- د. طارق فهمي: حماس الأقوى ومكاسبها على الأرض واضحة
- د. عماد جاد: ثبات المقاومة في الحرب وقود قوتها إلى اليوم
- اللواء مسلم: الكيان قتل الأطفال ولم يمس إرادة المجاهدين
- د. مخيمر: رعب وهلع في نفوس الصهاينة بمجرد ذكر حماس
تحقيق- إيمان إسماعيل:
"إن كنا ذهبنا إلى غزة لإعادة شاليط فقد عدنا بدونه، وإن كنا ذهبنا إلى غزة لوقف الصواريخ فقد زاد مداها إلى آخر يوم وزادت رقعة تهديدها، وإن كنا ذهبنا إلى غزة لإنهاء حماس فقد زدناها شعبية وأعطيناها شرعية، وإن كنا ذهبنا إلى غزة لاحتلالها فقد علمنا أن قوات النخبة لم تستطع التوغل مترًا واحدًا داخل غزة".
ما سبق هو غَيْض من فَيْض من شهادات بانتصار المقاومة الفلسطينية في حرب غزة الأخيرة بعد مرور عام عليها، وهذه الكلمات لم تذكر على لسان عرب أو مسلمين، بل ذكرت على لسان صهاينة متعصبين عقب الحرب، حيث ذكرته مجلة روسية تصدر بأمريكا معروفة بتشددها للصهيونية العالمية وسيطرة اللوبي الصهيوني عليها، وجاءت تحت عنوان (هل هذا نصر؟)، وبعد نشر هذه المقالة تم سحب المجلة من الأسواق بسببها.
وشنَّت الصحف الصهيونية هجومًا حادًّا على قادة الكيان أو مثلث الشر (أولمرت وليفني وباراك)، واتهمتهم بأنهم "أهدَوا للمقاومة وحماس نصرًا بسبب فشلهم في إدارة ملف الحرب"، وأنهم حقَّقوا خسائر عديدة؛ أقلُّها أن صواريخ المقاومة ما زالت تهدد جنوب كيانهم، فضلاً عن أنها سوف تمتد إلى مدن وأماكن أكثر بعدًا من سديروت وعسقلان.
ودلل الخبراء والسياسيون على أن تلك الحرب أكسبت حماس تعاطفًا شديدًا لدى الشارع العربي عامةً، وفي فلسطين خاصةً، والذي ظهر في عدم تلفظ الفلسطينيين في غزة بلفظٍ ضد حماس أو بلفظ يُلقي عليها المسئولية كما كان يحدث قبل الحرب إلى يومنا هذا، فضلاً عن مشاركة الآلاف من الفلسطينيين في احتفالات الحركة بمناسبة مرور 22 عامًا على انطلاقتها، على الرغم من أن أحد أهداف الكيان وما كان ينتظره فريق رام الله؛ أن يثور أهل غزة على حماس ويحمِّلوها المسئولية.
ومما أكده الخبراء أيضًا، أن الكيان لم يحدد أهدافًا صريحةً وواضحةً في حربه على غزة؛ للهروب من المأزق الذي قد يتعرَّض له في نهاية المعركة، وترك الأمور "عائمةً"؛ لكي يجعل من أي إنجاز يحققه في الحرب هدفه الذي كان يسعى لتحقيقه.
وأما خسائر العدو على الصعيد الإنساني والنفسي- كما ذكرها الخبراء- فقد تمثلت في أن الصهاينة خسروا خسائر جسيمة على المستوى الاجتماعي والإنساني؛ أولاها أن العالم بأسره شاهد الوجه القبيح للصهاينة في هذه المجازر البشعة التي ارتُكبت في حق أبناء غزة؛ بالإضافة إلى تأكيد التقارير وجود ما يزيد عن ثمانمائة ألف صهيوني من سكان الجنوب إذا ذكرت اسم حماس أمامهم ارتجفوا وذهبوا للملاجئ.
وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية كلفت تلك الحرب- وفقًا للتقارير الاقتصادية الصادرة من الكيان الصهيوني- خسائر اقتصادية بلغت 10 مليارات دولار، ما يؤدي إلى عجزٍ كبيرٍ في ميزانية أعوام 2009 و2010 و2011م، وتمثل التكلفة العسكرية الصهيونية للعدوان على غزة خلال الـ22 يومًا من الحرب 128 مليون دولار، بالإضافة إلى تأكيد الخبراء أن قدرة خزينة الكيان الصهيوني لن تتحمَّل الكمَّ الهائل من التعويضات؛ حيث إنها ستقوم بدفع ما يقرب من 3.5 مليارات شيكل كتعويضات جرَّاء فقدان الدخل لدى مئات الآلاف من سكان الكيان في الجنوب.
(إخوان أون لاين) طرح الأمر برمته على الخبراء السياسيين والعسكريين والاقتصاديين وأساتذة علم النفس لتحليل الوضع العام في غزة بعد عام من العدوان الصهيوني والإجابة عن تساؤل هام حول مقدار ما حققه طرفا الحرب من مكاسب ومقدار ما لحق بهما من خسائر.
حماس الأقوى
لوحة جدارية تصور الجندي الأسير جلعاد شاليط بقطاع غزة
بدايةً يقول الدكتور طارق فهمي الخبير في المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط: إن المقاومة وعلى رأسها حماس حققت الكثير من المكاسب على أرض الواقع؛ حيث كان هدف الكيان منذ بدء الحرب تحرير الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط، وإسقاط حكم حماس في غزة، والدفع بحماس إلى الهاوية، مؤكدًا أن كل ذلك لم يتحقق إلى الآن على الرغم من انتهاء الحرب ومرور عام كامل عليها.

ويضيف أن ما أُعلِن على لسان القيادات الصهيونية قبل الحرب وأثناءها وبعد انتهائها من أن الجانب الصهيوني لم يحقق أيًّا من أهدافه بل خسر خسارة فادحة.
ملمحًا إلى كثرة استخدام لفظ "محدال" بين جنود جيش الاحتلال، وهو لفظ يعني في لغتهم التقصير في أداء المهام، حيث تم تبادُل اتهامات بين قيادات الجيش الصهيوني في أثناء الحرب وبعد انتهائها بالتقصير والتخبط في المهام العسكرية المطلوبة أثناء الحرب وعدم وضوح الأهداف، مما أدى إلى هزيمتهم.
ويشير د. فهمي إلى أن المراجعات الحقيقية التي تمت بعد الحرب بين القيادات الصهيونية للخطط والإستراتيجيات التي تم التعامل بها أثناء الحرب- وخصوصًا داخل المؤسسة العسكرية- بالإضافة إلى حالة التذمر التي انتابت الجنود في صفوف جيش الاحتلال بعد انتهاء الحرب، وحدوث نوع من مراجعة الذات لديهم خاصةً في لجنة الأمن القومي؛ كل ذلك يثبت الخسائر الفادحة على جانب الكيان الصهيوني.
ويؤكد أن مما يثبت أن حماس خرجت من الحرب الأقوى على الإطلاق على النطاق السياسي والشعبي؛ أنها أثبتت أن نظرية الردع الصهيوني وخطة "التين"- وهي خطة الإصلاح لدى الجيش الصهيوني- تعانيان الكثير من الثغرات والعيوب والتي أثبتتا فشلهما في تلك الحرب.
وعلى جانب آخر يوضح د. فهمي أن حركة حماس خرقت جدار مقاطعة العالم لها والتعامل معها، مشيرًا إلى حديث أوباما من جامعة القاهرة والذي أكد فيه على ضرورة لغة الحوار مع حماس وعدم تهميشها، فضلاً عن إشادة الاتحاد الأوروبي بالدور الذي لعبته حماس.
ويستطرد أن حماس خرجت من تلك الحرب وهي الأقوى، وأثبتت للعالم أجمع أن قواعد اللعبة الفلسطينية في يدها، ملمحًا إلى محاولات إرضاء حماس في المفاوضات التي تجرى الآن من خلال اللجنة الرباعية وغيرها؛ ما يثبت أن المقاومة وعلى رأسها حماس هي الرابح الأقوى في تلك المعركة، وأن السلطة الوطنية الفلسطينية تعاني الكثير من الانفكاك.
