- د. محمد يوسف: رغم أجواء الحرب كنت أشعر بطمأنينة وهدوء نفسي

- د. محمد غنيم: إصابات "الدايم" و"الارتجاجية" و"الفسفور" فاقت الوصف

- د. كريم محمد: فلسطيني قال لولده: "قبِّل يد عمك دا من مصر أم الدنيا"

- د. حسام المصراتي: رأينا الموت في كل لحظة وغزة أعادت إلينا الأمل

 

تحقيق- محمد يوسف:

بدموع منهمرة ومشاعر متأججة ونبرات غاضبة.. وبعد عام من الهولوكوست الصهيوني ضد أطفال غزة ونسائها وشيوخها رجع أطباء الإغاثة المصريون بذكريات أليمة عن الدماء المتناثرة والأشلاء المقطعة والأرامل الثكالى والأطفال اليتامى، واستنكار للصمت العربي والتعتيم العربي والعالمي الذي وصل إلى حد التآمر والمتاجرة بالقضية الفلسطينية.

 

ومع استمرار قدوم المصابين إلى المستشفيات المصرية عبر معبر رفح الحدودي تتكشف معها حالات إصابة غير طبيعية من سرطانات وبتر والتهابات كبدية وأمراض صدرية ورئوية تشير إلى أن ما جرى في غزة ليس آلة قتل فقط بل كان آلة تدمير للشعب الفلسطيني الجريح، فالذي نجا من القتل لم يسلم من عدوان بيولوجي وكيميائي خطير ما زالت معالمه تتكشف للعالم المتناسي للجريمة الشنعاء.

 

عدنا للأطباء الذين تحملوا الصعاب واخترقوا الحصار ومارسوا مهامّ واجبهم الإنساني على خط النار وتحت قصف بشع لا يفرق بين طفل وشيخ، وامرأة ورجل، عدنا نستمع لرواياتهم عن أحداث صنعت علامة فارقة في تاريخ الإنسانية، وشاهدة على جريمة سُجِّلت بالصوت والصورة، عدنا نستمع منهم تفاصيل أيام عصيبة لوَّنها الدم، كان الثبات والشهادة وكرامة الشعب هي عنوانها الرئيس.. فإلى روايات الأطباء الأبطال.

 

بداية الرحلة

الدكتور محمد يوسف رئيس قسم حديثي الولادة بمستشفى منية النصر بالدقهلية وعضو لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة أطباء مصر يفتح ملف الذكريات قائلاً: تبدأ القصة في الساعة 12 ظهر يوم السبت الموافق 27 من ديسمبر الماضي من خلال اتصال هاتفي من أحد الأصدقاء الذين أبلغوني أن الكيان الصهيوني قام بعدوان شامل علي قطاع غزة راح ضحيته خلال ساعتين فقط أكثر من 60 شهيدًا، فلم أتمالك نفسي من مشاهد القتل التي رأيتها، وكاد عقلي أن يذهب، ثم علمت من خلال لجنة الإغاثة أن نقابة أطباء مصر واتحاد الأطباء العرب سيشكلان وفدًا إغاثيًّا من الأطباء لنجدة الجرحى، فقمت بتسجيل اسمي ضمن وفد كبير تقدمه الدكتور الكبير محمد غنيم أستاذ الكلى.

 

ويستكمل حديثه.. ولم نصدق أنفسنا ونحن أمام معبر رفح، ويدهشك المشهد، وتصاب بالصدمة حين تقف على المعبر من الجانب المصري، وتشاهد طائرات الـ(إف 16) الصهيونية تصب حممها من القنابل الارتجاجية على الشريط الحدودي وإخواننا محاصرون بداخله، انتظرنا طويلاً أمام المعبر (8 ساعات) حتى سمحت لنا السلطات المصرية بالدخول عبرَهُ ضمن الوفد الكبير الذي جهزه اتحاد الأطباء العرب لمداواة جرحى العدوان على غزة يوم الأربعاء الموافق 14 من يناير 2009م، بشرط التوقيع على ورقة تخلي مسئولية الحكومة المصرية عن أي أذى يقع علينا في هذه الرحلة المحفوفة بالأخطار.

