- استشهاد صيام دفع مدرسًا مساعدًا لإحياء القضية في نفوس طلابه يوميًّا
- سارة عملت على "الفيس بوك" جروب "معًا ننصرها" بعد حياة اللامبالاة
- محمد تحول إلى منبر إعلامي متحرك بأحد "المولات" بعدما عرف الحقيقة
- الطفلة رنا قامت "بتحويش" 96 جنيهًا و25 قرشًا وتبرعت بها لأطفال غزة
- رجل أعمال أنشأ جمعية خيرية لدعم الفلسطينيين بعد مشاهدة بشاعة الحرب
تحقيق- إيمان إسماعيل، وزهرة أشرف:
"أرادوها دمارًا والله قضى أن تكون فتحًا وانتصارًا".. هذا أقل ما يمكن أن يقال بعد مرور عام كامل على حرب الكيان الصهيوني ضد قطاع غزة، وظهرت خلال هذا العام نماذج مشرقة أثبتت للعالم أجمع أن أهداف الحرب الصهيونية لم تتحقق، بل زادت من التفاف الناس حول القضية، وزادت من إحساسهم بها ومناصرتهم ودعمهم لها.
فقد كانت الحرب ذات صدى ودوي كبيرين في نفوس الكثير من الشعوب العربية والإسلامية التي كانت تلك الحرب بمثابة محطة تغيير شاملة في حياتهم، فانتشلتهم من وحل ضياع القضية وعدم وجود هدف في الحياة إلى جعلهم أكثر إحساسًا بالقضية، وأكثر مساندة لها، فعلى الرغم مما خلَّفته الحرب من دمار وقتل وتخريب إلا أنها حققت دفعًا كبيرًا في نفوس المسلمين بشتى بقاع الأرض على اختلاف مراحلهم العمرية، فقد أرادها العدو الصهيوني الغاشم دمارًا وفرقةً وتشريدًا والله عزَّ وجلَّ أراد بها أن تحيي قلوب العديد من الناس وتغير مسار حياتهم.
(إخوان أون لاين) رصد بعضًا من تلك النماذج المبهرة التي غيرت الحرب قِبْلَة حياتهم، ونقلت القضية الفلسطينية في نفوسهم من الهامش إلى محور الاهتمام.
يقول محمد أحمد "مهندس ديكور": إن حياته كانت مجرد ذهاب للعمل، والتنزه مع الأصدقاء يوميًّا في أي مكان، وكان لا يعلم أي شيء عن السياسة والأخبار وما يدور في غزة، بل الأشد هو عدم علمه أين توجد غزة، فكان لديه اعتقاد أنها أحد الأحياء بالعراق.
ويضيف قائلاً: "حتى جاء يوم لا أنساه وهو يوم 5/1/2009م، فكنت وقتها في نزهة مع بعض الأصدقاء بمول "سيتي ستارز" بمدينة نصر، واستوقفني فجأة شابَّيْن، تعرفا علينا وسألانا قائلين: هل تتابعوا الأخبار وما يحدث في غزة الآن؟ ويقول: إنهما استطردا في الكلام معه عن بشاعة ما تقوم به قوات الاحتلال الصهيوني في الأراضي الفلسطينية، وعن أصل القضية الفلسطينية، ونوايا اليهود، وأقل الواجبات المطلوبة نحوهم.
ويعلق أن أكثر ما أثَّر في نفسه هو حمية الشابَّين، خاصة أنه علم أن هذين الشابين أحدهما طبيب والآخر مهندس معماري، ومنذ بدء الساعات الأولى للحرب قاما باقتطاع 4 ساعات يوميًّا يذهبان فيها إلى "المولات" والشوارع التي يكتظ بها الشباب ويقومان بشرح القضية لهم وحثهم على ضرورة متابعة الأخبار، ويقومان بتأكيد لهم أن هناك أدوارًا عديدةً يستطيع أن يقوم بها المواطنون في مصر لنصرة غزة.
ويوضح أنه منذ ذلك الوقت وهو على صلة وطيدة بهذين الشابين، كما أنه ظل يفكر فيما دفعهما إلى القيام بمثل ذلك العمل على الرغم من انشغالهم، وما سبب تلك الحمية؛ مضيفًا أنه قام بالحصول على أرقام هواتفهم، واشترى العديد من الكتب التي تتحدث عن القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى ذهابه أسبوعيًّا إلى أحد المولات للتحدث مع الشباب عن القضية الفلسطينية ودورنا نحوها، وأنهم رغم مرور عام كامل على القضية لم يتخلوا عن ذلك العمل إلا في أسبوع واحد، كان زفاف أحدهم، ولكنهم استكملوا في الأسبوع الذي يليه".
سعيد صيام السبب!
