من أشرقت بدايته أشرقت نهايته..
توفي الأستاذ المربي عن عمر يناهز الثمانين، قضى أزهى مراحله في معتقلات وسجون الطغاة الظالمين، اعتقل في عهد الملك فاروق (1948م) مدة عام ونصف، ثم كان النصيب الأكبر في عهد عبد الناصر قرابة سبعة عشر عامًا، ثم ختمها في هذا العهد وقبل وفاته بعامين، وكأنه يُشهدُ الله على ثباته على بيعته، فقد سلك الطريق إليه حتى غادر هذه الحياة.
التقيت فضيلته قبل موته بأسبوعين في عملٍ من أعمال الدعوة، وكان رحمه الله يمشي متكئًا على بعض تلامذته، تذكرتُ قول أحد الصحابة "كان الرجل منا يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف" (صف الجهاد أو صف الصلاة).
كنت أقترب منه في اللحظات الأخيرة وألح عليه: من أي شيءٍ تتألم؟ فلا يجيب!!
وليس على لسانه سوى قول: "اللهم حُسن الخاتمة، الحمد لله بخير". وكأنه ما أراد أن يشكو إلى أحد، فليس له إلى غير الله حاجة، كما علمنا "لا تعقد نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال"، كان رقيقًا طيبًا مباركًا، ما أتعب أحدًا قط في حياتهِ أو عند موتهِ.
هكذا كنتَ، نحسبك كذلك ولا نزكي على الله أحدًا
شهادة حق
لو أردنا أن نضع تصورًا يُرجع إليه في فضائل رجال الدعوة كما ينبغي أن يكونوا؛ لكان أستاذنا الشيخ خير نموذج يُحتذى، فهو كما يقول الراشد: "امتحان في مواطن الانخزال، ووفاء في ساعة النكوص، وفصاحةٌ إذا رطنت الألسن، وكرم إذا اختبأت الأيدي، وسمو إذا نطق الإغراء، ونبل عندما يسفُل التعامل، وستر إذا استرسلت الفضائح، وفناء إذا قدست الذات".. فأي رجلٍ كنت أيها الحبيب؟!
بيننا وبينهم الجنائز..
كان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول: بيننا وبينهم الجنائز. وفي الصحيح "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُر عليه بجنازة فأثنوا عليه خيرًا.. فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت. ثم مُرَّ عليه بأخرى فأثنوا عليه شرًّا.. فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت. قالوا: ما وجبت يا رسول الله؟ فقال: الأول أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، والثاني أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
وجنازة أستاذنا الحبيب كانت من عاجل بشرى المؤمن؛ فقد اجتمع عليها ألوف لا يجمعهم إلا الحب في الله والالتقاء على طاعته والتوحد على دعوته والتعاهد على نصرة شريعته. (هناك جنائز يجمع لها الناس بالترغيب والترهيب فكيف يخلصون الدعاء للميت؟)، وقال صلى الله عليه وسلم: "توشكوا أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار. قالوا: بم يا رسول الله؟ فقال: بالثناء الحسن والثناء السيئ".
قد آن للقلب الجريح أن يستريح
في صحيح مسلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت عليه جنازة، فقال: مستريح ومستراح منه. قالوا: يا رسول الله! ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من أذى الدنيا.. والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب".
أحسبك يا أستاذنا الحبيب قد استراح قلبك الرقيق إلى رحمة الله ورضوانه، كم كان مهمومًا بيننا بالصغير والكبير والغني والفقير والسليم والسقيم والأرملة واليتيم.. كيف يتحمل قلبٌ هذا كله؟! وكان لك في هذا جهد جهيد جبار ولطائف ربانية (كرامات) لا يعلمها كثير من إخوانك وتلاميذك.
أحسب أن قلبك قد استراح من رؤية الظالمين المستبدين وأنفاس الطغاة المفسدين الذين يعيثون في أرض الله فسادًا ودمارًا، وهو القلب المحلق في سماء العدل والرحمة والشورى، وكل المعاني الربانية التي لا يعرفها هؤلاء.
أذكرك وأنت تتساءل في براءة كأنك ما خبرتهم ولا عرفتهم ولا امتحنوك فعسِّروا عليك بما لا يتحمله بشر: "كيف يتجرءون على الله؟ ألا يخافون الله يا أخي محمد ؟!" كان قلبك غضًّا طريًّا لا تفارقه بشاشة الإيمان، لم يترك مرور زمن البلاء فيه ندوبًا أو شق فيه للقسوة دروبًا.
