![]() |
|
م. محمد البشلاوي |
إن من أجلِّ النعم علينا بعد نعمة الإسلام نعمة الأخوة في الله؛ حيث توحدت عقائدنا وعباداتنا وتصوراتنا وقيمنا وأهدافنا ووسائلنا ومشاعرنا، حتى كدنا نكون كالجسد الواحد تعددت أعضاؤه؛ وذلك هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؛ ولذلك امتَنَّ المولى تبارك وتعالى على المؤمنين بنعمة الأخوة في معرض الأمر بالاعتصام بدين الله وجماعة المسلمين بديلاً عن الفرقة والخلاف.
قرر أسلافنا أن عقد الأخوة رابطة بين شخصين أو بين تجمع أفراد من المؤمنين، ولهذا العقد شروط وتكاليف يجب الوفاء بها، فله عليك حق: في المال والنفس، وفي اللسان والقلب بالعفو والدعاء، وبالإخلاص والوفاء بالتخفيف وترك التكلّف والتكليف.
يقول الله سبحانه وتعالى:﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف:4) ويقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10) "إنما" للحصر، فالمعنى ليس المؤمنون إلا إخوة جمعتهم رابطة الإيمان، فلا ينبغي أن تكون بينهم عداوة ولا شحناء، مهما تكن الأسباب، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55).
وفي الحديث: "والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾ (آل عمران).
سبب النزول: أن رجلاً من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم، وأن يُذكِّرهم بما كان من حروبهم يوم بعاث، ففعل، فلم يزل كذلك حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتنادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرب، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول: "أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم؟" وتلا عليهم هذة الآيات فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم.
هذة الأخوة هي العاصم بعد الله عز وجل من الفرقة والشقاق ومن الضعف والوهن؛ ولذلك كانت المظهر الثاني من مظاهر القوة بعد قوة العقيدة والإيمان؛ قوة الوحدة والترابط، ولقد فطن أعداؤنا لذلك فرفعوا فيما بينهم شعارًا نصه "فرِّق تَسُدْ" فعلينا أن ننتبه لهذا، وأن نتمسك بوحدتنا وجماعتنا، وقديمًا قالوا: "كدر الجماعة خير من صفو الفرد". كما أن ديننا لا يقوم إلا على أكتاف رجال يحمله جميعهم لا آحادهم.
والآيات تشير إلي ركيزتين يقوم عليهما الصف المؤمن: الأولى: الإيمان بالله وخشيتة وتقواه.. وهي المحرك والدافع الذي يحض المؤمن على الوفاء بحق الخالق جل وعلا، وهي سر اليقظة الدائمة التي لا تفتر ولا تغفل لحظة حتى يبلغ الكتاب أجله.
الثانية: الأخوة النابعة من تقوى الله.. وأساسها الاعتصام بحبل الله- بعهده ومنهجه ودينه- وهذه الأخوة بهذا المعنى منة من الله على عباده، ونعمة كبرى وهي سبب النجاة من عذاب الله.
عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس! اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله. فجثا رجل من الأعراب علي ركبتيه وألوى بيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله! انعتهم لنا، صفهم لنا. فسُرّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي وقال: هم ناس من أفناء الناس ونزّاع القبائل، لم تصِلْ بينهم أرحام متقاربة، تحابُّوا في الله وتصافَوْا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها، فجعل وجوههم نورًا وثيابهم نورًا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون.. هم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
ويقول صلوات الله وسلامه عليه: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي".
وفي الحديث أيضًا يقول الله عز وجل: "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء".
إن الأخوة الصادقة لترقى حتى تعد أكرم وأفضل الأعمال وأولاها بالقبول.. يقول صلوات الله وسلامه عليه: "أفضل الأعمال الحب في الله".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلاً زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبُّها عليه. قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالي. قال المَلَك: فإني رسول الله إليك بأن الله أحبك كما أحببته فيه".
وهذه الأخوه لها واجبات وتبعات علينا جميعًا أن نقوم بها ونحرص عليها، منها:
- الحب في الله، "من أحب أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله".
وذِكْرُ السابقين بالخير والدعاء لهم بالمغفرة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
- ومنها ستره إن رآه على معصية، فلا يفضحه، ولا يشهر به، ولا يكون عونًا للشيطان عليه: "من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة"، ولكن عليه أن ينصحه، "الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله وكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
- وأن يعفو عنه ويصله ويتواضع له، "وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه".
