلك باعتها إلى شركة كارلتون للاستثمارات العقارية.
كما مكَّن الوزير السابق أولاده من الحصول على 3 فيلات متجاورة في مارينا بالساحل الشمالي لأبنائه القُصَّر شريف ودينا وجودى؛ وذلك من مال الوزير نفسه؛ لأنهم كانوا قاصرين؛ حيث كان الوزير يبيع بصفته وزيرًا ثم يشتري بصفته أبًا لأبنائه القصر.
فضلاً عن منحه ابنته جودى قطعة أخرى بمساحة 750 متر بمنطقة الجولف بالتجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، وتخصيص قطع أراضٍ أخرى لأقارب زوجته.
ليس هذا فحسب، بل كشفت التحقيقات الأولية لنيابة الأموال العامة العليا في القضية رقم 408 لسنة 2009م أن الوزير السابق تلقَّى رشاوى تجاوزت الـ20 مليون جنيه من رجال الأعمال؛ وذلك مقابل تخصيص أكثر من 8 ملايين متر في كلٍّ من مدن القاهرة الجديدة وأكتوبر والشيخ زايد والعبور وفايد بسعر 250 جنيهًا للمتر، بينما كان سعره في القطع الملاصقة في الوقت نفسه 500 جنيه؛ مما يعني إهدار المال العام بمبلغ يتجاوز عدة مليارات من الجنيهات.
وأفادت قيام الوزير سليمان بتخصيص 570 فدانًا لشركة "المهندسون المصريون" للاستثمار العقاري والمملوكة لرجل الأعمال يسري سعد زغلول بمدن القاهرة الجديدة والشروق والعبور والسادس من أكتوبر بسعر يتراوح من 50 إلى 110 جنيهاتٍ للمتر الواحد في 27 يوليو 1994م.
ومن المقرر أن تنتهي نيابة الأموال العامة العليا خلال الأسبوع المقبل من تحقيقاتها في البلاغات المقدمة من 47 عضوًا من أعضاء مجلس الشعب وتقرير هيئة الرقابة الإدارية ضد النائب المهندس إبراهيم سليمان وزير الإسكان السابق، حول ارتكابه العديد من المخالفات على مرور 12 عامًا قضاهم بالوزارة.
ما سبق يدفعنا للتساؤل: أين الرقابة على المسئولين، وخاصةً الوزراء؟ وإذا كان البعض يرى أن هذه تصفية حسابات مع الوزير الفاسد.. فكيف هو حال بقية الوزراء والمسئولين؟ ومَن يقف وراء تعطل مناقشة قانون محاسبة الوزراء في مجلس الشعب؟ والسؤال الأخطر: مَن المسئول عن تشعب الفساد في مصر؟ وأين قوانين مكافحة الفساد أم أنها باتت طي الأدراج؟ أم أن هناك مَن يحمي المفسدين لأنهم مستفيدون من وجودهم؟.
ورم سرطاني
![]() |
|
المستشار محمود الخضيري |
وفيما يتعلق بانتشار العديد من الأجهزة الرقابية التي تكشف الفساد سواء الجهاز المركزي للمحاسبات أو الكسب غير المشروع ونيابة الأموال العامة، أكد الخضيري أنهم أصبحوا صورةً أو ديكورًا لا يقومون بأي فعل؛ وذلك لأن النظام لا يحارب الفساد بل يُشجِّع المفسدين للاستمرار في فسادهم، وهو ما ظهر بوضوحٍ في قضية وزير الإسكان السابق إبراهيم سليمان.
ووصف الخضيري الفساد في مصر بأنه "ورم سرطاني متشعب" ينتشر بشكلٍ كبير، مشيرًا إلى أن الفاسد عندما يتولى منصب يصطحب معه فاسد آخر لكي يعاونه على الفساد، وهذا سبب كارثة السلطة المطلقة لعددٍ من المسئولين ورجال الأعمال بالدولة.
ويستكمل أن هناك فسادًا للكبار وآخر للصغار، ولكن فساد الصغار لا يكون بالدرجة التي يظهر بها فساد الكبار، وخاصةً الوزراء والمسئولين الذين يحملون أمانةً في تلك الوظائف التي تقع على عاتقهم.
الضوء الأخضر
د. عمار علي حسن
ويرى الدكتور عمار علي حسن رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط أن الفساد في مصر ليس فسادًا فرديًّا، ولكنه فساد نظام؛ حيث يقتسم المسئولون مغانم تلك العمليات الفاسدة، مشيرًا إلى أن الأجهزة الرقابية لديها العديد من الوثائق والمستندات ضد عددٍ كبيرٍ من المفسدين، ومنهم مَن يشغلون مناصب قيادية مهمة بالدولة، ولكن التقارير تظل طي أدراج الجهاز المركزي للمحاسبات ونيابة الأموال العامة، ولكن لا يتم فتحها إلا من خلال إعطاء الدور الأخضر من قِبل النظام.

وفيما يتعلق باختيار توقيت فضح الممارسات الفاسدة لوزير الإسكان الأسبق وإحالته إلى النيابة للتحقيق، يُعلق د. عمار قائلاً: "إنه يتم الكشف عن كبار المسئولين وفضحهم حينما يُعطي النظام الضوء الأخضر؛ حيث نجد من حينٍ لآخر أن النظام يقدم كبشَ فداء لكي يرتدي النظام ثوب الطهر والإصلاح، وهو في الحقيقة يهدف لمآرب خاصة وشخصية".
