ليس من السهل أبدًا أن يترك إنسان الأماكن التي أحبها، والذكريات التي أصبحت جزءًا من تاريخه، والمشاعر التي نمت وكبرت مع الآباء والأبناء والزوجة، إلى بلد لا يعرفها ولا تعرفه، ولا يدري ماذا يصنع هناك، وماذا سيُصنع به، وكيف تسير الأمور.
وستصبح الصعوبة مركبة، عندما لا يكون الهدف هو البحث عن عمل أكثر دخلاً، ولا عيش أرغد وأهنأ، ولا أي متاع من متاع الدنيا.
إنها هجرة من أجل القضية والمبدأ والرسالة..
إنها هجرة في سبيل الله، وفقط في سبيل الله..
إنها عظمة الصحابة والمهاجرين رضوان الله عليهم، وعظمة الرسالة التي دفعتهم لأن يتخذوا أصعب قرار في حياتهم، وهو الهجرة من مكة إلى المدينة، من أجل تحقيق الهدف، مهما تكون الصعوبات، ومهما تكون التضحيات.
كان الأمر يحتاج إلى تضحية تفوق المعايير العادية في التضحية، تضحية تجعل صحابيًّا يترك زوجته وأهله، وآخر يترك عمله وتجارته، وكلهم يتركون ديارهم في رحلة شاقة وصعبة، ليبدءوا تحديًا جديدًا مع المشركين، ولكن من جبهة أبعد قليلاً.
مواقف من تضحية الصحابة
- صهيب الرومي ثالث من هاجر إلى المدينة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، ولقد كانت قريش بعد علمها بهجرة الرسول، بدأت تضع كمائن للمسلمين المهاجرين، ووقع صهيب في أيديهم، ولكنه بذكاء أخذ يناورهم؛ حتى استطاع أن يفلت منهم، ولكنهم يرسلون إليه فرسانهم للحاق به ومحاصرته.
لكن صهيب يقف أمامهم بشجاعة الفرسان ويهددهم كفارس مغوار قائلاً: يا معشر قريش.. لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً.. وايم الله.. لا تصلون إليَّ حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي، حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا إن شئتم..
وكسياسي بارع ومفاوض محنك، يرمي إليهم بطُعم يُسيل لهم لعابهم قائلاً في مكر: وإن شئتم.. دللتكم على مالي، وتتركوني وشأني.
ويسيل لعاب الفرسان كما يسيل لعاب الأطفال أمام قطعة الحلوى، ويلقون بكلمتهم الأخيرة لحفظ ماء الوجه قائلين في تشنج مغلف بالضعف: أتيتنا صعلوكًا فقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك..؟
وبسرعة.. يخبرهم صهيب بمكان المال، فهرعوا إليه وهو ينظر إليهم باحتقار، ثم صوب بصره إلى المدينة ليبدأ رحلته باسم الله.. حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد علَّم الإسلام صهيبًا كيف يكون تاجرًا ماهرًا.. يعرف ماذا يشتري ومتى يشتري، ويعرف ماذا يبيع ومتى يبيع.
ولقد اشترى صهيب الآخرة بالدنيا، فربح الآخرة، وما لبثت أن عادت إليه الدنيا بعد قليل.
وما أن وصل صهيب المدينة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسط أصحابه، حتى تهلل وجه الرسول وهو يبتسم، وقد رأى في عينيه علامات الرضا والحنان وهو يقول: "ربح البيع أبا يحيي، ربح البيع أبا يحيي".
ونزلتْ على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 207).
لقد ضحى صهيب بكل ماله راضيًا محتسبًا من أجل أن يبتسم له رسول الله عندما يلقاه في المدينة.
- أما علي بن أبي طالب الشاب الشجاع؛ فلقد كان على استعداد لأن يضحي بحياته، وأن يتلقى ضربات متلاحقة من سيوف المشركين، وهي تنزل على رأسه حاملة الغل والحقد وهيستيريا الخوف على المكانة والزعامة، وهو ينام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة هجرته، ولأنه كان صادق الإيمان والتضحية في سبيل الله، فلقد كانت الليلة التي تجمَّع فيها خارج حجرته أربعون من المجرمين؛ هي أهدأ ليلة نامها في حياته على الإطلاق، بعد أن خرج الرسول من بيته وهو يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9)﴾ (يس).