- وأن يسعى في قضاء حاجاته "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
- وأن يحفظ سره "إذا حدَّث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة".
- وأن يحسن الظن به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: من الآية 12). "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث".
- وألاَّ يظلمَه ولا يخذله ولا يُسلِمه ولا يحسده "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله، ومن كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.."، "ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا".
- وأن ينصره ظالمًا أو مظلومًا، فإن كان مظلومًا نصره على من ظلمه، وإن كان ظالمًا رده عن ظلمه، ولو ذهبنا نستقصي واجبات الأخوة التي تشد الوشائج فيما بيننا وتقوي اللُّحمة بين أفرادنا لأطلنا الحديث ولكن اللبيب تكفيه الإشارة.
من أجل ذلك عدَّ إمامنا البنا رحمة الله عليه الأخوةَ ركنًا من أركان البيعة العشرة وقال: "وأريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب, وأقل الحب: سلامة الصدر, وأعلاه: مرتبة الإيثار, ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9).
والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه؛ لأنه إن لم يكن بهم، فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره, "وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية", "والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا". ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة:71) , وهكذا يجب أن نكون".
حقوق الأخوة
وقد رتب الإسلام على إعلان الأخوة طائفة من الحقوق، يلتزم بها كل مسلم.
فليست الأخوة من النوافل في الإسلام، بل لب الإسلام وروحه.. وقد جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم الدعامة الأساس في البناء بعد الإيمان بالله من أول يوم وهذا هو الطبيعي في الرسالة الربانية.
(أ) أما حق المال فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى".
والمواساة في هذا الباب على ثلاث مراتب:
- أدناها.. أن تقوم بحاجته من فضلك ومالك.
- والثانية.. أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته لك.
- والمرتبة العليا..الإيثار والتي رأيناها في موقف الأنصار رضوان الله عليهم من إخوانهم المهاجرين.. وهذة مرتبة عليا لا يرتقى إليها إلا من تجرد وأخلص لله.
(ب) وأما حق النفس فأن تقوم بقضاء حاجته بنفسك وأنت فرح مستبشر؛ لأن حاجة أخيك إليك فضل من الله عليك.
جاء في الأثر: "ألا وإن لله أواني في أرضه وهي القلوب، فأحبُّ الأواني إلى الله تعالى أصفاها وأصلبها وأرقها, أصفاها من الذنوب، وأصلبها في الدين، وأرقها على الإخوان". (رواه الطبراني).
وفى الأثر أيضًا: "ما زار رجل أخاه فى الله شوقًا إلى لقائه إلا ناداه ملك من خلفه طبت وطابت لك الجنة".
وكان الحسن يقول: إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة.
وجاء رجل إلى ابن عباس وهو معتكف يشكو إليه آخر، فقال ابن عباس: كأنك تريد أن أكلمه. قال إن شئت.. فأسرع ابن عباس إلى الخروج من المسجد فقال الرجل: ولكنك معتكف! فقال ابن عباس: سمعت صاحب هذه الروضة- والعهد به قريب- يقول: "من مشى في حاجة أخيه كان له خير من اعتكاف شهر في مسجدي هذا".
(ج) حق الصبر عليه وحفظ سره:
من حق أخيك عليك ألا تذكر عيوبه في غيابه، ولا في حضوره، ولا تجادله، ولا تماريه، وأن تمتنع عن التجسس والسؤال عن حاله، وإذا رأيته لا تحاول أن تكثر عليه السؤال: إلى أين يتجه؟ وما هو قصده؟ فربما تُثقِل عليه أو تضطره إلى الكذب، واحفظ أسراره التي بثها إليك.
يقول أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدًا بشيء يكرهه.
ولا يجوز النصح والتوجيه إلا في أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكر مع اختيار الوقت المناسب والمدخل الحسن واللفظ الطيب وإظهار الشفقة وتقديم معاني الحب؛ فإن ذلك من الإحسان إليه.