ويؤكد د. فهمي أن الباب الآن أصبح مغلقًا في وجه الكيان الصهيوني إذا حاول دخول غزة مرة أخرى أو خوض حرب جديدة بعدما سيطرت عليه العديد من الهواجس والرعب في حرب غزة الأخيرة.
ويوضح أن طلب 11 وزيرًا في الحكومة الصهيونية بعد انتهاء الحرب مباشرةً بضرورة فتح حوار مباشر مع حماس، وطلب 38 قائدًا عسكريًّا صهيونيًّا للمحاكمة في الجنائية الدولية يثبت أن حماس هي الأقوى على الإطلاق، رغم وجود خسائر بشرية، مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني يعاني من تداعيات تقرير جولدستون إلى الآن؛ لأنها المرة الأولى التي تخرج فيها الاتهامات في تقرير دولي بذلك الشكل.
صمود مبهر!
![]() |
|
اللواء طلعت مسلم |
ويؤكد اللواء مسلم أن المقاومة استطاعت بتلك الحرب أن تتماسك أكثر، وترهب الكيان الصهيوني، وترد عليه بويلات قاسية تؤرقهم إلى الآن على الرغم من مرور عام كامل على الحرب، مدللاً على ذلك بإقامة الجانب الفلسطيني الاحتفالات وصموده المبهر منذ انتهاء الحرب إلى يومنا هذا.
ويلمح اللواء مسلم إلى أن قرار مجلس الأمن بمطالبة مصر والكيان الصهيوني بفتح المعابر بين كل منهما وقطاع غزة- على الرغم من عدم تطبيقه- يعد نصرًا ساحقًا للمقاومة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن تطبيق القرار من عدمه لا يعود إلى ضعف في المقاومة بل إلى ضعف المجتمع الدولي الذي تخاذل ولم يستطع أن يطبق قرار مجلس الأمن.
ويتابع: إنه لم يكن من المتوقع أبدًا أن يتم تدمير جيش الكيان الصهيوني بذلك الشكل، على الرغم من ضعف صواريخ المقاومة التي تمت صناعتها يدويًّا، فضلاً عن إحكام الحصار حول قطاع غزة بذلك الشكل، مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني لم يستطع تحقيق الضربة القاضية رغم الحصار الذي فرضه على القطاع.
ويوضح أن الكيان الصهيوني وإن كان حقق خسائر لدى الجانب الفلسطيني، فهي خسائر في الأرواح فقط، ولكنها قوّت من عضد وإرادة الشعب والمقاومة بشكل كبير، ملمحًا إلى شعبية المقاومة التي زادت بشكل كبير جدًّا على المستوى الدولي والشعبي، والتي تتضح من خلال التفاف وتضامن العديد من أفراد المجتمع الدولي والعربي حول المقاومة، أما على الجانب الصهيوني فقد خسر الكثير من شعبيته، بدليل خسارة الجانب الذي كان يقود المعركة في الانتخابات التي أجريت عقب الحرب مباشرةً، مما يؤكد إحساس الشعب الصهيوني بفشله في تلك الحرب ورغبته في تغيير قياداته.
22 يومًا ثباتًا!
ويعلق د. عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن كلا الطرفين- المقاومة والجانب الصهيوني- له خسائره وله مكاسبه من حرب غزة، والتي زاد وضوحها أكثر بعد بعد مرور عام، مشيرًا إلى عدم وجود "كاسب" على الإطلاق، أو خاسر على الإطلاق.
ويشير جاد إلى أن صمود المقاومة لمدة 22 يومًا في ظل القمع وإحكام الإغلاق على القطاع، يعتبر نصرًا للمقاومة ليس وقت الحرب فقط بل إلى يومنا هذا، موضحًا أن ذلك يتجلى في القوة النفسية للمقاومين والتي أبقتهم على الساحة بتلك القوة حتى الآن.
ويوضح أن اتهام الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية في تقارير دولية يعد مكسبًا للمقاومة، مشيرًا إلى أنها رسالة رادعة للكيان أن خيار السلاح ليس بالحل الأمثل.
