د. مصطفى هيكل

 

تتحدث أقلام كثيرة عن الواقع المتردي للأمة، وعن أحوال شعوبنا العربية والشعب المصري بالذات بشيء من اليأس، وتصف هذه الأقلام الشعوبَ بالخنوع أحيانًا وبالتخلف أحيانًا، وبقبول العبودية والخضوع إلى الذل والمهانة، وأقلام أخرى تصفها بالجبن والأنانية والنفاق، وهي بهذا تظلم هذه المجتمعات وهذه الشعوب، نعم كُتَّاب مرموقون يرددون هذا الكلام ومنهم رؤساء تحرير لصحف معارضة للأنظمة.

 

أقول مرةً أخرى إن هذا ظلم بيِّن لهذه الشعوب، فالشعوب تُسلِّم أمورها لقيادة، هذه القيادة إما أن تكون قيادةً رشيدةً ومؤهلة، وبالتالي تستطيع أن تأخذ بيد شعوبها إلى الرشد وإلى التقدم وإلى الازدهار، وأما أن تكون قيادةً فاسدةً وظالمة ومستبدة لا تراعي إلا مصالحها الذاتية ومصالح مَن يدورون في فلكها لينهلوا من الثروات ما يجعلهم يعيشون في ترف وبذخ، ويجعلهم في نفس الوقت عبيدًا وخدامًا لهذه الأنظمة الفاسدة على حساب الشعوب المطحونة والمغلوبة على أمرها فيكون النتاج تربية فاسدة ومجتمع هش تكثر فيه تلك الظواهر السلبية آنفة الذكر.

 

ويتساءل الكثيرون وعند هذه النقطة بالذات ما المخرج من هذه الحالة التي يعيشها المجتمع؟!، وهنا نود أن نؤكد أنه للخروج من هذه الحالة المتردية التي تعيشها الأمة لا بد من العودة إلى التاريخ القديم بعبرة ودروسه.

 

وأسرد في هذا ما ورد في ظلال القرآن (الجزء الأول صفحة 566): "فالذي يدقق النظر في هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ البشرية، يتجلى له جانب من حكمة الله في اختيار "الأميين" في الجزيرة العربية، في ذلك الحين، لهذه الرسالة العظيمة حيث يمثلون سفح الجاهلية الكاملة، بكل مقوماتها الاعتقادية والتصورية، والعقلية والفكرية، والأخلاقية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، ليعرف فيهم أثر هذا المنهج، وليبين فيهم كيف تتم المعجزة الخارقة، التي لا يملك أن يأتي بها منهج آخر، في كل ما عرفت الأرض من مناهج، وليرسم فيهم خط هذا المنهج، بكل مراحله- من السفح إلى القمة- وبكل ظواهره، وبكل تجاربه، ولترى البشرية- في عمرها كله- أين تجد المنهج الذي يأخذ بيدها إلى القمة السامقة، أيًّا كان موقعها في المرتقى الصاعد، سواء كانت في درجة من درجاته، أم كانت في سفحه الذي التقط منه الأميين".

 

نعم المنهج بين أيدينا ولكن الطغاة والظالمين يتجاهلونه بحمق، بل ويعادون بعنف وشراسة من ينادون بالرجوع والاحتكام إليه، نعم بين أيدينا المنهج الذي لو سرنا على هداه لأصبحت الدنيا كلها في سعادة وهناء بدلاً من التعاسة والشقاء والحروب والمظالم التي تعيشها البشرية ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: 96).