 

انتابني شعور وأنا في طريقي إلى اجتياز الخط الحدودي أن ثمة أمرًا قد يحدث، فسارعت بترديد الشهادة حيث كانت رفح الفلسطينية تحت قصف بشع، ولكن ما هي إلا لحظات وأحسست بطمأنينة قلبية وهدوء وسكينة وراحة بال غير مسبوقة، لم أشعر بها قط في حياتي.

 

طمأنينة

 

الاحتلال الصهيوني يقوم بجرائم حرب ضد المدنيين

ويلتقط الدكتور محمد غنيم جراح الكلى العالمي مؤسس مركز غنيم لأمراض الكلى في المنصورة أطراف الحديث قائلاً: انتابنى إحساس بالرهبة الممزوجة بالاحترام والتقدير للمكان والناس، وبالرغم من أن القذف كان متواصلاً وقريبًا جدًّا، فإن الوفد الذي استقبلنا كان هادئًا ومبتسمًا، وتم توزيعنا على المستشفيات، وكنت أنا ومجموعة من الأطباء في مستشفى الشفاء، المستشفى الرئيس بالقطاع، وكان الدمار في كل مكان، والنيران مشتعلة لا تنطفئ، ودوي الانفجارات لا يهدأ وأصوات عربات الإسعاف لا تصمت، الكل في حركة ونشاط غير عاديين، فجرحى يدخلون وآخرون يستشهدون، الكل حاملون أو محمولون.

 

وعرفنا من أهل غزة الكرام أنواع الضرب بالأسلحة، بحيث أوضحوا لنا أن صوت ذلك الانفجار- مثلاً- ناجم عن صاروخ من طائرة هليوكبتر أو (إف- 16) أو بوارجة حربية أو دبابة أو مدفع، ومن أكثر تلك الأسلحة وجودًا طائرتان دون طيار، ذواتا حمولة خفيفة، الأولى تصور المعلومات وتنقلها إلى القواعد الصهيونية، ولها صوت معروف، ويسمونها "الزنانة"، والثانية مخصصة للقصف حسب معلومات القاعدة وأوامرها.

 

أما عن الوضع داخل المستشفيات فكان مؤلمًا للغاية، ورغم توفر الأدوية والمستلزمات الطبية، فإن المصابين والوفيات من كل الأعمار كانوا يتوافدون بشكل متواصل، وجميع الإصابات كانت غير نمطية، فلم نر إصابة واحدة بالرصاص؛ لأن الكيان الصهيوني كان يستخدم أسلحة جديدة ومتطورة للغاية، ويمكن حصر الإصابات فى 3 أنواع، الأول حروق شديدة نتيجة استخدام الفوسفور الأبيض، وهي إصابات قاسية، وإذا لم يتم التعامل معها بسرعة تسبب تفحمًا للجسد؛ لأنها تفقده السوائل، ولا تنطفئ ويساعدها الهواء على الاشتعال، كما أن الإصابة به عن قرب تسبب التفحم والموت؛ لأن الحرارة العالية الناتجة عنه تؤدي إلى تبخر المياه من الجسم، وتحوله إلى مومياء، أما إن كانت عن بعد فإنها تسبب حروقًا شديدة جدًّا، فضلاً عن أن شظاياه تشتعل من جديد.

 

والنوع الثاني من الإصابات: هو الذي كان ينتج عن استخدام القنابل التي تحدث تفريغًا للهواء، وهذه ليس لها حل، وهي قنابل ثقيلة تحملها طائرات «إف 16» تلقيها دفعة واحدة عن قرب، فتدك المكان بكل ما فيه، وإذا أصيب بها أحد فإنه يَحدثُ له تهتكٌ في الرئة، وتمزق في الأنسجة الداخلية ثم يتوفى، وبهذه الطريقة استشهد القيادي بحماس سعيد صيام.

 

وأما النوع الثالث فهو الناتج عن استخدام قنابل جديدة تسمى دايم "Dime" تمت تجربتها أول مرة فى حرب جنوب لبنان عام 2006م، وهي تعرف بـ"القنابل الذرية الطفلة أو المتناهية الصغر"، وتستخدم ضد الأفراد، وهي خليط من اليورانيوم وبعض المعادن الثقيلةن تؤدي إلى بتر الأطراف بعد حرقها، والجزء الباقي لا ينزف؛ لأنها تؤدى إلى تجلط الدم، وهذا النوع من الإصابات كان الأكثر انتشارًا فى المستشفى، وكانت أول خطوة للإنقاذ أن يدهن جسم المصاب بفازلين لمنع الهواء عنه، وبعد ذلك يتم غسله بكبريتات النحاس، إلا أن هناك حالات كثيرة كانت تموت في الطريق وتتفحم لعدم قدرة المسعفين على التعامل معها.

