- هناك خلط متعمد بين نزاهة القضاء المصري واستقلاله
- محاكمة المدنيين أمام العسكرية شك في أهلية القضاء العادي
- إما أن تُجرى انتخابات حرة أو تندفع مصر إلى الهاوية
- القضاء مرتبط مع حركة الديمقراطية أو الدكتاتورية
- السياسة المصرية تنتقل من فشل إلى فشل على مختلف الأصعدة
- المواطن لم يعد يُفرِّق بين الحكومة والبرلمان لشدة تعاونهما ضده
- "الفولاذي" إهانة ومهللو النظام يكررون خطيئة السادات والنووي
حوار- حسن محمود:
انتخابات جديدة يشهدها نادي قضاة مصر خلال الشهر المقبل، قد تقلب موازين المشهد الصامت الذي يسيطر على هذا الصرح الشامخ، والذي قاد خلال سنوات قيادة رموز تيار الاستقلال القضائي له مواجهة شجاعة وأمينة ضد السلطة التنفيذية وتوغلها على سيادة القانون واستقلال القضاء.
كما يقترب مجلس إدارة النادي من عامه الأول بعد انتخابات ساخنة في فبراير 2009م شهدت تدخلات حكومية واضحة بحسب الحقوقيين والمراقبين، وهو عام شهد هجومًا حادًّا على استقلال القضاء، وتدخل وزير العدل في شئون السلطة القضائية بأكثر من محاولة.
كل هذا وغيره من قضايا ساخنة طرحها "إخوان أون لاين" على المستشار فؤاد راشد رئيس لجنة تقصي الحقائق السابق بنادي القضاة ورئيس محكمة الاستئناف وأحد أبرز قيادات تيار الاستقلال القضائي الذي خاض تجربةً قويةً أثناء المجلس السابق لصد التغول الحكومي ضد القضاة.
المستشار راشد الذي يستعد لسفره للإعارة الثلاثاء المقبل، أبدى في حواره أسفًا كبيرًا على حال نادي القضاة، مؤكدًا أن مصر اليوم تحتاج راية النادي لتلتف حولها؛ لأنها راية طاهرة شريفة قادرة على الإلهام، وتمنى أن يصدر النادي بيانًا عن رأي القضاة فيما يجري على الساحة من أمور جسام كإقامة جدار يخنق شعبنا العربي في غزة.
وتوقَّع راشد عودة تيار الاستقلال القضائي بقوة لقيادة النادي عبر الانتخابات الجديدة، مؤكدًا أن سفر رموز التيار المتكرر للخارج لن يمس من قوة التيار؛ لأن مطلب الاستقلال ذاته متجذر في الساحة القضائية، وإلى نص الحوار..
عائد بقوة
المستشار أحمد الزند

* تقترب تجربة المستشار أحمد الزند في نادي القضاة من العام، كيف تقيمها؟
** دعنا من شخصنة الأمور، فالرجل زميل عزيز، وهو تقدم إلى الزملاء على أسس معلنة وواضحة، وتم انتخابه بموجبها رئيسًا للنادي، وأظنه لم يخالف الأجندة التي جاء على أساسها، فقد تبنى منطق المصالحة، وهو من مدرسة ترى أن مكان القاضي الوحيد هو المنصة، وأنا أقدر اتجاهه وإن كنت أختلف معه تمامًا، ولكنه اختلافًا لا يُفسد ما أَحْمِل له من الود، وقد قلت منذ فوزه إنني أتمنى له التوفيق لصالح القضاء والقضاة، ولا شك أنني لا زلت أحمل نفس الأمنية، فعلينا كقضاة أن نقدم نموذجًا راقيًا للاختلاف في الرأي مع كامل الاحترام, ولكن المشكلة تكمن في أن هناك من اعتبروا أن ذهاب تيار من النادي فرصة لتجاهل النادي تمامًا, والشاهد أن النادي الذي كان له صوت مسموع في الشأن العام خيَّم على جدرانه صمت شبه مطبق، ومصر اليوم تحتاج راية النادي لتلتف حولها، فهي راية طاهرة شريفة قادرة على الإلهام، وأتمنى أن يُصدر النادي بيانًا عن رأي القضاة فيما يجري على الساحة من أمور جسام كإقامة جدار يخنق شعبنا العربي في غزة.
الانتخابات القادمة
* هل تشهد انتخابات التجديد الثلثي لنادي قضاة مصر عودة جديدة لتيار الاستقلال؟
** أولاً كل القضاة دعاة استقلال, ثانيًا إنه لولا ضغوط يعلمها القاصي والداني لفاز تيار الاستقلال في أي انتخابات، وأتوقع بالطبع عودة التيار إلى قيادة النادي قريبًا.
