- د. هاني رسلان: تجربة السودان فشلت بسبب غياب الرؤية لدى حكومتنا

- د. أبو بكر: نجاح المشروع تحكمه ضوابط.. وبدائل الوادي الجديد أفضل

- عبد الحفيظ الصاوي: اللجوء لأوغندا مغامرة.. واستبعاد الضغوط الخارجية سذاجة

- النائب حمدي إسماعيل: زراعة القمح داخليًّا يزيد فرص العمل ويحدُّ من المخاطر

 

تحقيق- نورا النجار:

"من السودان إلى أوغندا.. يا قلبي لا تحزن" هذا هو لسان حال سياسة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية فيما يتعلق بالاكتفاء الذاتي من القمح، والتي أعلنت مؤخرًا عزمها استصلاح وزراعة مليونَي فدان قمح بأوغندا؛ بدعوى تحقيق جزءٍ من الاكتفاء الذاتي في إنتاج القمح، وهو ما استهجنه الدكتور فريد إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب تحت قبة البرلمان في طلب إحاطة عاجل تقدَّم به إلى د. أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء والمهندس أمين أباظة وزير الزراعة ود. محمود محيي الدين وزير الاستثمار ود. عثمان محمد عثمان وزير التنمية الاقتصادية، مؤكدًا أنه تم إرسال لجان فنية لتحديد المساحات التي يتم زراعتها على أن تقوم مصر بإمداد أوغندا بسلالات القمح المصري، إلى جانب إمدادها بالخبرات المصرية في زراعة أصناف القمح المقاومة للأمراض، وخاصةً أمراض الأصداء؛ لتقوم مصر بعد ذلك بشراء القمح من أوغندا بالسعر العالمي.

 

واتهم النائب وزارة الزراعة بالقضاء على كافة المحاصيل الإستراتيجية في الوقت الذي تدعم فيه المزارِع الأوغندي ومساندته وتحسين أوضاعه المالية والمعيشية على حساب الفلاح المصري التي قامت بافتعال الأزمات والمشكلات معه للتضييق الشديد من خلال السياسات التي تقودها ضده، والتي تهدف إلى نزوحه عن الزراعة وتبوير الأراضي الزراعية التي لا يغطي إنتاجها تكاليف زراعتها، ووصفها بأنها محاولةٌ بالمؤامرة الخطيرة على الفلاح والزراعة المصرية، خاصةً المحاصيل الإستراتيجية.

 

وتابع قائلاً: إن كان غرض الحكومة من زراعة مليونَي فدان من القمح بأوغندا هو الاكتفاء الذاتي من القمح، لماذا قضت الحكومة على المشروع الإرشادي الإنمائي لتطوير البنية الإنشائية للصحراء المصرية الذي يستهدف زراعة نصف مليون فدان، وتم تنفيذه في 43 قرية؟ مشيرًا إلى أن نتائجه كانت باهرةً؛ حيث تجاوزت إنتاجيته في الأراضي الطينية 33 إردبًا للفدان الواحد.

 الصورة غير متاحة

 د. فريد إسماعيل

 

وتساءل النائب عن عدم إقدام الحكومة على زراعة الأراضي الجديدة والصالحة لزراعة القمح التي تمكنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي منها نصف مليون فدان في الساحل الشمالي الشرقي إلى جانب مليون فدان من أراضي التوسع الأفقي، بالإضافة إلى مليون فدان أخرى في الساحل الشمالي الغربي التي يمكن زراعتها بالاعتماد على مياه الأمطار المتاحة من المياه في السدة الشتوية، فضلاً عن أراضي توشكى ومشروع مبارك؛ ليصل في النهاية إجمالي المساحات المتاحة للزراعة 3.5 ملايين فدان؟!!

