- د. محمد الباجس: لا يوجد في مصر أجهزة مسئولة عن سلامة الغذاء
- د. حسين شلبي: الحكومة تركتنا فريسة سهلة في أيدي معدومي الضمير
- د. إبراهيم الزنوني: 56 ألف متر من مياه الصرف الصحي تصب بالنيل
- د. أشرف عبد العزيز: نحتاج لثقافة غذائية لترشدنا بنوعية الطعام الجيد
تحقيق- الزهراء عامر:
"عصافير بطني بتصوصو".. عبارة شهيرة يرددها المصريون عندما يشعرون بالجوع لتأخر تناول الوجبات الغذائية المختلفة على مدار اليوم.. لكن عندما تكون السمة الأساسية لشريحة كبيرة من المصريين هي الجوع؛ نظرًا لانعدام دخولهم التي استأثر بها حفنة من رجال الأعمال، وانتشار الأمراض التي جاءت إلى مصر عبر أجنحة حكومات الحزب الوطني المتتالية، والتي بلغت ذروتها خلال عام 2009م الذي يمكن أن يطلق عليه عام الأوبئة.. لم تقو عصافير البطن على تحمل ما يتحمله المصريون فماتت جوعًا.
لم يسلم الغذاء في عام 2009م من المناخ المليء بالفساد وانعدام المبادئ والضمير، وظهر خلال هذا العام مجموعة من المفسدين الذين يعبثون بأرواح المواطنين ويحاربون الفقراء في لقمة عيشهم، ولم يكتف معدومو الضمير من التحكم في السلع الغذائية واحتكارها في الأسواق بل زاد الأمر إلى أن وصل إلى حد استيراد وبيع سلع وأطعمة فاسدة للمواطنين تدمر حياتهم وتصيبهم بالأمراض التي لا يستطيع المواطن المصري تحمل تكاليف علاجها من أمراض سرطانية وأمراض سوء التغذية ونقصها وأمراض الفشل الكلوي.
وأصبح المواطن في حيرةٍ من أمره ويسأل نفسه ما هي الأطعمة التي يتناولها وتكون خاليةً من الأمراض ومتوافرة له بأسعار تناسب دخله الشحيح في عامٍ أصبح فيه ثمن السلاح أرخص من ثمن الغذاء؟.
ولعل أبرز ما شهده الغذاء خلال هذا العام استيراد العديد من صفقات القمح والذرة الفاسدة الأمريكية والأوكرانية وسماح السلطات المسئولة بدخول هذه الأقماح وإنتاجها خبزًا يأكل منه البسطاء والفقراء.
واتسعت دائرة الفساد لتصل إلى حدِّ استخدام مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي والصرف الزراعي في أكثر من نصف مليون فدان من الخضر والفاكهة والمحاصيل الزراعية، واستخدام هذه المياه في ري المزارع السمكية التي يلجأ المواطن إلى هذا النوع من البروتين لتعويض نقص البروتين الحيواني في ارتفاع أسعار اللحوم، وخلط اللحوم الفاسدة باللحوم البلدية، بالإضافةِ إلى حالات التسمم من تناول فاكهة مسمومة بسبب المبيدات المستخدمة لهذه الأنواع.
وكشف تقرير حكومي حديث صادر عن المجالس القومية المتخصصة عن "زيادة استخدام الهرمونات في مزارع الدواجن والماشية سواء كانت طبيعية أو مصنعة لزيادة أوزان الحيوانات والطيور، التي يؤدي ترسب متبقياتها في اللحوم والألبان إلى التسبب في إصابة الإنسان بالأورام السرطانية".
ورصد تقرير المجالس القومية المتخصصة انتشار المواد الملوثة للغذاء والتي تصيب الإنسان بالأورام السرطانية وتشوهات الأجنة والأمراض التناسلية في العديد من المنتجات ومصادر التلوث المحيطة بالمواطن المصري.