وفي الحديث أيضًا: "المجالس بالأمانة إلا ثلاث مجالس: مجلس يسفك فيه دم حرام, ومجلس يستحل فيه فرج حرام, ومجلس يستحل فيه مال من غير حله". (رواه أبو داود)، وفي الحديث: "إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة، فلا يحل لأحد أن يفشي على صاحبه ما يكرهه".
(د) ومن حق الأخوة ذكر المحاسن:
كما أن من حق الأخوة السكوت عن العيوب، فإن من حقها أيضًا ذكر جوانب الخير، والثناء على أخيه والتودد إليه، وتفقد أحواله، وإظهار الانشغال بأمره، والمشاركة في السراء والضراء.
وفي الحديث: "إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره". (رواه أبو داود، والترمذي والحاكم).. وإنما أمره بالإخبار؛ لأن ذلك يوجب زيادة الترابط والمودة وتقوية الأواصر، جاء في الحديث: "تهادو تحابوا".
(هـ) ومن حق الأخوة العفو عن الهفوات:
جاء فى الواجب الثالث عشر من واجبات الأخ العامل:
"أن تكون رحيم القلب كريمًا سمحًا تعفو وتصفح وتحلم وترفق بالإنسان والحيوان، جميل المعاملة، حسن السلوك مع الناس جميعًا محافظًَا على الآداب الإسلامية والاجتماعية، فترحم الصغير، وتوقر الكبير، وتفسح في المجالس، ولا تتجسس، ولا تغتاب، ولا تصخب، وتستأذن في الدخول والانصراف.
(و) ومن حق الأخوة.. الدعاء:
تدعو لأخيك كما تدعو لنفسك؛ فإن هذا من أحب الأعمال التي تأخذ أجرها، جاء في الحديث: "إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قال ملك: ولك مثل ذلك". وفي لفظ آخر: "يقول الله تعالى: بك أبدأ عبدي" (أخرجه مسلم) وفي لفظ آخر:"دعوة الرجل لأخيه في ظهر الغيب لا ترد" (أخرجه مسلم) وكان أبو الدرداء يقول: "إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم".
(ز) ومن حق الأخوة الوفاء والإخلاص:
ومعنى الوفاء دوام الحب والمودة.. يقول صلوات الله وسلامه عليه في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة: "ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"، ويمتد الوفاء حتى بعد الوفاة، ولذلك روي أن عجوزًا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرمها وهش لها، فلما سُئل عن السبب قال: "إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الدين". (رواه الحاكم).
(ل) ومن حق الأخوة.. التيسير وترك التكلف:
فالأخ الصادق والمربي الأمين, لا يعنف إخوانه، ولا يشق عليهم، بل يروح عنهم، ويأنس بهم، ويشاورهم في كل ما يقصد، وقد آخى صلى الله عليه وسلم عليًّا فشاركه وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه.
وقد ورد في الأحاديث البيان الوافي لحقوق المسلم، منها الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وهو: "أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته، وتبر قسمه إذا اقسم عليك، وتنصحه إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكرهه لنفسك". (رواه الشيخان).
وعن أنس رضي الله عنه قال: "بينما رسول الله جالس إذ ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما الذي أضحك؟ قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من هذا، فقال الله تعالى: رد على أخيك مظلمته. فقال: يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء. فقال الله للطالب: كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ فقال: يا رب فليحمل عني أوزاري. ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، فقال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس فيه أن يُحمل عنهم من أوزارهم. قال: فيقول الله للمتظلم ارفع بصرك فانظر إلى الجنان, فقال: يا رب أرى مدائن من فضة، وقصورًا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبيِّ هذا أو لأي صديق أو لأي شهيد؟ قال الله تعالى: لمن أعطى الثمن. قال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. فقال: بماذا يا رب؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب، قد عفوت عنه. فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة".
وأختم بقول الحق تبارك وتعالى في سورة الجاثية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الجاثية: 14)، فإذا كان هذا هو حال المؤمنين مع الذين لا يرجون أيام الله فكيف بنا مع الذين يرجون أيام الله؟ وكيف بنا مع إخواننا المسلمين الذين تربطنا بهم علاقة الأخوة بالله؟ ما بالنا مع هؤلاء؟ فهم أولى بالعفو والصفح والغفران، فهيا بنا نتغافر بحق الأخوة في الله.
وكل عام والأمة الإسلامية بخير وتقدم ورخاء.