أما عائلة أبي سلمة، فهي صاحبة نموذج فريد في التضحية من أجل الهجرة في سبيل الله، فما يكاد يسمع أبو سلمة أمر الهجرة إلى المدينة، حتى يكون أول الملبين لها، فيأخذ زوجته وابنه على بعيره مهاجرًا، وفي الطريق.. ما يكاد يراه بنو المغيرة وهم أهل زوجته أم سلمة، حتى استوقفوه وقالوا له:
هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟
وإذا بهم يأخذون زوجته، ويتدخل بنو عبد الأسد أهل أبي سلمة؛ ليأخذوا ابنه عنوة، وظلوا يشدونه حتى خلعوا ذراعه.
ويقف أبو سلمة حائرًا بين زوجته التي أخذها أهلها؛ ليحبسوها عندهم وبين ابنه الذي اختطفه أهله.
إلا أن العقيدة القوية كانت لا تقبل المساومة أو التهديد، وكان الإيمان بالله والرسول والقضية والرسالة كافيًا؛ لأن يضحي أبو سلمة بأي شيء وكل شيء في سبيل الله، حتى وإن كانت زوجته وابنه.
وانطلق أبو سلمه للمدينة، وطال الفراق بينه وبين أهله عامًا كاملاً، حتى رقَّ لها قلب أهلها، فتركوها تهاجر إلى زوجها.
وهاجرت أم سلمة على بعير وحيدة، ليس معها أحدٌ إلا الله، وكفي به صاحبًا؛ ليقابلها عثمان بن طلحة، وكان ما زال كافرًا، فيصحبها بشهامة العرب إلى حيث تريد؛ لتلتقي وزوجها في المدينة، بعد صبر على الفراق دام عامًا كاملاً.
حقًّا.. لقد كانت هجرة إلى الله ورسوله.
التضحية شرط من شروط للنصر
لا يمكن أن ينتصر مبدأ وتحيا رسالة، وتعيش قضية دون تضحية من أصحابها، وبدونها لا يمكن لأصحاب الدعوات، ورغم كل ما لاقى الصحابة من مشقة وإيذاء وتعذيب في مكة، وحصار اقتصادي واجتماعي إجرامي استمر لمدة ثلاث سنوات؛ حتى تظن أنه لا طاقة لأحد بالتضحية أكثر من ذلك، إلا أن الأمر كان لا يزال يتطلب مزيدًا من التضحية بترك الأهل والمال والديار.
وعلى الفور يوافق الصحابة على المزيد من التضحية، ويسارعون في الهجرة إلى الله وإلى الرسول؛ ليبلغوا أعلى درجات الصدق مع الله ومع أنفسهم، ويُشهدوا الله على أنهم أهل للثقة والنصر، وأنهم يستحقون أن يحملوا هذا الدين على أكتافهم.
إن التضحية تعني أن تتنازل عن شيء تحبه، والتنازل عنه أو تركه يعني إلحاق الضرر بك، سواء كان ضررًا ماديًّا أو معنويًا.
وكما كان الحال أيام الهجرة، فلن يقوى الدين اليوم وتعلو كلمته إلا إذا ضحى من حملوا الدعوة على أكتافهم تضحية بالمال والنفس والوقت، والتضحية لا تكون إلا إذا صنف الدعاة دعوتهم لتصبح رقمًا واحدًا لا اثنين، فتتراجع حسابات الدنيا إلى الوراء، ويتعلق القلب بالله، وتشتاق النفس إلى نعيم الآخرة، عندها يعلو الإيمان، ويرفرف بأجنحته في السماء، وتصبح التضحية سلوكًا منهجيًّا في حياة الداعية، وقرارًا من السهل اتخاذه في أي لحظة، وتصبح الدعوة ساعتها في أوج قوتها؛ لأن أصحابها لا يقبلون المساومة ولا يرضخون للتهديد؛ لأنهم ببساطة باعوا أنفسهم لله منذ زمن، وأبقوا الآخرة على الدنيا، وبالتأكيد.. لن ينتصر عليهم أناس باعوا أنفسهم للشيطان، وأبقوا دنياهم على آخرتهم.
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾ (التوبة).