قديمًا قالوا إن الإعلام يصنع دولة، بل قالوا إن الإعلام دولة، ومع تغير وسائل الإعلام وتقنياتها تغير مفهوم الإعلام إلى الرسالة الإعلامية، فقالوا: الإعلام رسالة.

 

وأصبحت الرسالة الإعلامية وفحواها وصياغتها وقوة تأثيرها هي محل البحث والتنقيب للمهتمين بالشأن الإعلامي, ومع التطور الرهيب في عالم الميديا وعالم الإنترنت، وعالم البرمجيات الحديثة، والتي أتاحت لكل فرد في أي مكان على وجه الأرض يستطيع وبأقل الأدوات والإمكانيات أن يخاطب العالم بأسره بالصوت والصورة، وأن يصنع من جهاز الكمبيوتر أمامه أستوديو للبث التليفزيوني المباشر، ومعملاً للمونتاج وشركة متكاملة للإنتاج الإعلامي والسينمائي، وإذاعة راديو يخاطب بها العالم، كل ذلك بدون أدنى تكاليف تُذكر إلا المعرفة بكيفية تشغيل البرامج- فأصبحت السرعة في إرسال الرسالة الإعلامية والسبق في الوصول إلى المتلقي والجمهور بالطرق المختلفة هو المسيطر والمتحكم في توجيه الرأي العام.

 

نماذج عبر التاريخ لوضوح الرسالة

وصاحب الفكرة التي يريد إيصالها للناس؛ لا بد أن يكون صاحب رسالة واضحة تمام الوضوح لديه تشغله ليل نهار، ينام ويستيقظ بها وهي تملأ عليه كيانه كله، فتجد في كل كلمة من كلماته بصمة الرسالة التي يريد إيصالها للناس واضحة، وفي كل عمل يعمله، بل وفي كل المناشط يضع رسالته وما يريد تتمة لكل عمل، بل أساس له، والأثر الذي يبقى بعد انتهاء العمل، انظروا إلى قصة أصحاب الأخدود وما كان يشغل بال الغلام، لا ينشغل إلا برسالته (التوحيد) في مجتمعٍ تربَّى على عبودية الملوك، فبينما ينشغل الملك وحاشيته وزبانيته بموت الغلام والتخلص منه، وينشغل من آمن من الناس بحياتهم وإيمانهم في مواجهة جبروت الملك.. نجد الغلام ينشغل برسالته وكيفية توصيلها نقية واضحة للناس (أيها الملك إذا أردت أن تقتلني "وهذا ما يريده الملك" فاجمع الناس في صعيد واحد وقل على مسمع من الناس جميعًا باسم الله رب الغلام "وهذا ما يريده الغلام وتلك هي رسالته في الحياة فإن أداها فلا بأس بأن يموت بعد ذلك" واقذف السهم...)، فغلام أصحاب الأخدود كان صاحب رسالة واضحة محددة سعى إليها وحققها بنجاح، قد تكون له أهداف مثل الحرية ومنع القهر والظلم وتحسين السلوكيات العامة وتقويم الأفراد لكن ما هو المراد من وراء تحقيق هذه الأهداف؟ هذه هي الرسالة.

 