وقسم التقرير مخاطر الغش في الغذاء إلى الأخطار الميكروبيولوجية والكيميائية والمتسببة بشكلٍ مباشر في الإصابة بالأمراض المزمنة كالتيفود وأمراض الكبد والفشل الكلوي والتسمم الغذائي.
وشدد التقرير الصادر عن شعبة الخدمات الصحية والسكان بعنوان "سلامة الغذاء وجودته" على خطورة العديد من المركبات الكيميائية التي تنتشر في البيئة المصرية مثل مركبات "الدايوكسينات" التي تحتوي على درجة عالية من السمية التي تسبب الإصابة بالأورام السرطانية، خاصةً سرطان الثدي عند النساء، وتشوهات الأجنة.
ولفت التقرير إلى أن "انتشار مركبات (الدايوكسين) يعود إلى الانبعاثات الناتجة عن أدخنة المحارق الخاصة بمخلفات المدن والمستشفيات ومصانع الورق والبلاستيك وصهر المعادن".
وشدد التقرير على خطورة المبيدات المستخدمة في مجالات الزراعة والصحة العامة للقضاء على الآفات الزراعية، لافتًا إلى أن الخطورة تكمن في متبقيات المبيدات على التربة والسلع الغذائية، مشيرًا إلى تأثير هذه المركبات الكيماوية على الجهاز العصبي والكبد والتنفس والتشنج مما يؤدي إلى الوفاة.
(إخوان أن لاين) قام بعرض واقع عام 2009 على الخبراء لإيجاد تفسير علمي لهذا الوضع، ومعرفة توقعات الخبراء للغذاء في عام 2010م في التحقيق التالي:
بدايةً يرى د. محمد الباجس مدير عام الإرشاد البيطري بوزارة الزراعة- سابقًا- أن هناك جانبين يجب أخذهما في الاعتبار الأول هو توفير الغذاء ومدى ملاءمة أسعاره لإمكانيات دخول الشرائح المختلفة للمواطنين، ومن المعروف أن مصر في ظروفها الحالية يعتمد الجزء الأكبر من احتياجاتها الأساسية على الاستيراد من الخارج، وهو ما يجعل الغذاء كسلعة أمرًا عزيز المنال بأسعاره وندرته لأغلب المواطنين، والجانب الثاني يتمثل في مدى سلامة الغذاء من الناحية الصحية وخلوه من الأمراض.
ويؤكد أن عجز السياسة الزراعية والسياسة التموينية عن أداء دورهما وضع الشعب المصري في ظروف قاسية للغاية، موضحًا أنه عادت إلى مصر من جديد الأمراض التي يطلق عليها "أمراض الفقر" والتي تعني أمراض "سوء التغذية ونقصها"، وتعتبر هذه موجات خطيرة مهددة لحياة وأمن المواطن المصري وعلى رأسهم مرض السل والتيفود والأنيميا.
ويشير إلى أنه لا يوجد في مصر أجهزة علمية مسئولة عن سلامة الغذاء، والتي تمارس عملها بشكل وطني وإنساني على حدٍّ سواء، وإنه تم توزيع الرقابة على الأغذية بطريقةٍ عشوائيةٍ بين العديد من الوزارات والهيئات المتحاربة والمتناقضة والمتصارعة حول التخصصات وأحقية العمل سواء كان بين وزارة الصحة، وزارة الزراعة، وهيئة الطب البيطري، وكذلك الأجهزة المعنية في الصناعة والتجارة وهيئة الرقابة على الصادرات والواردات وغيرها.