* أعلن القاضي كمال عشيش أحد رموز تيار الاستقلال سفره للإعارة في الخارج، وهو ما فتح الحديث عن هجرة رموز التيار، وهو ما يمكن أن يؤثر في الانتخابات القادمة؟
** فوز التيار في الانتخابات من عدمه غير مرتبط بالأساس بوجود مجموعة أو سفرها بقدر ارتباطه بالمزاج السائد لدى جموع القضاة, فضلاً عن الضغوط الهائلة التي مُورست في الانتخابات الماضية لتنحية تيار الاستقلال من قيادة النادي، فقد كنت أستشعر أن الكثيرين من القضاة سئموا طول المواجهة مع السلطة التنفيذية في دولة هي أقدم دولة مركزية في التاريخ، وبيد السلطة التنفيذية جراب حاوي به مفاتيح ليس لها حصر لإثارة المتاعب، فنحن أمام ما يمكن أن نسميه استراحة محارب, وعمومًا فإنه على مدار التاريخ الإنساني فإن الانتخابات قد تنتهي إلى ما لا يتوقعه أحدٌ، فمثلاً في الستينيات من القرن الماضي رهن شارل ديجول العظيم الذي جاء من خلال استفتاء شعبي في فرنسا رهن استمراره في السلطة بنتيجته ولم يوافق الناس فخرج ديجول ولم يعد وبمناسبة سفر المستشار عشيش فإنني بدوري أوشكت على الرحيل المؤقت معارًا إلى دولة خليجية, أوشكت أترك الوطن الحبيب الذي ما تخيلت تركه ورفضت كل عرض سابق للإعارة، وليست لدي أحلام مالية، وحتى الذين أقنعوني من الأصدقاء كانت حجتهم أن أنال فرصة لالتقاط الأنفاس بعيدًا عن الضغط العصبي المتواصل، ولكنني ككل مصري يغادر أرض مصر، ولكنها تبقى في قلبه ويبقى مهمومًا بهما.
قامات عالية
المستشار أحمد مكي

* هناك توقعات بتولي المستشار حسام الغرياني مسئولية المجلس الأعلى للقضاء باعتباره أَقْدَم نواب محكمة النقض سنًّا العام المقبل، إضافةً إلى صعود المستشار أحمد مكي إلى عضوية المجلس، وكلاهما من العلامات البارزة في تيار الاستقلال، فهل يدعم ذلك مطالب الاستقلال القضائي؟
** هذان الرجلان قامتان عاليتان سواء في داخل أو خارج مجلس القضاء الأعلى، وهما أكبر رموز تيار الاستقلال، ولا شك أن وجودهما بالمجلس يضيف إليه مزيدًا من القوة، ولكن لا أظن أن وجودهما بالمجلس سوف يقلب المعادلة، فالسلطة التنفيذية لا تريد إلى جوارها صوتًا آخر، وتغيير المعادلة يكون بإرادة جموع القضاة.
خلط متعمد
* النظام الحاكم أكد أكثر من مرة استقلال القضاء في عهده، بينما معظم القضاة ينفون ذلك.. فهل المسألة تحتاج إلى كل هذا الجدل؟
** هناك خلط متعمد بين نزاهة القضاء المصري وبين استقلاله, ولا شك أن القضاء المصري نزيه وواجهة تُشرِّف مصر والأمة العربية، ولكن الحديث عن استقلاله هو كلام يعادي الواقع ولا يخاصمه فقط, فاستقلال القضاء ليس بدعةً مصريةً، وإنما هناك قواعد أممية استقرت عليها البشرية عبر صراع إنساني مرير بين الحكام والمحكومين باعتبار أن القضاء المستقل هو ضمانة وصمان أمن للمواطن في مواجهة السلطة التنفيذية وليس مجرد ميزة شخصية للقاضي, لكي يتوافر استقلال القضاء فلا بد إنهاء حالة الطوارئ التي تخنق مصر بالكامل؛ لأن القاعدة أن حرية الناس لا تقيد إلا بأمر قضائي، ولكن الطوارئ نقلت مركز الثقل بشأن الحريات إلى ضباط الشرطة، وصار من المألوف في القضايا السياسية أن يصدر أمر إفراج قضائي عن المتهم فلا يحفل به أحد حتى المتهم نفسه ويبقى المتهم محبوسًا إلى أن تبت الشرطة في أمر حريته وتقييدها، ولا بد من إنهاء محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري فمجرد عسكرة القضاء يشكل عدوانًا على القضاء العادي؛ لأنها تعني عدم أهليته للبتِّ في قضايا هي من صميم اختصاصه ولا بد من إلغاء القوانين الكابحة للحريات وإلغاء تبعية التفتيش القضائي للحكومة ممثلةً في وزارة العدل، وأن تخصص موارد مالية للقضاة بعيدًا عن تدخل وزارة المالية، ولا بد أيضًا من أن يعين النائب العام من خلال آلية تجعل للقضاة اليد الطولى في أمر تعيينه فهو الآن إنما يعينه رئيس الجمهورية منفردًا, فأين نحن من هذا كله؟!.