 

يأتي ذلك في الوقت الذي تفرض فيه وزارة الزراعة تكتمًا إعلاميًّا ومعلوماتيًّا شديدًا وغير مبررٍ على نتائج التجربة المصرية السابقة في الأراضي السودانية منذ ما يقرب من العام ونصف العام؛ حيث قامت في ذلك الوقت بالإعلان عن زراعة عددٍ كبيرٍ من الأفدنة في الأراضي السودانية المعروفة بخصوبتها الشديدة، إلا أنه وحتى الآن لم تصدر من الوزارة ولا من الجهات المختصة أية معلومات عن نتائج هذه التجربة، والتي بات من الواضح أنها توقفت لسبب أو لآخر، وإن كان بعض المتخصصين الزراعيين اتهموا بعضًا من القائمين على استيراد القمح الأمريكي بالضلوع في إفشال المشروع والضغط على الدولة من أجل مصالحهم الاحتكارية.

 

تساؤلات عديدة تطرح نفسها: هل تمضي وزارة الزراعة قدمًا في استمرار تجربة زراعة القمح المصري في أوغندا؟ أم أن التجربة ستلاقي مصير نظيرتها السودانية؟ وهل حقًّا ستوفر زراعة القمح في أوغندا الاكتفاء الذاتي أم أنه نوع من أنواع تطوير العلاقات بين البلدين ليس إلا؟ ولصالح مَن يتم زراعة القمح المصري خارج مصر؟

 

رؤية غامضة

يتساءل الدكتور هاني رسلان رئيس وحدة دراسات حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات: لماذا لم تلجأ مصر إلى زراعة الأراضي السودانية وهي الأقرب للبلاد من الناحية الجغرافية والأكثر خصوبة أيضًا من الناحية الزراعية؟ مؤكدًا أن هناك عدم وضوح في الإستراتيجية الزراعية لدى الحكومة المصرية في إدارتها لمسألة زراعة القمح داخل الأراضي السودانية وتنظيم آلية هذه الإستراتيجية وتحديدها بما يعود بالنفع علي الزراعة في السودان وتستفيد منه مصر.

 الصورة غير متاحة

د. هاني رسلان

 

ويقول: كان هناك مشروع لزراعة القمح في الأراضي السودانية في منطقة (أرقين)، وهي تقع جنوب الحدود المصرية في أقصى الشمال السوداني إلا أنه توقف وللأسف الشديد دون إعلان الحكومة أي أسباب معلنة أو مفهومة على الأقل، رغم أنه كان هناك اتفاق من كلا البلدين على إتمامه.

 

وعن إمكانية وجود ضغوط سياسية لتوقف هذا المشروع يضيف د. رسلان: لا أعتقد وجود مثل هذه الضغوط وإلا لما اتفقت عليه الحكومتان بعد دراسات كثيرة، لكن ما أثير في هذه القترة عن أسباب توقف المشروع هو رفض أهالي المنطقة للمشروع برمَّته، وعلى كل حال فما نحن بصدده الآن من مشروع زراعة القمح المصري في أوغندا سيكون في مصلحة البلاد، إذا ما حكمته ضوابط تضمن لنا تحقيق جزء كبير من الاكتفاء الذاتي، وسيدعم العلاقة بين البلدين ومصر في حاجة إلى كل هذا بلا شك على المستوى السياسي بتحسين علاقاتها مع دول حوض النيل؛ مما سيحقق لها بعض مصالحها السياسية في هذه المنطقة الزراعية بالسعي للوصول إلى جزء من اكتفائها الذاتي.

 

مخاطر كبيرة

ويخالفه الرأي الدكتور حسن أبو بكر أستاذ الزراعة جامعة القاهرة قائلاً: زراعة القمح المصري في أوغندا حلٌّ من الحلول الحكومية التي تنطوي على مخاطرة كبرى، فكوننا نزرع في أرض غير أرضنا ودولة غير دولتنا فيه مخاطرة كبيرة بمحصول إستراتيجي وهو محصول القمح، خاصةً إذا ما علمنا أن الدول الإفريقية من أكثر الدول التي تتميز بالتوتر السياسي والقبلي وعدم الاستقرار.

 الصورة غير متاحة

 

ويضيف: لن نمنع الدولة من إتمام المشروع والحكم عليه بالفشل، لكن عليها أن تدرك جيدًا أنه حلٌّ من الحلول التكميلية وليس حلاًّ رئيسيًّا، فلا بد لنا من امتلاك مقدراتنا بأيدينا، لا أن نتيح الفرصة للغير كي تكون له سلطة علينا، فهذا المشروع أشبه بالاستيراد أو الزراعة التعاقدية مع اختلاف الظروف المتحكمة في الزراعة، مطالبًا الحكومة بوضع اتفاقيات محددة وشروط حازمة؛ كي تضمن تحقيق مصلحة البلاد من وراء هذا المشروع، وحتى لا يدخل الأمر كله في نطاق المغامرة.