أما صبري عبد الرءوف مدرس مساعد بجامعة القاهرة فيقول: "لم أكن أعلم عن غزة سوى أنها في فلسطين، وأن هناك حربًا يشتد وطيسها فترة وتهمد أخرى، فضلاً عن وجود معاهدات سلام تُجرى".
ويضيف قائلاً: "عندما بدأت الحرب الأخيرة شاهدت على شاشات التلفزيون صور القتل والدمار، فكنت أغير القناة في الحال حتى لا أتأذى من تلك المشاهد، إلى أن جاء يوم ووجدت في قاعة المحاضرات طالبًا يبكي بكاءً حارًّا في صمت، فانتظرت حتى انتهت المحاضرة وذهبت له وسألته عن سبب ذلك البكاء فقال لي: سعيد صيام وزير الداخلية مات. فقلت له في اندهاش: إيه المشكلة أنت قريبه أو تعرفه؟ ويضيف صبري أن الطالب تحدث معه في دقيقتين كلامًا موجزًا ولكنه مؤثر للغاية؛ حيث حكى له كيف توفي سعيد صيام، وذكر له بعض المواقف المؤثرة في حياته، فضلاً عن حديث الطالب معه عن كيفية نجاح الكيان الصهيوني في تغييب القضية الفلسطينية من العقول.
ويستطرد أنه منذ ذلك الوقت وهو يوميًّا لا يكون في محاضرة إلا ويكتب على "سبورة" قاعة المحاضرات جملة عن فلسطين؛ لتحيا القضية في نفوس الطلبة ولئلا ينسوها، ويقوم في ختام المحاضرة بتوصية الطلاب بضرورة عدم نسيان القضية، والدعاء المستمر لأهالي فلسطين وللإسلام والمسلمين، ويضيف أنه لو كان هناك نطاق أوسع من الحرية بعيدًا عن قبضة الأمن لقام بأكثر من ذلك.
مظاهرات غزة!
"هل كل هؤلاء لهم أقارب في غزة؟" بتلك الكلمات بدأت سارة محمد (24 عامًا) حديثها موضحة أنها لم تكن تفهم قبل حرب غزة لماذا كل هذه المظاهرات التي تجتاح العالم وخاصة في مصر؟ خاصة أنها قبلها كانت حياتها مجرد فُسَح مع الأصدقاء، فضلاً عن عدم انتظامها في الصلاة المفروضة، بالإضافة إلى أنها لم تستطع النظر إلى بشاعة المشاهد في فلسطين من قتل ودمار ودماء؛ خشية أن يصيبها حالة إغماء.
وتضيف سارة قائلة إن المظاهرات ذات الأعداد الغفيرة التي شاهدتها في شوارع القاهرة جعلتها تضغط على نفسها وتتابع الأخبار بشغف؛ لفهم حقيقة القضية، وتتحدث مع أصدقائها عن ضرورة فعل شيء حتى لا يكون الدور على مصر ويتخلى الجميع عنها كما تخلينا نحن وقتها عن غزة.
وتستطرد قائلة: "من وقتها قمت بإنشاء جروب على "الفيس بوك" تحت اسم "معًا ننصرها" ويتم فيه محاولة تفعيل القضية من خلال إرسال رسائل إلى الإيميلات تدعوهم إلى ضرورة مقاطعة البضائع الأمريكية، والدعاء لهم، والتبرع عن طريق نقابة الأطباء وغيرها من المنافذ، وحاولت نقل دروس الشيوخ ومحاضراتهم التي تحث على ضرورة عدم نسيان القضية، فضلاً عن انتظامي في الصلاة بشكل لم أعهده من قبل".
جمعية لنصرة غزة!

حازم صلاح (رجل أعمال) يقول: إنه كان يعلم الكثير عن القضية الفلسطينية، وكان يقرأ دومًا عنها ويتابع أخبارها على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، إلا أن الحرب الأخيرة كان لها وقع مختلف في نفسه، فمشاهد بكاء الأطفال والنساء، وأشكال الجثث بفعل القنابل الفسفورية، وغيرها من المشاهد البشعة، جَعَلَتْهُ غيَّر مسار حياته، وبدأ في إنشاء جمعية خيرية بالتجمع الخامس، وكون فريق عمل من 10 أفراد؛ ليقوم بأداء العديد من الأنشطة، منها جمع التبرعات وإيصالها لغزة، وإلقاء محاضرات شهرية عن القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى قيام الجمعية بتحديث قوائم المقاطعة الموثوق بها للمنتجات الأمريكية والصهيونية، وحث الناس على ذلك، وعدم الفتور أو التراخي، فضلاً عن قيامهم بـ4 مهرجانات حاشدة منذ بدء الحرب إلى الآن تعمل على إحياء القضية في النفوس.
ويضيف قائلاً: "رغم التضييقات الأمنية التي واجهها إلا أنه ماضٍ في طريقه بلا هوادة حتى لو كلفه ذلك الكثير".