ويشن الباجس هجومًا على تعطيل إنشاء هيئة أو جهاز لسلامة الغذاء، بحجة إيجاد موقع مهم لأحد الأشخاص المقربين وذوي الحظ والنفوس؛ لأن الإجراءات التي تعنيه هي إيجاد مقر فاخر، مع الوعود الهلامية لجمع كل التخصصات والمعامل المتناثرة بين الوزارات والهيئات المختلفة والمعنية بسلامة الغذاء، وجمعها تحت مظلة هذا الهيئة الجديدة وإدارة هذه الأجهزة بنوع من التنسيق وتوزيع الاختصاصات، أمر لم يتم الاقتراب منه، ولم تتخذ أي إجراءات عملية لتحقيقه رغم مرور عدة سنوات.
ويضيف أنه فرض على المستهلك المصري الفقير أن يضحي بدخله الشحيح ليأكل لحومًا ما من الدرجة الثالثة مصابة ومحملة بمسببات الأمراض، وتناول دواجن مجمدة من مخلفات أوروبا وأمريكا اللاتينية والهند وأقماحًا متسرطنة مخصصة لعلف الماشية والحيوانات.
ويقول "إنه باختصار شديد قد كان عام 2009 يمثل قمة المأساة بالنسبة للمستهلك المصري في طعامه وشرابه، خاصةً أنه واقع بين أمرين شديدي الصعوبة وهما عدم توفير الدخول لشراء الغذاء الصحي، وعدم وجود القدرة والسبل للوقاية والعلاج من الأمراض المختلفة التي يعاني منها من جرَّاء الغذاء الملوث أو سوء التغذية".
وتوقع الباجس أنه لا يوجد في الأفق تغير إلى الأفضل بل انحدار إلى الأسوأ خلال عام 2010م، وأن كافة الأمور والمتاعب سوف تتفاقم يومًا بعد يوم، بالإضافةِ إلى عدم القدرة المادية للدولة على الاستمرار في استيراد هذا الكم الهائل من الأغذية التي نحتاج إليها من الخارج، بجانب ازدياد معدلات الإصابة بالأمراض الناتجة عن سوء التغذية ونقصها والأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وتوقع أيضًا الزيادة الكبيرة في طوابير الخبز والسلع الرخيصة التي يتضاعف الصراع من حولها بين ملايين الفقراء الذين يبذلون أعمارهم في سبيل الحصول على ما يسد الرمق.
الثقافة الغذائية
الغلاء وارتفاع الأسعار أصبح حديث المصريين جميعًا
ويرى الدكتور أشرف عبد العزيز استشاري التغذية بجامعة حلوان أن الشعب المصري يفتقد ما يسمى بمفهوم "الثقافة الغذائية" والتي يجب أن يتم تناول هذا المفهوم في العملية التعليمية لزيادة وعي المواطنين لما يجب تناوله في ظل وجود مناخ مليء بالأوبئة والفيروسات التي تهدد حياة المواطنين، بجانب أن مصر لا يتوافر فيها الغذاء المناسب الذي يعمل على رفع مناعة الجسم لمقاومة الفيروسات مثلما يحدث في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية حتى أصبحت لا تتناسب جميع المستويات وغير متاحة للفقراء.

ويؤكد أن عام 2009م شهد ارتفاعًا كبيرًا في معدل التلوث الغذائي في مصر؛ مما أدَّى إلى ارتفاع معدل الحالات المصابة بالأمراض المزمنة الخطيرة مثل حالات الفشل الكلوي الناتجة عن تناول أغذية محملة بالمواد السامة التي لا يستطيع الجسم التخلص منها، وهذه المواد تتمثل في تناول بعض الأغذية التي تحتوي على عناصر ثقيلة.
ويدين استخدام الهرمونات والمبيدات لزيادة عملية النمو في وقت قصير مما يؤدي إلى نمو الفاكهة والخضروات بشكلٍ غير طبيعي، وعند تناول الإنسان لهذه الأطعمة يصاب بالأمراض السرطانية المختلفة، بجانب تدمير البذور الأصلية للنباتات.