 

ويشير د. أبو بكر إلى وجود بعض البدائل الأخرى داخل مصر والتي تغنى عن اللجوء لزراعة القمح خارجيًّا عن طريق زراعة بعض أراضي الوادي الجديد بالقمح أو الشعير بدلاً مما يحدث الآن من زراعتها بالأرز، والذي يعدُّ مصيبةً كبرى بسبب وجود مشكلات كبيرة في مصر بالنسبة للمياه الجوفية والتي تنضب باستمرار ولا تتجدد.

 

وعن أسباب توقف تجربة زراعة القمح المصري في السودان قال إن السودانيين لم يعودوا بنفس الودِّ الذي كانوا عليه معنا؛ بسبب تقصير مصر في حل مشكلاتهم، ومساهمتها الفعَّالة في تحقيق الاستقرار الداخلي، والذي كان سيعود علينا بالنفع السياسي والزراعي بشكل كبير ومؤثر؛ ما أعاق التواصل بين البلدين في هذا المشروع.

 

وعن إمكانية تحقيق مصر لاكتفائها الذاتي من جرَّاء هذه الزراعة يقول: فكرة الاكتفاء الذاتي تأخذ طابعًا سياسيًّا أكثر منه علميًّا، فالاكتفاء لا يتحقق بتوفير كل احتياجاتنا من القمح وفقط، لكن على الأقل لا بد من وجود إمكانية لمصر على إجراء التبادل العادل مع الدول الأخرى في كل شيء وليس في القمح فقط تمامًا، كما هو الحال في اليابان، فهي لا تتمتع بتحقيقها للاكتفاء الذاتي في القمح، لكن لديها البدائل الأخرى التي تفرض بها وجودها على الساحة إذا ما دعت الحاجة لذلك.

 

ورقة ضغط

الصورة غير متاحة

عبد الحافظ الصاوي

على الصعيد الاقتصادي يقول عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي: المعروف للجميع: إننا في مصر نعتمد على مصدرين للقمح؛ الأول هو القمح الأمريكي، والذي يُستخدم كورقة ضغط سياسية على مصر، والثاني القمح الروسي، وكلنا رأينا مدى حجم الفساد الذي حدث فيه؛ الأمر الذي أدَّى بنا إلى أن نصبح عاجزين عن تصنيع رغيف الخبز بأنفسنا وبإرادةٍ خالصة؛ ما مثَّل ضغطًا اقتصاديًّا وسياسيًّا خطيرًا على البلاد.

 

ويؤكد الصاوي أنه كان لزامًا على الدولة الاعتماد على زراعة القمح داخل البلاد؛ لأنه أكثر حفظًا لأمننا القومي والاقتصادي، فحتى أوغندا هي الأخرى من الدول الإفريقية التي تمارس عليها ضغوطًا أوروبيةً من فرنسا وغيرها، والمغامرة بالزراعة فيها أمر خطير؛ لأنه من الممكن أن تُستغل ورقة القمح للضغط على مصر اقتصاديًّا من قبل الأوروبيين طالما وُجد في منطقة نفوذهم في الأراضي الأوغندية، كما لعبوا معنا أيضًا بورقة المياه، والأمر ليس خافيًا على أحد، فلماذا إذًا نُعرِّض اقتصادنا القومي للمخاطر ونحن بأيدينا الحلول بالداخل؟!.

 

واتفق الصاوي مع سابقيه متسائلاً: إذا كنا سنزرع في بلدٍ ما خارج حدود مصر، فلماذا لم نلجأ إلى السودان وهي الأقرب؟!.

