* آيرز الأمريكي باع بعض ممتلكاته من أجل الرحلة
* مشاهد الدماء دفعت الألماني بيتر للذهاب إلى غزة
* الصينية الوحيدة: صمود غزة شجعني على الإنتاج
* تشكيل حزب إيطالي لدعم القضية الفلسطينية
* ناشطة أمريكية: الإعلام الغربي يشوِّه الحقائق
* سوزان الكندية تحلم ببناء مدرسة داخل القطاع
تحقيق- هبة مصطفى:
أسبوع كامل من النضال.. أثبت فيه 1450 ناشطًا أجنبيًّا من 43 دولة مختلفة أن القضية الفلسطينية ومأساة شعبها ومحرقة قطاع غزة لم يتحرك لها المسلمون والعرب فقط، فبعضهم غيَّرت غزة ملامح حياته للأفضل، والبعض الآخر تعلَّم الكثير من صمود المقاومة، ومنهم من علَّمته غزة الاعتماد على النفس وغيرها من القيم والدروس.
1450 ناشطًا أجنبيًّا أجمعوا في لقائهم مع (إخوان أون لاين) أن الشعب الفلسطيني مدرسة تستحق الدراسة، وأن أهل غزة يستحقون أن نأتي من آخر العالم لنراهم ونتعلم منهم، مؤكدين أن غزة كشفت لهم الوجه القبيح لبلادهم، وطالبوا مصر بوقف بناء الجدار العازل على الحدود المصرية.
النشطاء الأجانب جمعتهم أمنية واحدة، وهي رغبتهم في دخول قطاع غزة ورؤية هذا الشعب، الذي ظنوا يومًا أن ما يرتكبه الكيان الصهيوني منذ عشرات الأعوام والعقود من جرائم لا يستوعبها عقل بشري بحقه هو ربما يكون أسطورةً من الأساطير أو دراما مأساويةً خياليةً من نسج خيال الشعب الفلسطيني أو الشعوب العربية.
(إخوان أون لاين) في لقائه بهؤلاء النشطاء حاول الإجابة عن تساؤلات دارت في أذهان المصريين خلال وجودهم في مصر، أهمها: من هؤلاء؟ وما الذي يدفعهم إلى تحمُّل الصعاب والمشاق للدفاع عن القضية الفلسطينية وشعب غزة؟ وما الذي يحلمون بتحقيقه؟! فإلي تفاصيل اللقاء:
الإعلام الأمريكي!
النشطاء أثناء وقفتهم على سلالم نقابة الصحفيين
البداية كانت مع بيل آيرز الأستاذ بجامعة شيكاغو، جاء من ثالث أكبر ولاية في أمريكا، يحلم بفتح المعابر ورفع الحصار عن أهل قطاع غزة، بعد أن تابعوا أحداث المحرقة الأخيرة منذ عام على بعض المواقع الإلكترونية الخبرية؛ بعد أن تجاهل الإعلام الأمريكي تغطية الأحداث الدموية وجرائم الكيان الصهيوني، ورغم أنه تخطَّى السبعين من عمره ويعاني من بعض الأمراض الصدرية المزمنة التي كبَّدته نفقات علاجها الأموال الطائلة؛ باع بيل وزوجته التي تعمل بالمحاماة ممتلكاتهما وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهما لتوفير نفقات الرحلة إلى غزة؛ بعد أن واجهوا صعوبات مالية طائلة!.

قسوة المهجر
الدكتور برهان غنايم أمريكي من أصل فلسطيني، حمله أصله الذي يحنُّ دائمًا لأغصان الزيتون، على أن يشارك رفاقه في حشد يزيد عن 1450 فردًا من 45 جنسيةً ليبدءوا التنسيق منذ 5 شهور مضت لدخول قطاع غزة؛ للتضامن مع الشعب الفلسطينى وإدخال المواد الإغاثية للقطاع.
حدثنا غنايم بلهجة تغلبها الإنجليزية عن حنينه الجارف لأهل القطاع ورفح والخليل ونابلس.. عن تراب فلسطين الذى يئنُّ شوقًا إليه.. عن أجداده وذويه الذين هُدمت بيوتهم بالقطاع، وعن آلامه وقت العدوان على غزة أواخر العام الماضي.