وحدة متشابكة!
ويقول أحمد فؤاد (طبيب بشري بمستشفى فلسطين بمصر الجديدة): "إن توافد الجرحى الفلسطينيين على المستشفيات المصرية وقت الحرب، واحتكاكه المباشر معهم وحديثهم عن مشاهد حية شخصية حدثت معهم أثناء الحرب، وشرحهم للكيفية التي تمت إصابتهم بها، كلها كانت مواقف مؤثرة في نفسي لأبعد مدى".
مشيرًا إلى أن تلك الحكايات من أفواه هؤلاء جعلت شعوره بالقضية يتبدل، ويشعر بها أكثر، فضلاً عن قيامه بالحصول على أرقام هواتفهم ومحادثته لهم باستمرار هو وزوجته وأولاده، والتواصل الدائم معهم، وينقل تلك المشاعر لمعارفه القريبين، واختتم حديثه قائلاً: "من وقتها ونحن نشعر أننا في قلب القضية، وأننا لسنا مجرد مشاهدين للأحداث من الخارج، بل مشاركين في صنعها".
يوميًّا في الجامعة
آية نصر (18عامًا) تقول: "لم أكن قبل تلك الحرب أعلم مدى تفاهة الشباب المصري وانعدام ثقافته، وأنهم في حالة ركود غريبة، خاصة عندما ذهبت للجامعة في أحد أيام القصف الشديد، ووجدت شبابًا يقيمون حفلاً صاخبًا بمناسبة عيد ميلاد أحدهم، فتعجبت وقلت: أين النخوة والإحساس؟!".
وتضيف أنها بعد تلك المجزرة، وكلما استعادت ذاكرتها مشاهد الأطفال الرضع الذين قتلوا والنساء اللائي رمِّلن، أخذت عهدًا على نفسي ألا يمضي يوم من أيام الكلية إلا وأقوم بأي عمل خاص بغزة والقضية الفلسطينية، من توزيع مطويات أو التحدث شفاهة حتى لا أنسى القضية.
الدعاء يوميًّا
"لا تمر سجدة أو صلاة إلا وأكون قد دعوت لهم". بتلك الكلمات بدأت دعاء محمود "39 عامًا" حديثها، مضيفة أنها لم تكن قبل الحرب منذ انتفاضة 2001م تتذكر الدعاء لأهل غزة أو يخطر ببالها أن تفكر فيهم، ولكن بعد مشاهدتها الأطفال هناك الذين يطلبون العون من أي شخص، والذين تبعثرت أعضاؤهم في أنحاء شتى فجأة، وبعد متابعة أخبارهم، أصبحت تدعو لهم في كل سجدة تسجدها، وعند كل إفطار عندما تصوم، مشيرةً إلى أنه على الرغم من مرور عام على الحرب فإنه لم تفتر همتها في الدعاء.
مقاطعة حتى الموت
سمية أحمد (39 عامًا) تقول: إنها كانت تسمع عن دعوات مقاطعة البضائع الصهيونية، ولكنها دائمًا ما كانت تردد في نفسها: "مقاطعة إيه اللي بكام جنيه هتفرق مع جيش بقوة الكيان الصهيوني وحجمه". ولكن بعد مشاهدة حرب غزة على شاشات التلفزيون وما حدث فيها من استخدام القنابل غير الشرعية والتي تشوه الأجساد بدعم علني من أمريكا، فكرت في ضرورة مقاطعة البضائع الأمريكية وحث كل من حولي على التشبث بالمقاطعة، وأصبحت تشتري لأمها الاحتياجات المنزلية ولا يكون فيها أي منتج من المنجات المُقاطَعة، وقالت: "الكام جنيه اللي هوفرهم على كام جنيه من حد تاني على حد ثالث ورابع أكيد هتفرق على المدى البعيد".
96 جنيهًا وربع!
أما على مستوى الأطفال فقد غيرت حرب غزة مسار حياتهم وتفكيرهم، ففي حمية وبراءة مطلقة علقت رنا عبد المعز (9 سنوات) قائلةً: "من يوم ما شفت مع ماما في التلفزيون شكل الأطفال هناك في غزة وصريخهم وعياطهم والجيش الصهيوني وشكله الوحش؛ ماما جابتلي حصالة مكتوب عليها "غزة في القلب" وباحط فيها كل يوم فلوس علشان تروح لهم هناك يشتروا بيها حاجات متخلهموش يعيطوا".
وتضيف قائلةً إنها منذ بدء الحرب إلى الآن قامت بتجميع 96 جنيهًا و25 قرشًا، وستعطيها لوالدتها عندما يكملوا 100 جنيه حتى يقوما بالذهاب بها إلى نقابة الأطباء للتبرع بها لفلسطين.