في رسالة (دعوتنا) وهي الرسالة الثالثة للإمام الشهيد، وصدرت في أبريل 1935م/ المحرم 1354هـ، وأُعيد نشرها كاملةً عام 1939م ثم طُبعت طبعات عديدة، يقول الإمام: "ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء.. فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا". ولزيادة إيضاح خلفية هذه العاطفة التي ضمَّنها الإمام رسالته للإخوان؛ لا بد لنا من العودة إلى "مذكرات الدعوة والداعية"؛ حيث يقول إنه في نهاية دراسته بمدرسة دار العلوم عام 1927م طلب منهم أستاذهم الشيخ أحمد يوسف نجاتي كتابة موضوع إنشاء حول: "اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبيِّن الوسائل التي تعدُّها لتحقيقها"، وكان من الفقرات التي كتبها حسن البنا: "أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم، وذود المكروه عنهم، وخير الأعمال وأجلُّها ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره من أسرته وأمته وبني جنسه، وبقدر شمول ذلك النفع يكون جلاله وخطره". ويشرح الطريق إلى رضا الله بين طريقين ومسلكين: الأول: طريق التصوف الصادق. والثاني: طريق التعليم والإرشاد، الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الاختلاط بالناس ودرس أحوالهم، وغشيان مجامعهم، ووصف العلاج الناجع لعللهم". ويتحدث عن أعظم آماله، فيقول: "خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي والوفاء للصديق المحبوب، الذي كان وقتها المرحوم أحمد السكري. وعام: وهو أن أكون مرشدًا معلمًا.. أقضي ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم ومسرات حياتهم، تارةً بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة". ولقد كان لتأمل القرآن العظيم والسنة النبوية المشرَّفة والسيرة النبوية المعطرة وتاريخ المصلحين في الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم الدافعُ القويُّ لهذا النهج الذي أصبح أصلاً من أصول الدعوة ونهجًا ثابتًا لها. اسمع إلى قول الله تعالى مخاطبًا المؤمنين المجاهدين: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء:75)، وتأمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كأني أنظرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومُه فأدَمَوْه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وتوقف قليلاً عند وصفه لمهمته وحاله مع الناس في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقَعْنَ فيها وهو يذبُّهنّ عنها، وأنا آخذٌ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي". ولإعداده صلى الله عليه وسلم لتلك المهمة الثقيلة كان أمر الله له في بداية الدعوة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً (7) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8)﴾ (المزمل). ثم كان الأمر الإلهي المقارِن له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)﴾ (المدثر)، فهو مأمورٌ بقيام الليل لعبادته وتهيئته، ومأمورٌ أيضًا بالإنذار والصبر على أذى الناس والمعاندين. إذن المحاضن الدعوية إنما جُعلت لإعداد الدعاة للانطلاق للعمل بين الناس وليس للوقوف عندها والبقاء فيها، بل الأمران متلازمان. والذي يريد خلاص نفسه فقط كان الأجدر به أن ينصرف إلى طريق التصوف الصادق كما بيَّن الإمام الشهيد، أما مَن اختار طريق الدعوة والتعليم والإرشاد فعليه أن يعطي جُلَّ وقته للعمل بين الناس، ودراسة أحوالهم، والبحث عن طرق إسعادهم، ووضع الخطط والمناهج والبرامج لعلاج مشكلاتهم، والسعي لتطبيق ذلك في الواقع. هذا الفهم الواضح الصريح يقتضي من كل أخ انتسب لهذه الدعوة المباركة أن يرفض العزلة والتقوقع على نفسه، وأن يصرف وقتًا كبيرًا وسط المجامع والمنتديات، وأن يكتسب مهارات التواصل مع كل فئةٍ وطبقةٍ من المجتمع، وأن يهتمَّ بالشأن العام، ويتابع مجريات الأحداث في قريته ومحلته وحيِّه، وفي بلده ووطنه الخاص، وفي وطنه العربي الإقليمي أو الآسيوي أو الإفريقي.. إلخ، بل في العالم كله، الذي أصبح قرية صغيرة، ويتابع المتغيرات المهمَّة التي باتت تؤثر في حياة الناس، فربَّ حادثةٍ في أقصى الأرض تؤثر في حياتنا جميعًا، ورُبَّ اختراعٍ لآلةٍ أو دواء يتسبَّب في تغيير خطير، ورُبَّ فكرةٍ تنتشر في بقعةٍ من البقاع تعتنقها حكومة من الحكومات تُحدث تحولاتٍ مهمةً في مجريات الأحداث بين البشر. وإذا اقتنعْت- أيها الأخ- بذلك فإن التطبيق العملي يستدعي بالضرورة: - المواظبة على حضور صلوات الجماعة في المساجد مهما تكن الظروف، وعدم التعلل بأية علل أمنية أو اجتماعية، والتعرف على روَّاد المسجد وزيارتهم وتفقُّد أحوالهم. - التعرُّف على الجيران، الأقرب