ويشير عبد العزيز إلى معالجة هذه الظاهرة تتمثل في العودة للوراء وتطبيق قانون الدورات الزراعية الذي يحكم المزارع ويلزمه بزرع المحاصيل والفاكهة المناسبة للموسم مع الالتزام بالجودة واستخدام مياه ري مناسبة ليقلل إصابة النباتات بالعناصر الثقيلة.
أضرار التلوث
استخدام مخلفات الصرف الصحي في ري الأراضي الزراعية
ومن جانبه يشير إبراهيم الزنوني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان بمجلس الشعب وعضو لجنه الزراعة أن استخدام المياه الملوثة في ري النباتات والمحاصيل الزراعية، وخاصةً مياه الصرف الصحي لم تكن وليدة اليوم ولكن مصر تعاني منها منذ عام 1980م، موضحًا أن هناك العديد من الأماكن تعتمد في زراعتها على مياه الصرف الصحي؛ وذلك نظرًا لندرة المياه.

ويوضح أن أراضي الوادي الوقعة على ضفتي النيل تحرم من الري بمياه النيل ويتم ريها من مصرف المحيط البالغ طوله 140 كيلو مترًا، والذي يحتوي على ثلاثة أنواع للصرف وهي الصرف الصحي والصرف الزراعي والصرف الصناعي، وتم تحويل مياه النيل لري 3.4 أفدنة في الجبل.
ويؤكد أن مياه النيل يلقي بها أكثر من 56 ألف متر مكعب مياه صرف صحي يوميًّا وهذه المخلفات، مما يؤدي إلى إصابة من 5 إلى 10 أفراد بمرض الفشل الكلوي.
ويفند الزنوني الأضرار الناتجة عن المياه الملوثة إلى "أضرار زراعية، وأضرار مادية"، الأضرار الزراعية تتمثل في تدمير وتدهور الرقعة الزراعية لأن معظم هذه الأراضي أراضٍ طينية ضيقة المسام، وعند ريها بالمياه الملوثة يتم تحويل التربة الطينية إلى تربة مالحة غير صالحه للزراعة، بجانب الإضرار بنوعية النبات المزروع لاحتواء هذه الأشياء على عناصر ثقيلة تظل موجودة داخل النبات لفترة طويلة وتنتقل إلى الإنسان تسبب له الأمراض المزمنة أو إلى الحيوان، والتي تؤثر على الألبان وفي النهاية تلحق الضرر بالإنسان.
ويطالب الزنوني بضرورة الاتجاه للزراعات العضوية التي لا تحتوي على عناصر ثقيلة التي تؤثر على الإنسان ولا تعتمد على الأسمدة لإسراع نموها، وتكون على غرار النباتات التي تصدر للخارج والتي يمنع تصدير المحاصيل غير العضوية.
حلقات مفرغة
ويرى حسين شلبي أستاذ الاقتصاد الزراعي أن الأزمة المالية العالمية خلفت وراءها آثارًا ألحقت الضرر بقطاع الزراعة وبالسلع الغذائية بشكلٍ كبير، وظهر ذلك في ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وخاصةً السكر والقمح والاتجاه إلى استيراد شحنات القمح الفاسدة التي تكررت أكثر من مرة خلال هذا العالم.
ويؤكد أن الحكومة وضعت المواطن في حلقتين مفرغتين إما ارتفاع الأسعار وعدم القدرة على شراء الأغذية التي تناسبه أو الوقوع في حلقة تناول الأغذية الفاسدة والمسرطنة، وفي ظل عام مليء بالأوبئة والفيروسات الجديدة مثل فيروس إنفلونزا الخنازير والطيور تتطلب الاتجاه للعناية الصحية، وهذا ما كشف عن وجود صفقات وأغذية تدمر حياه الإنسان.
ويلقي شلبي اللوم على الأفراد التي تبحث عن الأشياء التي تدر لهم ربحًا أكبر حتى وإن كان ذلك على حساب حياة الأبرياء، بجانب القصور الحكومي في مراقبة ذلك وترك المواطن فريسة في يد معدومي الضمير.