 

إصابات عجيبة

ملف الذكريات ينتقل إلى الدكتور أحمد عبد العزيز أستاذ العظام المعروف الذي يروي أن إصابات الجرحى الفلسطينيين من جراء العدوان الصهيوني في منتهى "العجب"؛ فحالات البتر والتشوه كانت ذائعة الصيت في هذا العدوان، وأن الكيان الصهيوني استخدم في عدوانه موادّ كيميائية خطيرة جدًّا، في ظاهرها صلبة، ولكنها عند دخولها جسم الإنسان تذوب وتتحول إلى مادة سامة تتسبب في سرطنة جسم الجريح، بالإضافة إلى نزيف حاد، وتناقص في الصفائح الدموية بشكل كبير جدًّا.

 

ويقول: إنه علم من زملائه الذين استقر بهم العمل في مستشفيات بشمال غزة أن الاحتلال الصهيوني كان يتعمد قتل الجرحى بدم بارد؛ حيث كان يترصد سيارات الإسعاف إما بإطلاق النار والقذائف الصاروخية، وإما بتعطيلها عن أداء عملها المنوط بها من نقل الجرحى والشهداء، مستشهدًا بإحدى سيارات الإسعاف التي كانت تنقل أحد الجرحى فقام جنود الاحتلال بمنعها من مواصلة طريقها أكثر من 45 دقيقة والجريح ينزف، وقامت بإطلاق الرصاص في الهواء لإرهاب طاقم الإسعاف، ثم سمحت للسيارة بالعبور ولكن بشرط أن تسير بسرعة 10 كيلو مترات في الساعة، وهو الأمر الذي أودى بحياة الجريح واستشهاده.

 

احتفالات الشهيد

ويضيف الدكتور محمد رفاعي أستاذ الأنف والأذن- ودموعه تنساب على وجنتيه- قائلاً: إن ما حدث في قطاع غزة جريمة بشعة ارتكبها الكيان الصهيوني بحق مدنيين عزل، ولم أكد أصدق مشاهد الأشلاء المتناثرة في الشوارع تنهشها الكلاب، ولا تستطيع الطواقم الطبية مواصلة عملها في ظل قصف صهيوني بشع، نحن ذهبنا لنثبِّت ذلك الشعب العملاق فثبَّتونا، وهو ما رأيناه عندما وصلنا إلى مستشفى الشفاء حيث هذا الشابُّ الذي تهتكت أمعاؤه، وصار مخه خارج جمجمته، وبترت قدمه، فاستشهد على الفور، ذهبنا لنخبر أمه.. فوجدناها تزغرد وتصيح وتكبر، في مشهد كنا نراه دومًا على شاشات التلفاز، لم نعرف قيمته إلا عندما رأيناه بأنفسنا.

 

الشهيد صيام

 

آثار العدوان الصهيوني الغاشم على قطاع غزة

ويروي الدكتور كريم محمد (طبيب مخ وأعصاب) أنه في إحدى الغارات الصهيونية على أحد أحياء قطاع غزة نقلت سيارات الإسعاف أسرة كاملة أصيبت في القصف، وأثناء عملنا وجدنا طبيبًا فلسطينيًّا ضمن الطاقم الطبي في غرف العناية الفائقة "المركزة" يصرخ قائلا: "أخي" حيث وجد أخاه وسط الجرحى شهيدًا، وفشلت جميع المحاولات في إنقاذه.

 

ومن أكثر المواقف التي أصابتني بالذهول موقف جنازة الشهيد سعيد صيام وزير الدخلية الفلسطيني؛ حيث صلينا الفجر في إحد المساجد التي امتلأت عن آخرها بالمصلين، ثم جلسنا نسمع درسًا من أحد المقاومين، ثم صلينا الضحى، وأشار المقاوم إلى المصلين أن هناك أطباء مصريين بالمسجد، فقام الناس بالتوجه إلينا واحتضنونا وقبلونا، وقال رجل لولده الصغير: "قبّل يا ولد يد عمك، دا من مصر أم الدنيا". ثم خرجنا إلى الجنازة، فكانت جنازة مهيبة، زاد المشيعون فيها على 5 الآف شخص رغم التحذيرات الصهيونية من قصف أي تجمع بشري، والحشد لا يوصف، ولأول مرة أسمع "زغاريد" وأناشيد في جنازة.