وفنَّد عددٌ من الأمثلة حول وقعات تُشبه وقعات وزير الإسكان الأسبق، ومنها محيي الدين الغريب ومستشار وزير الثقافة وماهر الجندي محافظ الجيزة الأسبق.. وغيرهم.
وعن عقاب الوزراء والمسئولين يذكر د. عمار أن العقوبة تتم تبعًا للتوجيه السياسي؛ لأن التوجيه السياسي من البداية هو الذي يُحركها، وهناك بعض المسئولين تم محاكمتهم مثل مستشار وزير الثقافة ورجل الأعمال طلعت مصطفى، والحكم على هاني سرور الذي لا يعلم أحدٌ عنه شيئًا حتى الآن.
رءوس الفساد
"قضية إبراهيم سليمان تدل على وجود أكبر منظومة فساد في مصر من أكبر رأس لأصغر رأس".. بهذه الكلمات بدأ جورج إسحاق القيادي بحركة كفاية وصف أحداث الفساد التي تكشفت لوزير مصري استمرَّ في منصبه اثني عشر عامًا مارس خلالها أبشع جرائم الفساد، مشيرًا إلى أن الفساد في مصر لا يكون من قِبل فردٍ واحدٍ فاسد، بل إنه منظومة متكاملة مشترك فيها النظام بأكمله.
وأضاف إسحاق أننا عندما نطالب بقطع رءوس الفساد والقضاء على المفسدين يرد علينا النظام بالهجوم وعدم الموضوعية بدلاً من محاسبة المفسدين، مشيرًا إلى أن الفساد أصبح ثمة أصيلة في كل قضية وكل أزمة فلا توجد أزمة إلا ونجد خلفها أصابع خفية من قضية سليمان وقضية وزارة البترول ومرورًا بأزمة الهجانة التي ظهر فيها تزاوج السلطة بالمال، فهناك رجال أعمال مُدعَّمون من قِبل السلطة اشتروا وقاموا بالتمويل ويضحكون علينا بأنهم يبحثون عن مصلحة السكان.
حماية المسئولين
ويفند الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد والعميد السابق لكلية العلوم الإدارية بأكاديمية السادات الآثار الاقتصادية لعمليات الفساد قائلاً: "إن جميع الآثار للفساد تكون آثار سلبية تضر بالاقتصاد؛ حيث تختل مخصصات الموارد وهياكل توزيع الدخول وكذلك المدخرات، ومن ثَمَّ سوء توزيع الاستثمارات".
وعن دوافع الفساد التي تدفع بعددٍ من المسئولين أمثال وزير الإسكان للوقوع في مثل تلك القضايا يقول د. المصري: إن الفساد متدرج من فساد فردي إلى إداري ومالي، وعلى مستوى الهيئات والمنظمات يكون ناتج من استغلال فرد لمنصبه؛ نظرًا لوجوده بمنظمة أو هيئة تساعده على ذلك أو لمعرفته بمسئول يقوي ظهره ويحميه.
وحول المخرج من دائرة فساد المسئولين عول د. المصري على الأخلاقيات والمبادئ والعدالة، مؤكدًا أن تلك المنظومة الثلاثية إذا توافرت ستكون لدى كل فرد في كل جهة إستراتيجية واضحة في عمله وبها يختفي الفساد متسائلاً: "إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا فما شيمة أهل البيت؟!".
ويؤكد الدكتور صلاح الدين فهمي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر أن الفساد يؤثر بشكل كبير على دخول الأفراد، والذي من شأنه أن يؤدي إلى زيادة البطالة، مشيرًا إلى أن الفساد يوازيه نقص في الدخل القومي، ومن ثَمَّ تنخفض القيمة المضافة ويحدث عجز بالموازنة في ظلِّ غياب تحصيل الإيرادات والنفقات.
وتوقَّع صلاح الدين أن ترتفع نسبة الفساد في قطاعات مثل المالية والإسكان والمرور إلى أكثر من 80 %، بينما تقل في القطاعات الأخرى التي يحدث فيها تفاعل مباشر مع المواطنين.
قوانين الأدراج
صبحي صالح
وحول قوانين محاسبة ومعاقبة المفسدين وإيقاف عواصف الفساد التي تعصف بمصر أوضح صبحي صالح عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن هناك فسادًا في المؤسسة التنفيذية والتشريعية؛ مما ترتب عليه الاتفاق لإفساد القضاء من خلال إقحام بعض التعديلات التشريعية التي تسعى للانتقاص من سلطة القضاء والتدخل في أعماله، ومن ثَمَّ أصبح القانون طي الأدراج.

ويتابع صالح: إذا صدر حكم تجاه أي مفسدٍ من الوزراء أو المسئولين أو رجال الأعمال في قضية ما مثل وزير الإسكان في الحصول على رشاوى وتخصيص أراضٍ لأفراد أسرته وعدد من رجال الأعمال يتم على الفور تهريبه للخارج حتى يسقط الحكم؛ مما يدلُّ على عدم جدية الحكومة والنظام في معاقبة المسئولين، وعرقلة قوانين محاسبتهم تبرهن على ذلك.
وطالب صالح بحتمية حدوث إصلاح سياسي من خلال احترام إرادة الأمة ومن خلال انتخابات نزيهة حرة بإرادة شعبية مع تحقيق استقلال كامل للقضاء وسيادة القانون واحترامه حتى تتوافر كافة أشكال المساءلة القانونية لجميع المفسدين والمحتكرين على كافة المستويات دون تفريقٍ بين غفير أو وزير.