ضمانة لازمة
* الإشراف القضائي على الانتخابات يعدُّ الضمانة الأولى للمعارضة والقوى السياسية.. فهل توافقون مجددًا على العودة إلى الإشراف؟ وما الضمانات التي تطالبون بها؟
** الإشراف القضائي هو نصف الطريق إلى انتخابات سليمة، ولكنها النصف السهل، أما النصف بالغ الصعوبة فهو التسليم من الجميع بمبدأ تداول السلطة سواء الحكام أو المحكومين، ومصدر الصعوبة أن تأليه الحكام وتقديسهم جزء من ثقافة الكثيرين, ولا بد أن يترجم الإيمان بالمبدأ إلى إرادة سياسية وبصراحة وتجرد أقول إما أن تجرى انتخابات حرة، وإما أن تندفع مصر إلى هاويةِ المجهول، وهو ما يخشاه جميع العقلاء.
الجدار الفولاذي
النظام المصري يصر على بناء الجدار الفولاذي

* خرج القضاة من قِبل للتضامن مع أهالي غزة وكنت أحدهم، فكيف ترى بناء الجدار الفولاذي هذه الأيام وهل لنا من مخرج قانوني لوقف هذا الجدار؟
** إقامة الجدار تشعرني كمصري بأقصى درجات الهوان، فلا أنا ولا غيري أقتنع بالمبررات التي تساق لإقامة جدار يخنق غزة خنقًا بحجة الأمن القومي، فالخطر على أمننا القومي يأتي من الصهاينة لأمن أهلنا, ولكننا نرى المهللين والمبشرين والمبررين لكل كارثة، وهو أمر يُذكِّرني بوقعةٍ جرت أيام السادات فقد جلس يومًا مع مستشار النمسا كرايسكي، وراح الأخير يبثُّ إليه متاعب بلده، ومنها كيف تتصرف في النفايات الذرية، فراح السادات يعرض عليها دفنها في مصر، وكان لا بد من التمهيد، واستيقظ الناس ذات صباحٍ على بشارات الصحف تزف إليهم دخول مصر العصر النووي!! هكذا مرة واحدة تصبح المصائب أفراحًا وتدق لها الطبول وتُقام الزينات، والجدار لن يُزال بأدوات قانونية، وإنما بضغطٍ شعبي مصري وعالمي على الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومصر مع الأسف البالغ.
الوضع غير مبشر
* كيف ترى المشهد في الساحة القضائية خلال عام 2010م؟
** القضاء ليس جزيرةً منعزلةً عن باقي المجتمع لا في مصر ولا في أي مكان من العالم, وحال القضاء مرتبط جزرًا ومدًّا مع حركة الديمقراطية أو الدكتاتورية فدول العالم، إما أن ترفع راية القانون لبسط سيادته على مواطنيها أو ترفع عصا في وجوههم, ولا شك أن السياسة المصرية تنتقل من فشلٍ إلى فشل سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي والرهان الوحيد حاليًّا على الأمن مع تجاوب السلطة التشريعية الكامل مع السلطة التنفيذية بحيث صار يستعصي على المواطن العادي التفرقة بين الحكومة ومجلس الشعب المتعاون معها تعاونًا منقطع النظير, ويكفي المواطن اليوم أن يسير في أي مكانٍ ليجد مظاهر حالة حرب تشنها الدولة على مواطنيها، ففي كل مكان ذي أهمية كالجامعات والنقابات تقف حشود من قوات الأمن المركزي بأردية الجنود السود وعصيهم بما يروع المواطن ويولد اليأس الكامل في قلبه؛ وذلك لا شك قصد مقصود, في هذا المناخ لا مكان لأدنى تفاؤل لأعلى ساحة القضاء، ولا على الساحة العامة فالوضع يثير الانقباض.
* سؤال أخير مع العام الجديد هل لك أمنية؟
** نعم عندي أمنية غالية جدًّا، وهي إنشاء إدارة عامة على غرار الإدارة العامة لمكافحة المخدرات تُسمَّى الإدارة العامة لمكافحة النفاق, ويساق إليها المنافقون ببلاغات من المواطنين ويقدمون إلى المحاكمة وتصدر أحكام بالعزل من مناصبهم وإلصاق وصف المنافق بالمحكوم عليه، ويكون له بعد مدة محددة أن يتقدم إلى القضاء لرفع الوصف عنه بآليات قانونية شريطة أن يثبت إقلاعه عن النفاق وندمه على ما نافق, تصور لو من حقك أن ترسل خطابًا إلى منافق محكوم عليه، وتكتب على المظروف السيد المنافق فلان!! إن تجار المخدرات يشكلون خطرًا على الأفراد، ولكن المنافقين خطرٌ على الوطن كله بتزيينهم كل كارثة، وحسبي الله ونعم الوكيل.