وبإحساس ولهجة غلبها القهر روَى لنا غنايم عن مأساته مع السلطات الأمريكية، وكيف يُعامل بقهر وتفرقة بينه وبين الأمريكيين، بل بينه وبين العرب فقط؛ لأنه فلسطينيُّ الأصل.
قناة "الأقصى"
الألمان بدورهم شاركوا النشطاء بفعالية؛ رغبةً منهم في دخول قطاع غزة والتعرف بأهله، وكان دافعهم القوي هو دعم الشعب الفلسطيني في نضاله وصموده.. "بيتر فوز" جاء من مدينة ميونيخ الألمانية ومتقاعد عن العمل منذ 20 عامًا بسبب إعاقة سبَّبت له عجزًا بسيطًا، لا يملك أي مورد رزق يدرُّ دخلاً على أسرته.
"بيتر" قال لنا إنه تعلم تصميم المواقع الإلكترونية خصيصًا حتى يعمل ويوفِّر ربحًا مناسبًا يمكِّنه من السفر إلى غزة، ولكن الحقيقة ودون أن يدري أحد، علَّمته غزة بصمودها أن يتغلَّب على عقباته، وأن من له هدف فإنه يسعى وراءه بشتى الطرق كما فعل وحرَّكته رغبته في السفر للقطاع إلى مقابلة هذا الشعب الأسطوري، على حد قوله، ومشاهدة المذابح التي كان يراها على شاشات قناة "الأقصى"، دون أن يستطيع ترجمة اللغة العربية أو فهمها.
المشاهد فقط هي التي دفعته إلى التحرك مئات الأميال من ميونخ وحتى قطاع غزة، وأبرز المشاهد التي لم تمحُها الأيام من ذاكرة "بيتر" هو مشهد الرصاص والقنابل الفسفورية التي تجاهلتها القنوات الإخبارية الأجنبية والأوروبية؛ حتى يتمَّ التعتيم على جرائم الكيان الصهيوني.
مظاهرات الزوجة
زوجة "بيتر" بدورها لم تتمكن من مصاحبته للقطاع؛ بسبب عدم توافر الأموال معهما، ولكنه رآها وهو في القاهرة ينتظر السماح له بدخول غزة على شاشات القنوات الألمانية تنظِّم وتتزعَّم المظاهرات والمسيرات التي اجتاحت ميونخ وكافة المدن الألمانية لإحياء الذكرى الأولى لمحرقة غزة، وكانت تطالب فيها على شاشات التلفاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتفيذ ما ادَّعاه من انتهاج سياسة مختلفة تجاه القضية الفلسطينية.
صوت الطلبة
الطلاب كعادتهم الوقود والمحرِّك لأي نشاط، وكانت رقية بين النشطاء تتحرَّك هنا وهناك، تتحدث لوسائل الإعلام، تتحدث في هاتفها الجوال تطمئن على آخر تطورات إمكانية الدخول إلى قطاع غزة.. رقية شمس الدين، طالبة أمريكية من أصل لبناني، وتدرس السياسة بأمريكا، لأول وهلة رأيناها كانت تهتف من قلبها مناديةً بالحرية لغزة ولفلسطين.

رقية قالت لنا: "أنا طالبة، وما عندي مصاري أتحرك بها لغزة، لكن نفسي أدخل غزة وأشوف بعيوني اللي كنت باتابعه على التلفاز، نفسي أشوف واسمع اللي سبق وعملوه اليهود بأهلي في جنوب لبنان، صمَّمت مشروعًا علشان أصرف على رحلتي لغزة، فعلمتني غزة وشعبها وأهلها أني أقدر أعمل حاجة، وأني أقدر أكمل تعليمي لو اعتمدت على نفسي".
رغم الشيخوخة
كانا يستندان إلى بعضهما الكتف في الكتف، تتعكَّز يده على يدها ويدها على يده، زوجان كنديان دهمتهما شيخوخة السن، الزوج فلسطيني الأصل من مهجَّري عام 1948م رحل إلى كندا وتعرَّف على زوجته سوزان غطاس، وطالما ظل زوجها يحكي لها عن الشوارع الفلسطينية وترابها، وعن الشال الفلسطيني ورائحة أغصان الزيتون، ملأها شوقًا للتعرف على هذا الشعب الذي ما زالت تربطه ببعضهم علاقاتُ صداقة عميقة عبر الإنترنت.