فالأقرب، والتواصل معهم وزيارتهم، والاهتمام بشئونهم الخاصة. - الانتظام في الحضور بمقر العمل وعدم التخلُّف، وتكوين علاقات جيدة مع زملاء العمل، واكتساب مودتهم وصداقتهم وعدم التنافس الضارِّ معهم. - المحافظة على الصداقات القديمة، واكتساب صداقات جديدة، والحرص على عدم فقدان أي صديق. وهذه علاقاتٌ اجتماعيةٌ ليس هدفها البناء التنظيمي، ولا ضمّ أعضاء جدُد إلى الجماعة المباركة، بل أبعد من ذلك، فليس المطلوب هو مجرد زيادة أعداد الإخوان بل أيضًا من الأهمية بمكان نشر فكرة الإخوان، واكتساب تأييد الجمهور الكبير لمبادئهم، وليس كل شخصٍ يصلح للعمل الجماعي، وليس كل إنسانٍ على استعدادٍ للتضحية في سبيل الفكرة. وسيظهر لك من خلال تلك الحياة وسط الناس أنواع البشر الذين صنَّفهم الإمام الشهيد بقوله: "وكل الذي نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدًا من أربعة: مؤمن: وهذا ندعوه إلى أن يبادر بالانضمام إلينا والعمل معنا.. متردد: فهذا نتركه لتردُّده، ونوصيه بأن يتصل بنا عن كثب.. نفعي: فالله غنيٌّ عمن لا يرى لله الحق الأول في نفسه وماله ودنياه وآخرته.. متحامل: فهذا ندعو الله لنا وله أن يريَنا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يلهمنا وإياه الرشد.. ندعوه إن قبل الدعاء، ونناديه إن أجاب النداء، وندعو الله فيه وهو سبحانه أهل الرجاء". رسالة (دعوتنا) ويبيِّن الإمام أيضًا في رسالة (التعاليم) أصناف الناس فيقول: "والناس عند الأخ الصادق واحدٌ من ستة أصناف: مسلم مجاهد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمي معاهد، أو محايد، أو محارب، ولكلٍّ حكمه في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات، ويكون الولاء أو العداء" (التعاليم، ركن التجرد من أركان البيعة). الاختلاط بالناس وإرشادهم ودعوتهم هو الخطوة الثالثة في منهج عمل الأخ الصادق، وهي تسير متوازيةً مع الخطوتين الأولى والثانية: إصلاح النفس وتكوين بيت مسلم، وفي هذا يقول الإمام الشهيد: "ومراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق: 1- إصلاح نفسه.. وذلك واجب كلِّ أخ على حدته. 2- وتكوين بيت مسلم.. وذلك واجب كل أخ على حدته كذلك. 3- وإرشاد المجتمع، بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبع مظاهر الحياة العامة بها دائمًا. وذلك واجب كل أخ على حدته، وواجب الجماعة كهيئة عاملة" (رسالة التعاليم ركن العمل). وليس من المعقول ولا المنطقي ولا المشروع أن يتقدم الإخوان للناس بمرشحيهم للانتخابات العامة، طلابيةً ونقابيةً وبلديةً ومحليةً، ثم برلمانيةً لمجلس الشعب أو الشورى، ويبذلون الجهود والأوقات والأموال في الحملات الانتخابية، ويفتتحون المقرَّات للنواب، ويقضون الأوقات في خدمتهم، ثم يُتركون ذلك بعد النجاح لطاقمٍ من الموظفين أو النواب وحدهم وفريق من المعاونين لهم، ولا يقومون هم بالجهد المطلوب للتواصل مع الملايين الذين أيَّدونا وتعبوا في نصرةِ مرشحينا، وينتظرون شرح الجهود التي قام بها النواب في مجلس الشعب وفي الدوائر والخدمات التي قدَّموها كي يطمئنُّوا إلى حسن الاختيار ويقدموا على تجديد الثقة بمرشحي الإخوان. العمل في المجتمع مهمة كل أخ، كما قال الإمام الشهيد، مثله مثل إصلاح النفس ورعاية البيت، ويحتاج هذا الجهد في المجتمع إلى إعداد وتأهيل وتدريب معرفي وسلوكي وخلقي ومهاري، وهذا واجب الأخ وواجب الجماعة، في الأسرة والكتيبة والندوة والمؤتمر، وهذا العمل يحتاج إلى قدرةٍ على الحياة وسط الناس العاديِّين والخروج من الخندق الذي نتخندق فيه ونعتاده، وخير تدريب هو الممارسة العملية والتعلُّم من الأخطاء، وتبادل التجارب مع الآخرين. واسأل نفسك: هل لديك القدرة على الإجابة عن تساؤلات الناس الفقهية والعلمية في التفسير والحديث والمواقف الدعوية؟ هل تتحمَّل انتقادات الناس لك وللدعوة، وتتمتَّع بصبر جميل وصدر واسع؟ بل الأمر أبعد من ذلك، هل تتمتَّع بقدرة على الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب؟ هل تتحمَّل نفسيًّا أذى الناس وهجومهم وخصومته وتعمل من أجل تغيير ذلك إلى العكس؟ ثم اسأل نفسك أخيرًا، كم من الوقت تقضيه مع نفسك ثم مع أسرتك وعائلتك ثم مع الجيران والأصدقاء وفي المجامع والحفلات؟ وهل يتناسب ذلك مع الوقت الذي تقضيه في لقاءات داخلية، دعوية وتربوية وإدارية؟ هل تواظب على صلاة الجماعة في المسجد؟ وهل تذهب مبكرًا لصلاة السنة وتبقى بعدها لصلاة النوافل ولقاء الناس وتفقُّدهم؟ أجب عن كل تلك الأسئلة، وتوقَّف مع نفسك لتعرف أين أنت من دعوة الإخوان المسلمين؟ --------- * عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين.
نحن والناس.. بين الخاص والعام