وكان الحبيب صلى الله عليه وسلم يحمل رسالة واضحة تمام الوضوح يرسلها في الوقت المناسب ويسقطها على الحدث المناسب لتترسخ الرسالة لدى المتلقي صافيةً نقيةً راسخة، فرسالة الاطمئنان والاستقرار هي الرسالة التي سعى إلى تحقيقها في المدينة فإذا سعى أحد لشق الصف وإثارة النعرات الجاهلية والدعوة إلى التعصب للقبيلة كان هذا إنذار خطر عند صاحب الرسالة الواضحة للاطمئنان والاستقرار فيهب محذرًا "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم"، وإذا غابت الرسالة عن الاتباع يومًا وانشغلوا بالوسيلة واختلفوا حولها يذكرهم كيوم حنين عند توزيع الغنائم عندما ثار أهل النصرة من المهاجرين والأنصار وغضبوا, فيذكرهم "ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ ألم أجدكم عالة فقراء فأغناكم الله بي؟ ألم أجدكم متفرقين فوحَّدكم الله بي...." إلى أن قال: "أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالبعير والدينار وترجعون أنتم برسول الله..." لقد كانت هذه الرسالة واضحة في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم؛ كبيرهم، وصغيرهم، عالمهم، والعامة منهم حاضرة في نفوسهم في كل وقت وفي أي لحظة، فهذا ربعيٌ بن عامر الذي لا يذكر له التاريخ موقفًا غير هذا الموقف حين يقف أمام ملك العجم يجيبه عن سؤاله: لماذا أتيتم إلى هنا؟ (إلى ملكي وبلادي) أو من أتى بكم إلى هنا؟ فيجيبه ربعيٌ صاحب الرسالة الواضحة التي تملأ عليه نفسه: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء- أي من أراد من الناس ذلك لنفسه-، (انظروا إلى تمام الوضوح للرسالة ومعالمها)، من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام...." انتهى كلام ربعي بن عامر، لكن لم ينته تأثيره بعد فما زال صدى هذه الرسالة يسري في النفوس جيلاً بعد جيل، إنه النموذج الأمثل للرسالة الواضحة، إن صاحب الرسالة لا تشغله الأحداث ولا التداعيات والحوادث عن رسالته ولا تؤثر فيها، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب وهو في أوج انتصاره على الروم، وفتح بلاد الشام وتسلم مفاتيح بيت المقدس، لا يلهيه ذلك عن رسالته الواضحة فيقول: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، وهو الذي يخرج ليودع الجيش إلى ساحة القتال ويذكره برسالته حتى لا تغيب عن أذهان القادة والجنود تحت وطأة القتال: "إنكم لا تنتصرون على عدوكم بعدة ولا عتاد ولكن تنتصرون على عدوكم بطاعتكم لله ومعصية العدو له، فإن تساويتم مع العدو في المعصية كانت الغلبة له بالعدة والعتاد"، نعم هي الرسالة التي أرساها الحبيب صلى في نفوس الاتباع، وما من صحابي إلا وله مواقف عديدة تدلل على وضوح الرسالة وسموها في نفوسهم.

 

إننا بحاجةٍ إلى إعادة النظر فيما نريد من وراء تحقيق الأهداف (الرسالة)، بحاجة إلى تحديد رسالة لكل مرحلة، ورسالة لكل لجنة تناسب جمهور المتلقين، رسالة لكل مسئول في حدود مسئوليته, ماذا يريد؟ بمعنى الطالب في الثانوي من أهدافه دخول إحدى كليات القمة فإذا دخلها حقق الهدف، ولكن ماذا يعطيه له هذا المؤهل وهذه الكلية (وضع اجتماعي؟ أو مادي؟ أو سعادة نفسية؟ أو استقرار عائلي؟..) تلك هي الرسالة، الرسالة هي ما وراء الهدف، ما تريده وما ستحصل عليه من تحقق الهدف.

 

من هنا نتساءل: هل نحمل رسالة واضحة نسعى لتوصيلها من جرَّاء تحقيق كل هدف؟

 

الرسالة عند قيادات الإخوان

حين تطالع خطة الجماعة تجد أنها وضعت قبل المحاور والأهداف وضعت (الإستراتيجيات العامة للمرحلة المقبلة، ووضعت الإستراتيجيات الخاصة بكل قسم في هذه المرحلة، هذه الإستراتيجيات هي السياسات الحاكمة والمحددات الخارجية للخطة والمراد من تحقيق الخطة في هذه المرحلة، وهذه هي الرسالة التي نتحدث عنها، ولذلك هذه الإستراتيجيات من الأهمية بمكان للخطة تجعل الخطة والأهداف لا قيمة لها بدونها، فمن أدرك هذه الإستراتيجيات واستوعبها وأجهد نفسه في تثبيتها لدى إخوانه واتباعه وبنى خطته وصاغ وسائله بناءً عليها، كان النجاح حليفه، ومن تركها ولم يلتفت إليها واستغرق في ملء الجداول وبناء هيكل الخطة ومفرداتها، كانت حبرًا على ورق وجهدًا ضائعًا لا نتيجة من ورائه.

