- تسجيل الأدوية المحظورة عالميًّا في مصر بأسماء مستعارة

- ضعف الرقابة وانتشار الفساد بوزارة الصحة المسئول الأول

- شركات الدواء العالمية تمارس التدليس في الدول الفقيرة

 

تحقيق- الزهراء عامر:

تزايدت في الآونة الأخيرة بيع وتداول الأدوية المحظورة في الصيدليات، بل والمستشفيات الخاصة والحكومية جهارًا نهارًا دون رقيب أو حسيب، ووصل الأمر إلى قيام بعض الشركات الكبرى بتصنيع أدوية مغشوشة؛ حيث رصد المركز المصري لحماية ودعم صناعة الدواء في تقريره السنوي محاولاتٍ كثيرةً لخضوع مواطنين لتجارب لشركات دواء تتمُّ بعيدًا عن الأعراف والأصول والقواعد القانونية والعلمية المعروفة، وآخرها مقرارات "هلسنكي" الدولية لعام‏ 1999‏م.

 

وأعرب المركز في تقريره عن بالغ قلقه وانزعاجه مما وصفه بـ"فوضى شاملة ومتعمدة" تستهدف سوق الدواء المصرية، محذرًا من إهدار وضياع مبدأ إتاحة الحق في الدواء الآمن والجيد بالسعر المناسب للمواطنين؛ بسبب ممارسات تهدد سلامة وأمن وصحة الشعب المصري.

 

ولفت التقرير إلى أن دورية "لانسيت" العالمية والمتخصصة في الشأن الدوائي حذَّرت من وجود حالات انتهاك لصحة المصريين؛ نتيجةَ عدم خضوع الصناعة للرقابة، وشكَّكت في تزوير النشرات الطبية بواسطة الشركات.

 

 وقال التقرير: "السياسات التي تنتهجها وزارة الصحة منذ سنوات تركت مصير هذه الصناعة الإستراتيجية للأهواء الشخصية وأصحاب النفوذ".

 

وأكد التقرير أن العديد من الأدوية المتداولة في الأسواق المصرية وتباع بالملايين؛ تقوم الشركات بإخفاء ذكر الآثار الجانبية لها في النشرات الطبية، رغم أن هذه الشركات لا تقوم بهذا العمل اللا أخلاقي في دول أخرى بها أجهزة رقابية على صناعة الدواء في مختلف مراحله، ولا تقوم هذه الشركات بالإلزام الدولي كمقرارات "هلسنكي" بضرورة حصول المرضى على جميع المعلومات المتاحة قبل استخدامهم الدواء المحدد‏!.

 

كما نبَّهت هيئة الدواء والغذاء عن وجود مشكلات صحية ضخمة من آثار تناول عقار "أورليستات" المعروف تجاريًّا باسم "الزينكال‏"‏؛ حيث تبيّن إصابة ‏33‏ حالة بإصابات كبدية خطيرة، وطالبت الهيئة المرضى بضرورة الرجوع للسلطات المعنية بالأمر فورًا‏,‏ كما أرسلت تنبيهات إلى السلطات الموازية لها في الدول الأخرى بمتابعة الموقف‏، وكذلك عقار "سايلكوسبورين‏"‏ وهو عقار صيني تمت تجربتة داخل أحد معاهد الكلى الرسمية، وتم إيقاف العمل به‏ بعد شكاوى عديدة من مرضى المعهد، وعقار "ميرازيد‏" و"سيتوفرين"‏ وهما غير مسجليْن بوزارة الصحة، وتتم تجربتهما إلى الآن بمعرفة الأطباء رغم وجود قرار برفض تسجيله، إلا أنه يباع لمرضى الالتهاب الكبدي الوبائي ببعض المعاهد القومية، وكذلك عقار "ميتازول" والذي كان يتم وصفه للأطفال لعلاج‏ "‏الروتا فيروس"‏ داخل أحد المستشفيات التعليمية الكبرى المتخصصة؛ حيث تمت تجربته بواسطة أستاذة ورئيس قسم دون علم المرضى، وقد تمَّ التحقيق مؤخرًا مع الطبيبة وإيقاف تداول الدواء!.