 

وعن وجود مخاطر اقتصادية على المشروع في ظلِّ الأزمة العالمية الحالية، يقول: بالطبع سيكون للأزمة- والتي بدأت بأزمةٍ في الطاقة ثم في الغذاء ثم في أسواق المال- تأثير سلبي على الزراعة في أوغندا، خاصةً إذا ما علمنا أنه ومن اليسير جدًّا أن تُفرض جبايةً من الميليشيات المسلحة هناك على المساحات التي قامت مصر باستئجارها؛ مما يفرض عبئًا اقتصاديًّا على المشروع بأكمله.

 

بدائل أفضل

الصورة غير متاحة

د. حمدي إسماعيل

ويضيف حمدي إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة الزراعية بالبرلمان قائلاً: من المعروف عالميًّا أن مصر كي تحقق ما تهدف إليه من الاكتفاء الذاتي في زراعة القمح فإنها تحتاج إلى 3 ملايين فدان تتم زراعتها في الوقت الذي وصل إنتاجنا فيه إلى 7.6 ملايين فدان من أصل 13 مليون فدان من المفترض زراعتها لسد احتياجات الشعب من هذا المحصول، إذًا فمن بابٍ أولى أن تتجه مصر إلى زراعة القمح داخليًّا وليس على أراضي الغير بما سيتبعه تكلفة باهظة في الشحن وغيره، إضافةً إلى توفير فرص عمل للعمالة المصرية إذا ما تمَّت زراعته داخل البلاد.

 

ويستطرد: الحكومة تعلم أن هناك بدائل داخلية لزراعة القمح على أراضينا، فقد تقدمنا بمشروعٍ داخل البرلمان لاستصلاح أرض العلميين في الساحل الشمالي عن طريق نزع الألغام الموجودة بها منذ الحرب العالمية الثانية واستغلالها في زراعة القمح؛ حيث تتوافر بها مقومات الزراعة من توافر لمياه الأمطار وخصوبة التربة، لكن المشروع قوبل بالرفض بزعم عدم توافر الميزانية لاستصلاح هذه الأرض، وبدعوى أن استيراد القمح أفضل!.

 

ويشير إسماعيل إلى أن هناك مجموعةً من المستثمرين السعوديين حاولوا الحصول على أراضي داخل مصر لزراعة القمح بها بتأجيرها لمدة 90 عامًا بحق الانتفاع، إضافةً إلى وجود 4000 فدان من الأراضي الخصبة في الوادي الجديد بمصر وتجري تحتها أنهار من المياه الجوفية، إلا أنَّ كل هذا لم يلق اهتمامًا من قِبل الحكومة، مشددًا على أن محصول القمح أمن قومي مصري لا ينبغي أن تتدخل فيه أطراف أجنبية حتى ولو بالشراكة كي يصبح توافر القمح من أقوى حوائط الصد عن البلاد إذا ما تعرَّضت لأي ضغوطٍ مثلما حدث مع إيران والعراق واللتان وصلتا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من القمح، ولذا لم تتأثرا من فرض الحظر الجوي عليهما.

 

وبسؤاله عما إذا عُرض هذا المشروع على البرلمان قبل تنفيذه أجاب: لم يُعرض علينا في لجنة الزراعة هذا المشروع إطلاقًا، فنحن نعاني من القرارات الحكومية الفردية وسيطرة أغلبية الحزب الحاكم على اتخاذ القرار؛ الأمر الذي يجعل من فرص اعتراضنا ومنعنا لإيقاف مثل هذه المشروعات أمر ضئيل للغاية.

 

وعن توقعاته لنوع العمالة المستخدمة في أوغندا لزراعة القمح المصري أجاب: بالطبع ستكون عمالة أوغندية، فلن ترسل مصر إلى أوغندا عمالة مصرية؛ نظرًا للتكلفة التي ستكون عقبة إضافية إلى المشروع، في الوقت الذي نعاني منه في مصر من البطالة تذهب الحكومة لتوفير العمل للعمالة الأوغندية بدلاً من توفيرها للمصريين، إضافةً إلى تعرض المشروع للمخاطرة إذا ما توترت العلاقة بين البلدين، وهذا دليل على غياب التفكير المؤسسي، فنحن نعاني من فضيحةٍ كبرى فبعد أن كنا من أكبر موردي القمح أصبحنا لا نقوى على إنتاج رغيف الخبز في بلادنا.