لست دائمًا أجد نفسي مدفوعًا للكتابة ولكن الآن أجد نفسي كذلك فأشعر أنني إن لم أكتب سوف أكتم شيئًا يستحق أن يذكر، ولست هنا مؤرخًا للحاج جلال عبد العزيز طه فهناك من إخواني من هم أحق مني بذلك؛ لقربهم من الحاج جلال فترات طويلة أما أنا فلم أقترب من الحاج جلال إلا في السنوات الأربع الأخيرة فأزعم أني كنت منه بمنزلة الابن من أبيه.

 

وقد عرفت الحاج جلال المرهف الحس إلى أبعد ما يمكن أن تتخيل- فالحاج جلال الذي كان نزيلاً في معظم سجون مصر (طنطا- الطور- الحربي- الواحات- المحاريق- قنا- القاهرة الجديدة.... وغيرها) لأكثر من ثمانية عشر عامًا ممتدة من أيام الملك فاروق إلى العهد المبارك في 2006م والحاج الذي عُذب على أيدي أباطرة التعذيب في سجون ناصر وذاق العذاب فيها ألونًا وشهد مذبحة "ليمان طرة" وعذَّبه "فؤاد علام" بيديه- كما ذُكر لي- والحاج الذي أكل البرسيم الحجازي هو وإخوانه لفترات طويلة في سجن الواحات من قلة طعامه- المهندس الذي عمل طبيبًا لإخوانه في السجون حتى أن كثيرًا منهم يعرفونه باسم الدكتور جلال.

 

الحاج جلال الذي اعتقل عام 2006م وهو على مشارف الثمانين كان طيلة حياته شديد الإحساس بالقبح كما كان شديد الإحساس بالجمال؛ كان يعييه ويمرضه أي أذى يلحق بإخوانه فضلاً على أن يحزنه.

 

ويا ويل من كان له إحساس عند نظام فاجر، فاسد، فاقد للشرعية، فاقد لكل معاني العدل والخير والحرية.

 

فقد تأذى الحاج جلال أشد الأذى في الأسبوعين الماضيين بسبب اعتقال أبنائه الأساتذة الكبار (أ. رجب البنا، أ. فرحات الديب، د. صلاح الفقي، أ. محسن غازي).

 

تأثَّر بشكل أثر على مأكله ومشربه وبالتالي صحته التي تدهورت بشكل بالغ في الأسبوع الأخير فانخفض ضغطه إلى 60/ 40 وكان قد اقترب من العالم الآخر ولكن في العمر بقية فتحسنت صحته على العلاج مرة أخرى، واسترد جزءًا من عافيته وكنت كلما زرته في الأسبوع الأخير أجده يدعو- على غير عادته- على الظالمين دعاءً يشيب لهوله الولدان بصوت عالٍ تشعر أنه يصل مباشرة إلى السماوات العلى يدعو بقرب الفرج يدعو بالنصر لإخوانه وكان دعاء الحاج جلال يمتد لأكثر من عشر دقائق متواصلة، ولم نعهد عليه ذلك من قبل فقد كان مستاءً استياءً كبيرًا مما حصل لإخوانه من اعتقالات ومن مصادرة أموال وإيذاء وكان يرقب أخبارهم مع كل زائر.

 

أما في آخر يوم في حياة الحاج فذلك بيت القصيد فقد صليت العشاء وتوجهت وحدي لزيارة الحاج جلال في حوالي الساعة السابعة والربع وبخجل سألت إن كان عمي الحاج مستيقظًا أم لا فلم تشأ الأم الفاضلة "أم أسماء" زوج الحاج جلال أن تردني وقد كانت تعلم أن الحاج يحب رؤية إخوانه في كل وقت فأدخلتني إليه فسلمت عليه وقبلت يده وهو نائم فما أن رآني إلا وجلس على فراشه في حالة صحية جيدة كأفضل ما يكون في خلال الأسبوع الأخير في حياته وبدأ يتكلم معي بحضور ذهني عالٍ جدًّا كأفضل ما يكون حتى أن الأم الفاضلة أم أسماء سعدت واندهشت وقالت للحاج جلال: هل هذا الكلام والانتعاش لا يكون إلا مع أحبابك فقال لها: هذه أمور ليس لأحد عليها سلطان.

 

وتحدث معي الحاج جلال قرابة الساعة ونصف الساعة في أمور شتى، وكان في الغالب هو البادئ في الأسئلة يسألني عن الإخوان وأحوالهم ومن شرد منهم ويتمنى لهم عودة قريبة ويبدي إعجابه بمؤتمر حماس وبكلمة الأستاذ إسماعيل هنية، ويفخر أن في الإخوان مثل هذه النماذج ويعده من "م. يوسف ندا- والحاج فرج النجار.. وغيرهما" نماذج فريدة، وقلنا إن الدعوة التي أخرجت لنا مثل هذه النماذج لقادرة على أن تخرج أمثالها، وفي طيات كلامه على الظالمين وظلمهم دعا الله بالفرج القريب وبشرني بقرب هذا الفرج وهذا النصر؛ حيث أكَّد أن أكثر ساعات اليوم ظلمة هي التي تسبق بزوغ الفجر.