 

وأكدت منظمة ‏"باكوفارما‏" الألمانية المتخصصة أن مصر من أعلى الدول انتهاكًا لصحة المصريين بسبب عدم وجود نُظُمٍ رقابية.

 

وقد قامت هيئة الدواء والأغذية الأمريكية (FDA) ووكالة الرقابة على الأدوية الأوروبية (EMEA) في الشهور الماضية بإطلاق تحذيرات متتالية عن وجود آثار سلبية لعدد من العقارات المتداولة في دول العالم، ومنها مصر، وجاءت هذه التحذيرات بعد دراسات وأبحاث متعددة ومتتالية عن علاقة هذه الأدوية وإصابة المريض بأمراض أخرى من جرَّاء الاستخدام، قد يصاب بها أو آثار سلبية تضاعف من مرضه.

 

والسؤال هنا يطرح نفسه: أين دور وزارة الصحة وهيئة الرقابة في الحد من تداول هذه الأدوية في الأسواق؟! ولماذا لا يوجد تشريع أو قانون يحد من هذه الظاهرة؟ وعلى أي أساس يتم تسجيل الدواء؟ وما الأضرار التي تلحقها الأدوية المغشوشة بجسم الإنسان؟

 

(إخوان أون لاين) يجيب عن هذه التساؤلات في سطور التحقيق التالي:

في البداية يقول الدكتور عمرو حلمي أستاذ جراحة الكبد: إن ‏80%‏ من المرضى في مصر يعالجون ويتناولون أدويةً دون أن يراهم طبيب، من خلال الاعتماد على الصيادلة أو الاستشارات العائلية‏,‏ وهي مشكلة يجب أن تبحثها الدولة؛ بحيث لا يصرف الدواء بدون روشتة طبيب‏,‏ خاصةً الأدوية التي من الممكن أن تسبِّب أضرارًا صحيةً جانبيةً للمرضى، بحيث يتحمَّل الطبيب مسئولية تحديد الدواء‏,‏ إضافةً إلى ذلك يجب أن يتابع الأطباء باستمرار التحذيرات الطبية‏,‏ والتي تصدر من الهيئات الدولية.

 

تدليس الشركات

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الله زين العابدين

   ويضيف الدكتور عبد الله زين العابدين أمين صندوق نقابة الصيادلة أن إعطاء المريض دواء يضر به أكثر مما ينفعه هو خطأ كبير؛ نتيجة منظومة الدعاية الطبيه للدواء، بجانب عدم وضوح الاحتياطات اللازمة لاستخدامات الدواء لدى الشركات الموزعة، بالإضافة إلى الترويج الخاطئ وغير الآمن، والتدليس الذي تستخدمه أكبر الشركات المصنعة للدواء.

 

ويؤكد أن الظروف الإجتماعية السيئة وحالة الفقر الذي يعيشها أكثر من نصف المجتمع تلعب دورًا رئيسيًّا في تناول الأدوية الضارة، ولجوئه لمعالجة نفسه بنفسه دون الرجوع إلى الطبيب المختص؛ لأن ظروفه المادية لا تسمح للذهاب إلى الطبيب المعالج، وإذا حدث وذهب للطبيب لا يجد الأموال التي يصرف بها الروشتة كلها من الصيدليات ويكتفي بشراء نوع واحد.

 

ويشدد على ضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة وإجراء بعض التحاليل الخاصة قبل إعطاء الدواء؛ للتأكد من خلو الدواء من الآثار الجانبية عند تناوله، وعدم تهرب المرضى من إجراء هذه التحاليل حتى لا يقومون بإنهاء حياتهم بأنفسهم.

 

واستنكر ما آلت إليها الحياه الطبية من نقص الخبرة وكفاءة الأطباء، والسماح لأطباء الامتياز بمزاولة المهنة دون اكتساب الخبرة الكافية التي تؤهله بتشخيص الحاله تشخيصًا صحيحًا، وكتابة العلاج المناسب لها ولا يعلم شيئًا عن هذا العلاج سوى ذهاب رجل الدعاية إليه، وبالتالي يكتبه للمرضى.