 

انقلاب

ويضيف الدكتور حسام الدين المصراتي أستاذ الأنف والأذن أن رحلته إلى غزة غيرته كثيرًا عن حياته السابقة، فالثبات والقوة كانا عنوانَ الشعب الفلسطيني المقاوم في غزة، الذي كان متماسكًا ومتعاونًا، متجنبًا كل خلافاته من أجل صد العدوان، فلا تستطيع أن تفرق بين حماس والجهاد وألوية الناصر؛ فالكل متكاتف من أجل صد العدوان، والأكثر من ذلك مديرو مستشفيات القطاع؛ حيث إنهم تقريبًا لم يكونوا ينامونن فهم إما في غرف العمليات وإما في قسم الاستقبال والطوارئ يحملون أكياس الدم ويساعدون الطواقم الطبية، وإما بين غرف المستشفى بين الجرحى يعالجون ويداوون، أو بين العاملين يشاهدون النشرات الإخبارية أو يتناولون طعامهم معهم.

 

ويقول: حاولت إسعاف أمٍّ وطفليها جاءوا إلى مستشفى الشفاء، وقد هدم الصهاينة بيتهم، وأصابوهم بإصابات شديدة، فاستشهدت الأم أمام عيني الطفلين، فنظر الطفل لأمه وقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، واحتضنتُ البنت الصغيرة فقالت لي: الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا.

 

وفي موقف آخر شاهدت أمًّا تبكي استشهاد طفلتها التي لم تتعدَّ ثلاث سنوات، فإذا بابنها الصغير يطالبها بالكف عن البكاء قائلاً: "إحنا مش بنبكي، إحنا سنأخذ ثأرنا".

 

صور مروعة

الدكتور محمد عثمان أستاذ التخدير بكلية طب قصر العيني يضيف قائلاً: شاهدنا في غزة صورًا مروعة، فالصهاينة استخدموا أسلحة تدمر أنسجة خلايا الإنسان، وغازات مهيجة وسامة تصيب الإنسان بضيق في التنفس وحالة هياج وهستريا، ولا أستطيع وصف حالة بأنها أصعب ما قابلته، فكل الحالات صعبة وخطيرة، يأتينا بعض الضحايا وقد انفصل نصفه السفلي بشكل كامل عن العلوي، ومطلوب منا أن نعالج نصفه المتبقي من الجروح والشظايا التي لم تترك جزءًا سليمًا فيما تبقى من الجسد، وقد يضطر 7 جراحين إلى التعامل مع حالة واحدة فقط في لحظة واحدة، محاولين أن يعود القلب إلى النبض من جديد".

 

ويروي: أنا شخصيًّا قمت بعمل عملية بتر كلا الطرفين السفليين لمريض، وفي نهاية العملية فوجئنا بوجود نزيف رغوي شديد في الرئة، وهذا النزيف صدَمَنا، ولم نكن نتوقعه، ولا نملك له أي تفسير، أو الجزم بأنه ناتج عن الإصابات الموجودة في جسم المريض، وقمنا بعملية شق صدر للمريض لوقف هذا النزيف بواسطة طبيب جراح صدر، ففوجئنا بأن الرئة قد امتلأت بالدماء بلا أي سبب ظاهر أو إصابة ظاهرة، وإن كان تفسيرنا المبدئي أن المريض ربما استنشق غازات سامة أدت إلى تدمير الأغشية والخلايا المبطنة للرئة والشعب الهوائية، وتدمير الأوعية الدموية، مما أدى إلى استشهاد الجريح في الحال.

 

انتهت الذكريات في هذا الموضوع.. ولكنها لم تنته من حياة الفلسطينيين الذين لا تزال بطولاتهم مستمرة، بطولة شعب لقي من أجل كرامته وعزته وفكرته آلة قتل همجية، وخيانة أشقائه، وشماتة أعدائه، وصمت أصدقائه، فلم يبق لهم في النهاية إلا الله المنتقم الجبار.