 

وسألني عن أحوالي وأحوال أبنائي ولما أخبرته أنني بخير والحمد لله دعا لي كثيرًا- بدعاء أتمناه لي ولإخواني- بالأجر والستر والحفظ من الله تعالى "دعاء لا يعدله عندي شيء".

 

ولما أخبرته أن أحد إخوانه "الأخ سعد بدير" مريض- مثل معظم أهالي كفر الشيخ- بفيروس "سي" وتم أخذ عينه كبدية له هذا اليوم- طلب مني أن أتصل به وكلمه ودعا له بالشفاء واطمئن على صحته، وتكلمنا في أمور عامة وخاصة كثيرة وكان كعهدي به ثاقب الرؤية رباني يُرجع كل شيء إلى لطف الله وفضله ونعمته وكان أثناء حديثه معي يتوجه بنظره إلى السماء ويقول: راضي .... راضي كل الرضا يا رب.

 

واقتربت الساعة من التاسعة مساءً في ذلك اليوم الأربعاء 29 ذي الحجة فاستأذنت حتى لا أطيل على الحاج فقلت له أتركك لتشاهد حبيبك " د. محمود عزت" وقد كان ذلك موعد برنامجه مع أحمد منصور في (الجزيرة).

 

وحقًّا كان الدكتور محمود عزت حبيبًا لنفس الحاج جلال خصوصًا بعد الفترة التي أمضياها سويًّا في المعتقل عام 2006م فقد كان بينهما تقارب نفسي.

 

وودَّعت الحاج جلال وقبَّلت على يديه كعادتي وانصرفت أهيم سعادة وكيف لا وقد اطمأننت على الحاج جلال ودعا لي دعاءً عظيمًا- اسأل الله أن يجعل لي ولإخواني فيه نصيبًا وافرًا- وذهبت لبعض شأني وبعد قرابة ساعة ونصف الساعة اتصل بي أحد إخواني يخبرني أن الحاج جلال في حالة صحية حرجة جدًّا بل إن البعض أوشك أن يعلن نبأ وفاته تركت ما كنت فيه وهرعت وإخواني ملهوفين إلى منزل الحاج جلال وقابلتنا الأم الفاضلة أم أسماء مندهشة وقالت: ألم يكن يتكلم معك لقد أخذوه إلى المستشفى.

 

أسرعنا إلى هناك فوجدنا كوكبة من إخوان كفر الشيخ د. فؤاد عبد المجيد، د. حسن أبو شعيشع، د. محمد عبد العظيم وغيرهم كثير قد تجمع بين داعٍ لله ومستغفر ومطبب ومستدعٍ للأطباء المختصين وبين العناية المركزة والتحاليل والأشعة قضينا زهاء الساعتين ثم كان القرار أن ينتقل إلى مستشفى دار الفؤاد بـ6 أكتوبر فقد يحتاج إلى عملية قلب مفتوح وقبل الثانية من صباح يوم الخميس 30 ذي الحجة صحبه زوج ابنته الدكتور محمود موافي وابن أخته م. محمد نواره في سيارة الإسعاف إلى هناك.

 

وظل باقي الأخوة في ترقب وقلق ودعاء واستغفار ثم كانت النهاية في مستشفى دار الفؤاد في تمام الساعة السادسة فجرًا، وأسلم روحه إلى بارئها يشكو إلى الله ظلم الظالمين وبغي الباغين.

 

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (لقمان: من الآية 34)، ووصلنا الخبر فأحسست إحساسًا باليتم رغم أعوامي التي اقتربت من الأربعين وأبنائي الستة نعم وأحسب أن هذا كان شعور جميع إخوان محافظة كفر الشيخ، فقد رحل الأستاذ المربي الوالد القدوة ولم يعد يسعنا إلا أن نمطره بالدعوات المخلصة وأن يتقبله الله في الصالحين وأن يحشره مع محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه ويلحقه بإخوانه حسن البنا والهضيبي والتلمساني ومشهور والحاج علي أبو شعيشع والحاج عبد المنعم مكاوي وغيرهم مما سبقوه على الدرب.

 

وندعو لأنفسنا أن يلحقنا الله بهم غير مبدلين ولا مفرطين على طريق الحق- إن شاء الله- سائرين لا يضرنا كيد الكائدين ولا حقد الحاقدين ولا تآمر الأعداء والجبناء اللهم آمين.