 

ويضيف أن هناك آلافًا من المرضى يموتون في مصر بسبب التشخيص الخاطئ أو إعطائهم أدويةً محظورةً أو مغشوشةً، ولا أحد يعلم عنهم شيئًا، وفي هذه الحال يكون الدواء بمثابة السم القاتل.

 

ويرى أن وزارة الصحة تعاني من ضعف الإمكانيات والبطء، وليس لديها القدرة التي تساعدها على سحب الأدوية المغشوشة، مشيرًا إلى أن عقار النوفلجين مثلاً الذي تمَّ حظر تداوله في جميع الدول منذ أكثر من 25 عامًا يتم تداوله حتى الآن في مصر.

 

أدوية تحت السلم

 الصورة غير متاحة

جمال قرني

   ويؤكد الدكتور جمال قرني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب وعضو لجنة الصحة؛ أن معظم الأدوية التي ظهر لها أضرار وآثار جانبية يتم إحضار مكوناتها من الخارج، مثل مصل إنفلونزا الخنازير، والتي لم تخضع للتجارب المخصصة قبل طرحها، ولم يصطحب هذه الأدوية خطة لكيفية التعامل بها، مؤكدًا أن هناك عددًا كبيرًا من الأدوية يُمنع تناولها منذ عشرات السنين في العديد من دول العالم وما زال تداولها في مصر مثل النوفالجين.

 

ويستنكر د. القرني وجود فئة تقوم بصناعة الأدوية "تحت السلم" والتي يتم الإعلان والترويج عنها بشكل قوي وفعال لجذب المريض، مثل الأدوية التي تستخدم لعلاج الروماتيزم ومرضى الكبد، ولم تتحرك لجنة المراقبة على صناعة الدواء لمحاسبتهم.

 

دعاوى قضائية

 الصورة غير متاحة

د. أحمد رامي

   ويؤكد أحمد رامي عضو مجلس نقابة الصيادلة أن ما نشرته منظمة الدواء الأمريكية بشأن وجود فوضى داخل أسواق الأدوية المصرية، أمرٌ صحيحٌ وبالغ الخطورة ويتم تداول هذه الأدوية في الصيدليات بشكل كبير، والدليل على ذلك وفاة الطفل مصطفى نتيجة إنفلونزا الخنازير؛ حيث شخَّصه طبيب عائلته خطأً وأعطاه دواء سوليد ونلسيد (شراب) رغم تحذير منظمة FDA" "من تناوله كشراب للأطفال، إلا أنه تم تسجيله في مصر على أنه شراب يتم تناوله للأطفال؛ لأن المعروف أن أدوية الشراب يتم تناولها للأطفال.

 

ويوضح أن هناك العديد من الأدوية التي يتم تداولها في أسواق الدواء والصيدليات بنشرات مزورة، أو عدم وجود نشرات مرفقة مع الدواء، وبهذه الطريقة لم يتم التعرف على تركيب هذه الأدوية وما هي آثارها الجانبية.

 

ويرى أن الحل لهذه الأزمة تتمثل في إنشاء منظمة مستقلة تتبع لرئيس الوزراء وليست لوزارة الصحة تكون على غرار المنظمات الموجوده في الدول المختلفة، تضع قيودًا على استيراد الدواء ومراقبة الأدوية المطروحة في السوق، مُدِينًا تعطل مناقشة مشروع القانون الجديد الذي يحد من تفاقم هذه الظاهرة منذ أربع سنوات بين وزاره الصحة ورئاسة الوزراء.

 

ويشدد على ضرورة إدراك الناس لحجم المشكلة وإلقاء المسئولية على عاتق الدولة، مطالبًا أهالي الضحايا الذين يتوفون إثر تناولهم دواءً مغشوشًا أو منتهي الصلاحية أو محظورًا تدواله برفع دعوى قضائية ضد الجهات المختصة والمطالبة بالتعويضات، مستنكرًا عدم لجوء المواطنين إلى تلك الدعاوى القضائية التي قد تكون بمثابة رادع نوعي لبقية الشركات أو الجهات التي تطرح تلك الأدوية في الأسواق.