أحسب أنه قد استراح من الحزن والكمد على دماء الأطفال والشيوخ والمجاهدين في غزة، واستراح من رؤية الجثث التي تعبَّأ في أكياس القمامة في العراق وأفغانستان وسط صمت القبور من المسلمين وحكامهم المنشغلين بتوريث عروشهم، وفي سبيل ذلك هم مستعدون إلى أقصى درجات الانبطاح أمام الصهاينة، حتى لو أدَّى الأمر إلى محاصرة مليون مسلم بأيدينا ومنع الطعام والدواء والكساء عنهم.. استرحتَ من الطواغيت الذين تجرءوا على الله فحكموا في عباده بغير شرعه.. استرحتَ.. استرحتَ.. استرحتَ إلى رحمة الله ورضوانه وقد أديت دورك وأنجزت مهمتك ونحن على ذلك من الشاهدين.
آه يا أستاذنا الحبيب وكأنَّ الزمان لم يكن زمانك، كنتَ تحتاج ونحن معك أيضًا إلى قلوبٍ من حديد!! كي تتحمل هذا كله ومعه القساة غلاظ الأكباد الذين اعتقلوك وأنت في الثمانين..
ولي بين الضلوعِ دم ولَحـــــم هما الواهي الذي ثكل الشباب
تسرب من الدموع فقلت ولَّى وصفَّق في القلوب فقلتُ شَــابَا
ولو خلقــت قلـوبٌ من حـــديدٍ لما حملَتْ كما حَمَل العَـــزَابَا
وعند الله تجتمع الخصوم..
اقترب شاب أرعن من المكلفين باعتقال الشيخ (في عمر أحفاده) وقال له شامتًا: "ألا تعرفني يا حاج؟" كأنَّ المسكين يظن أن الحاج يعرفه أو يعمل له حسابًا أو أنه مشغولٌ به، ولم يعرف أن قلب الشيخ يَسْبَح في الملكوت، فقال له الأستاذ بتلقائية وعفوية: "لا أعرفك يا ابني" فقال له المسكين في غرور: "ستعرفني يا حاج"، وبالطبع انتهت رحلة الاعتقال ولم يعرف الأستاذ الشاب التائه!!.
لكنهما حتمًا سيتعارفان في يومٍ يقول فيه رب العزة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47).
ستعرف يا ظَلوم إذا التقينـا غدًا عند الإله منِ المَلُـومُ
إلى الديَّان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمعُ الخصومُ
ونحتفظ بحقنا في البكاء..
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا أستاذنا لمحزنون، وإنا لا نقول إلا ما يُرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أشعر وكأن كَنزًا ثمينًا تسرَّب من بين أيدينا؛ فإن هذا الجبل المتفرد بالصبر والعطاء والاحتساب والجهاد والتضحية، هذا السلف الصالح في هذه الدعوة الربانية الذين عُلّق منهم من عُلّق على أعواد المشانق، وكسَّر الباقون حجارةَ الجبل كي تأتي أجيال تعرف أن هذه سنة الله في الدعوات، وأن رجالاً من هذا الزمان صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأن هذا ليس عجبًا أو تخيُّلاً أو تكليفًا من الله بما لا يُطاق، بل هو واقع عاشه بيننا الصالحون، ولا حجة لقاعد أو متردد أو خائف.
وكما يقول الأستاذ الراشد: "إن هؤلاء القدماء هم الذين يمنحون الحياة الدعوية لطائف معانيها.. وبهم تتوطد أركان مبانيها.. فاحترامهم واجب، والتبرك بهم فرصة، واستشارتهم غنيمة، والارتباط بهم طمأنينة".
هل عرفتم أيها الأحباب لماذا البكاء؟ أردد دائمًا مع الدعاء:
إِنْ بكينــاكَ فحُقّ لنــا ولئن تركنا ذاكَ للصبــرِِ
فلمثلكَ جرت الدمـوع دمًا ولمثلك جَمُدت فلم تجرِ
فقد تجمدت الدموع من شدة الحزن..
أستاذي وشيخي الحبيب! مَثَلي ومَثَلُك وبيني وبينك كما بين الثرى والثريا، ولكني أحببتُكَ بصدق، وقال صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت".
أسأل الله على قليل عملي وكثرة ذنوبي أن يقبضني على شهادةٍ في سبيله يجمعني بها وإياك في صحبة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في جنته في مستقر رحمته إخوانًا على سررٍ متقابلين حيث لا نصبٌ ولا تعب، وأن يتقبلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
-----------
* أحد تلاميذ الشيخ