ويؤكد د. جاد أن الكيان- وإن كان حقق مكاسب منها تراجع إطلاق الصواريخ من القطاع إلى الكيان، من خلال استخدامه أسلحة محرمة دوليًّا- إلا أنه الآن لا يفكر أبدًا في خوض حرب جديدة ضد غزة بعدما علم مدى القوة والصمود اللذين تتمتع بهما، واللذين لم يكن يتوقعهما.
10 مليارات دولار!
وعلى الصعيد الاقتصادي يقول عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي: طالما وجدت مقاومة فلا بد من وجود تضحيات ومكاسب وخسائر لدى الجانبين. مشيرًا إلى أن الحرب على غزة في ظل التخاذل العربي والدولي أدت إلى إحكام السيطرة على القطاع، ما أدى إلى انعدام التعامل التجاري والاقتصادي في القطاع، وبالتالي أثر في ازدياد معدلات البطالة فيه، والتي قدرت بين 50 و70%، فضلاً عن ازدياد معدلات الفقر بشكل كبير لدى القطاع، بالإضافة إلى انعدام الخدمات البنكية بسبب سحبها لكافة تعاملتها وقت الحرب نتيجة التهديدات التي تلقتها من جانب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية.
ويوضح أن هناك أكثر من 1,5 مليون إنسان في قطاع غزة يفتقدون مقومات الحياة الأساسية، وحكومات العالم لا يهتز لها جفن، ملمحًا إلى أنه في الوقت الذي كانت القوات الصهيونية تدك فيه المدنيين في غزة؛ كانت تعلن تزايد حجم صادرتها للدول العربية.
ورغم ذلك يؤكد الصاوي أنه في ظل "الحصار الفولاذي" على قطاع غزة من الجانب المصري والصهيوني، وإحكام السيطرة عليه، إلا أنه ربح الكثير؛ فقد كانت المعادلة غير عادلة بين الطرفين، ففي الوقت الذي يمد فيه الكيان بكافة الإمدادات كان إحكام الحصار على القطاع، وقطع كافة المعونات عنه، ثم يقال له: قاوم. لا بد له من مدد كي يقاوم.
موضحًا أن الصمود رغم تلك المعادلة غير العادلة يعني نجاح المقاومة نجاحًا ساحقًا.
ويشير الصاوي إلى أن خسائر الكيان الصهيوني على الصعيد الاقتصادي تمثلت في إنفاقه الملايين على الحرب من تجهيزات الجيش وغيره، ثم بعد ذلك لم يحقق أيًّا من أهدافه، وعادت قواته تجر أذيال الخيبة وتكبدت الخسائر الفادحة.
اهتزاز نفسي!
"عدم امتلاك الحق" و"البجاحة" في اغتصاب حقوق الآخرين سبّب الاهتزاز والذعر النفسي لدى الكيان الصهيوني.. بتلك الكلمات بدأ الدكتور عماد مخيمر أستاذ علم النفس بجامعة الزقازيق، والذي أكد أن الثبات النفسي المبهر لدى المقاومة وقت الحرب وثباتها إلى يومنا هذا يرجع إلى وجود الحق معها، وعلى النقيض من ذلك كان الكيان الصهيوني حيث الاهتزاز النفسي والتردد أثناء الحرب، سواء في التوغل البري أو غيره، واهتزازه النفسي الذي يتضح في المفاوضات التي تجري الآن بين الطرفين، مشيرًا إلى أن سبب هذا الاهتزاز هو إدراك أولئك في قرارة أنفسهم- ولو لم يفصحوا عنه- أن الحق ليس معهم وأنهم مغتصبون له.
وألمح د. مخيمر إلى أن توحد الناس والتفافهم حول قضية واحدة وقت الحرب سبب من أسباب رفع الروح النفسية لدى الجانب الفلسطيني، مما أثر بدوره على ثباتهم وقوتهم في مفاوضاتهم.
وأوضح د. مخيمر أن الحرب الإعلامية لها دور أساسي في التأثير في نفسية الطرفين الصهيوني والفلسطيني، بل وفي العالم أجمع مع من سيكون تعاطفه، ملمحًا إلى أن القنوات العربية التي صورت ضحايا الجانب الفلسطيني وأشكال الجثث وهي ممزقة، كان لها تأثيرها النفسي في شحن عواطف العديد ضد الكيان.