مدرسة دولية
سوزان تعمل مدرسة بإحدى المدارس الدولية بكندا، منذ أن سمعت من أصدقاء زوجها بفلسطين عن أحداث العدوان على القطاع أواخر العام الماضي، وما حدث من اعتداءات على مقرات الأونروا والمدارس الفلسطينية، ويراودها حلم كبير، روته لنا سوزان بدموعٍ غزيرة، قائلةً: "داخل أسوار المدرسة الدولية التي أعمل بها أرى كل الجنسيات بعيني عدا الاطفال الفلسطينيين، وحينما جاءت ذكرى المحرقة قرَّرت الاستناد إلى زوجي وتحقيق حلم دخول القطاع وإنشاء مدرسة مماثلة تُعيد للطفل الفلسطيني حلم التعلم والاطِّلاع وتصبح منارةً تعليميةً يأتي إليها الجميع من كل البلاد لتلقي تعليمهم بفلسطين".
واستطردت: "أعرف أنه حلم خيالي فإذا كان جنود الاحتلال يهدمون المنازل فوق رءوس أصحابها فهل سيسمحون لي ببناء تلك المدرسة، في هذه الحالة أتمنَّى فقط لو يسمحون لي باصطحاب بعض الأطفال لإلحاقهم بالمدرسة التي أعمل بها حتى يتمكَّنوا من نشر ما تعلموه عند عودتهم لفلسطين".
حزب لفلسطين
عايدة بنت عبد المؤمن (إيطالية من أصل مغربي) أنشأت وزوجها الإيطالي حزبًا وجمعيةً لدعم فلسطين، حملا اسم Forum Palestine اتجها من خلاله للعمل المؤسسي الخدمي لجمع المواد الإغاثية، وتيسير السفر ومتطلباته لكل من رغب في مشاركة أهل غزة الذكرى الأولى للعدوان عليهم من الإيطاليين.
حلم العودة
حلم العودة لأرض فلسطين لم يعُد يراود المهجَّرين الفلسطينيين وحدهم.. باربرا كوير أمريكية قاربت الستين من عمرها، عملت على مدار 22 عامًا كمخرجة للأعمال المسرحية للأطفال بفلسطين وسوريا، قامت قوات الاحتلال الصهيوني بترحيلها للولايات المتحدة منذ 5 سنوات، بعد أن نظَّمت عرضًا مسرحيًّا ينتقد مجزرة الاحتلال في جنين.
تابعت الأحداث الأخيرة على القطاع عبر أصدقائها الفلسطينيين داخل غزة وفاجأتها الصدمة حينما قارنت بين ما سمعته من أصدقائها الفلسطينيين والتغطية الإخبارية الهزيلة التي ينقلها الإعلام الأمريكي للحدث.
وحينما علمت بحملة النشطاء الأجانب لدخول قطاع غزة باعت ما تملك، وشاركتهم رحلتهم، يراودها حلم العودة والبقاء بأرض فلسطين، التي اعتادت العيش في خيراتها ووسط أهلها.
الصين تتحدث
المفاجأة الكبرى كانت عندما قابلنا كي شينج هاو، الصينية الوحيدة المشاركة في الحملة، والمفاجأة الكبرى فيما ذكرته "كي" عما تعلمته من شعب غزة، فالبرغم مما يثار عن صفات الشعب الصيني من التزام وانضباط في العمل، فإن "كي" أكدت مرارًا وتكرارًا أن أهل قطاع غزة كانوا أصحاب الفضل الأول في النقلة الصناعية التي حدثت لها.
فمنذ العام تقريبًا كانت "كي" تعمل موظفةً بإحدى المصانع الكبرى بشانغهاي، وكانت تتابع أحداث العدوان عبر المواقع الإلكترونية الإخبارية الناطقة باللغة الإنجليزية، ورأت كيف صمد أهل القطاع، بعد أن هُدِمت منازلهم ومدارسهم ومصانعهم، ورأت الجهود الذاتية في إعادة الإعمار، ومن هنا جاءت لها فكرة بداية مشروع من لا شيء، وظل المشروع ينمو بإصراراها، والآن كي من أكبر أصحاب المصانع بالصين، وتتمنَّى لو تتمكن من الدخول للقطاع كَي تردَّ لأهل غزة جميلهم، فهي تشعر أنها مدينة لهم بنجاحها.