 

إن الإستراتيجيات هي الرؤية التي وضعت في سياقها وعلى أساسها الأهداف، وقد بذل فيها جهدًا رائعًا، حتى وصلت هذه الخطط بمحدداتها وبرؤية واضحة لتحقيق الأهداف وأداء الرسالة، لكن هذا الجهد يحتاج من الجهات المنفذة إلى حسن إدراك واستيعاب للرؤية المصاحبة للخطة والإستراتيجيات الحاكمة، يحفظها الجميع ويتناقشون فيها كثيرًا ولا تصاغ الوسائل إلا بعد التأكد من تمام وصولها إلى الجميع والاقتناع بها تمام الاقتناع، ثم يشارك الجميع كل حسب مكانته ومسئوليته وقدراته في صياغة الوسائل للخطة، ومن ثَمَّ التبني للتنفيذ بعد ذلك، وهو ما يدفع الجميع إلى التفاني في أداء المهام وأداء الرسالة، ولن تسمع يومها نغمات نشازًا ولا تعلل للاعتذار ولا شكوى من ضعف التفاعل والحضور.

 

لقد قال لي أحد الإخوة يومًا: من يوم ما عرفت الإخوان حضرت أكثر من 100 كتيبة، فما الجديد؟ وقال آخر: يا عم!!! شبعنا كتايب ورحلات!!!! سيب الحاجات دي للشباب اللي لسه طالعين، وهذا نموذج لغياب الرسالة وعدم وضوح الرؤية؛ لذلك فلا جدوى من أعمالٍ غابت معها الرؤية وافتقدت الرسالة.

 

ما الرسالة التي يحملها المنتقدون للجماعة عبر وسائل الإعلام؟ ولمن يوجهون هذه الرسالة؟ وما آثار هذه الرسالة الإيجابية؟ وما آثارها السلبية؟ وأيهما أعظم السلبيات أم الإيجابيات؟ وهل الآثار السلبية تتعدى الإخوان إلى الحالة الإسلامية عامةً؟ بمعنى هل له تأثير على المشروع الإسلامي؟ أو هل سيستفيد من ذلك خصوم وأعداء المشروع الإسلامي؟ هي مجرد أسئلة تحتاج إلى إجابة من كل صاحب كلمة تبث عبر وسائل الإعلام المختلفة، حيث لا يشفع هنا حسن النية وصلاح الطوية.

 

حقائق يجب الوقوف عندها

الحقيقة الأولى:

ماهية الرسالة والمراد منها وحسن صياغتها؛ حيث إنه من غير المعقول ولا المقبول الدخول إلى المجال الإعلامي واستخدام وسائل الإعلام دون أن تكون لك رسالة إعلامية واضحة محددة, أو أن تقدم رسالة إعلامية هلامية تُثير الجدل وتخدم الخصوم وتضع النتائج في صالح الغير كالذي يلعب الكرة ويحرز الأهداف في مرماه.

 

الحقيقة الثانية:

الإعلام في سلم الأولويات:

في هذا العصر ومع هذه التطورات الرهيبة والمؤثرات القوية لا يصح أن تتأخر الوسيلة الإعلامية في سلم الأولويات أو الاهتمامات؛ لأن العملَ مع إهمال الإعلام يكون كمَن يبني بالرمل تحت وطأة الريح العاصف التي لا تبقى ولا تذر.

 

الحقيقة الثالثة:

الوسيلة المناسبة للوصول إلى المتلقي دون غيره ولضمان وصول الرسالة كاملةً غير منقوصة ولضمان وصول الرسالة بتمامها دون أي مؤثرات عليها تغير من مضمونها ومدلولها وتأثيرها، وحتى لا تضل الرسالة طريقها فتصل إلى المتلقي بالخطأ، وهذا من أعظم الخطايا، حين نعمد إلى الإعلام ووسائله ونستخدم المتاح لنا دون دراسة أو فكر إلى من تنتهي هذه الوسيلة وإلى من تُحمل الرسالة، ونظن أننا نجحنا أو سوف ننجح حين نبث رسائلنا عبر المتاح لنا من وسائل الإعلام ونظل نلح على الوسائل ونكرر الرسالة المرسلة حتى تتحول القضية إلى صخب وجدال يستفيد منه الخصوم ولا نصل نحن إلى ما نريد.

 

الحقيقة الرابعة:

الإعلام في الغالب يعتمد على الإثارة والغموض وكما يقولون (الحدق يفهم) وكثيرًا ما يكون الحق المعروض يراد به باطل والسؤال من الصحفيين والإعلاميين لا يراد منه الإجابة بنعم أو لا بل يراد منه الإثارة، وأحيانًا يقتضب السؤال ليضع المجيب أمام خيار واحد يحقق الغرض الإعلامي من الإثارة كالسؤال الافتراضي عن رئاسة الدولة لغير المسلم ورئاسة المراة للدولة، أو عن حكم الجزية إذا حكم الإسلاميون، وغيرها كثير من الأسئلة التي يراد من الإجابة عليها غرض يصنع البلبلة؛ ولذلك الماهر في التعامل مع وسائل الإعلام يعطي الإجابة على حسب فهمه لغرض السائل وليس إجابة الطالب في كراس الإجابة يحكم عليها بالصواب أو الخطأ، سئل أبو لمعة يومًا "تقدر تشيل الهرم؟ فقال نعم، بس عاوز واحد يرفعه على كتفي"، تلك هي الإجابة المناسبة للسؤال غير المناسب، مثله كمن يطرح سؤالاً عن رئاسة غير المسلم لدولة مسلمة تعداد المسلمين فيها أكثر من 92%، أو السؤال عن أشياء لم تقع ويستحيل وقوعها منطقًا.

 

دخل سائل على الإمام الحسن البصري وهو في مجلس علمه بين طلاب علمه وسأله في تحدٍّ: إذا كنت تدعي العلم في كل شيء فما هو نجم إبليس ونجم أبينا آدم؟ ووقع هذا السؤال على طلاب الإمام كالصاعقة وكادوا يفتكون به لولا أن الإمام كان من الفطنة التي أدرك بها أن السؤال غير منطقي والرجل غير سوي العقل والتفكير فأراد أن يجيبه بما يناسبه دون أن يؤثر ذلك على درس العلم وأجوائه الهادئة، فقال لهم دعوه، ادن مني يا هذا إنك تعلم أن التنجيم يعتمد على تواريخ الميلاد، فأتني بتاريخ ميلاد إبليس وميلاد أبينا آدم وسأجيبك بإذن الله، وانصرف الرجل ليبحث عن تواريخ الميلاد؛ ولذلك لا يصح أن يؤخذ الرأي في قضية أو حكم في مسألة أو يقاس توجه شخص أو جماعة أو فئة من تصريح في وسائل الإعلام وليس لهذا الكلام علاقة بالصدق والكذب، إنما هي الكياسة والجهالة وهما أدوات الفارس في هذا الميدان لفوزه أو خسارته.

 

لقد آن الأوان لنا أن تكون لنا رسالة واضحة في كل ما نقدمه من أعمال، بل يمكنني القول إننا بحاجة إلى أسلوب إدارة جديد يعتمد الإدارة بالرسالة بديلاً للإدارة بالأهداف أو متداخلاً معها, وأن نجتهد في صياغة الرسالة المراد إرسالها من كل عمل، وأن تصبح الرسالة وصياغتها وكيفية إرسالها وتقييمها هي مشروع الصف في المرحلة القادمة والراهنة نختصر به الجهد والوقت والمال ونسلك أيسر السبل وأفضلها وأقصرها للوصول إلى المجتمع ليعرف: (من نحن؟ وماذا نريد؟).

 

هذه كلمات متناثرة وأوراق مبعثرة في ذاكرتي حاولت قدر جهدي الضعيف أن أجمع شتاتها في موضوع واحد عسى أن يكون منه النفع وأني لأتطلع أن يقرأ أساتذتي هذه الأوراق ويحسنوها ويعيدوا صياغتها بما ينفع ويفيد لتعظم الفائدة.