- محسن راضي: الحكومة حوَّلت الصحف الحكومية إلى "غرف عمليات"
- عبد الحليم قنديل: المؤسسات القومية "خزانة مفتوحة" لدعم مرشح الحكومة
- عبد الله السناوي: "صحفيو التعليمات" أقلام مسمومة تهدم المهنة والنقابة
- أسامة غيث: "الرشاوى الانتخابية" حوَّلت العمل النقابي إلى سوق للنخاسة
تحقيق- هبة مصطفى:
كشفت الانتخابات الأخيرة للتجديد النصفي على مقعد "نقيب الصحفيين" العديد من الظواهر والأزمات التي توغلت داخل الوسط الصحفي وأعضاء الجمعية العمومية للنقابة، وكان محركها الرئيسي هو المؤسسات الصحفية "القومية" التي تحوَّلت إلى "بوق" ينفِّذ وينسج كافة الخيوط التي تخدم الحكومة ومخططاتها.
وكان من أبرز الظواهر التي كشفتها الانتخابات الأخيرة ظاهرة "صحفيو التعليمات" الذين انتشروا بين أعضاء الجمعية العمومية، وكانوا بمثابة الأصابع التي حركتها قيادات تلك المؤسسات من رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير بالترهيب تارةً وبالترغيب تارة؛ لحشد الأصوات لصالح مرشح الحكومة على منصب النقيب.
ضغوط كثيرة وتهديدات واضحة جرت على بعض المحررين داخل تلك المؤسسات، وتنوعت بين إغراءات بالتعيين ورفع المرتبات، وبين تهديدات بالنقل والفصل والتشريد وحجب المرتبات؛ البعض انصاع ورضخ لها، والبعض الآخر أبدى ذلك بينما كانت أفعاله وسريرته تتجه نحو التغيير الحقيقي.
(إخوان أون لاين) حاول قراءة المشهد، ووضعه على مائدة كبار الصحفيين والنقابيين؛ لتحليل تلك الظاهرة، وتأثيرها على مستوى المهنة فيما بعد.
غرف مغلقة
محسن راضي

ينتقد النائب الصحفي محسن راضي (عضو مجلس الشعب) المؤسسات الصحفية المسماة بـ"القومية"، واصفًا إياها بـ"الغرف المغلقة" التي لا يدخلها أي فرد له ميول سياسية أيًّا كانت، وتقوم طبيعة العمل فيها على تمجيد النظام وحكومته، وإبراز إيجابياته وتبرير سلبياته بشكل مكثف، وهو ما حوَّل بعض المحررين بها ليصبحوا- سواء بقصد أو بدون- "لسان حال" للسلطة والحكومة، وتحولت تلك الغرف بدورها إلى سدود منيعة ضد أية تيارات سياسية، كما أنها تمثل "كوتة" تصويتية مضمونة في أية انتخابات مقبلة داخل نقابة الصحفيين.
ويضيف أن الضغوط التي مارستها قيادات تلك المؤسسات حوّلت بعض المحررين إلى "متلقين للتعليمات" أو مجرد موظفين لا يتمتعون بأية حرية وإرادة تصويتية، رغم أن الكشوف الانتخابية تضم أسماء الناخبين مرتبة أبجديًّا، وليست صناديق تمثل المؤسسات كما كانت في السابق، يأتي هذا في الوقت الذي يظهر فيه فريق ثانٍ داخل تلك المؤسسات ممن وجد رؤساء التحرير صعوبة في تسييسهم، وكانت الوسيلة الوحيدة للضغط عليهم هي التهديد والوعيد، وهو ما حدث في الانتخابات الأخيرة.
ويرى محسن راضي أن تلك الظاهرة السلبية تحمل في باطنها ظاهرة إيجابية تتمثل في زيادة الإقبال على التصويت في اختيار النقيب، ومن قام بالإدلاء بصوته لصالح مرشح الحكومة خوفًا من التهديدات أو الضغوط سيرى بعينه أداء هذا المرشح، ومدة سنتين ليست ببعيدة، تجعل ذاكرة الإنسان ذاكرة حية يمكنها التغيير في الانتخابات المقبلة.
وفي المقابل حصل ضياء رشوان على 1561 صوتًا من فم الأسد، وسط كل تلك الضغوط، في إشارة إلى أن الفرصة ستكون سانحة وممهدة لمرشح قوي في ظل وجود مجلس قوي يشجع على انتخابات نزيهة.
فضيحة الرشاوى
عبد الحليم قنديل

ويفتح عبد الحليم قنديل الكاتب الصحفي والمنسق العام لحركة "كفاية" النار على حجم الرشاوى والضغوط الحكومية التي تجلت بوضوح قبيل جولة الإعادة الأحد الماضي، مشيرًا إلى أنها انعكاس واضح لمدى الفزع الحكومي من حصول أي مرشح عدا مندوبها على منصب "النقيب"، فانتخابات نقابة الصحفيين تشهد تدخلات حكومية واضحة هدفها إنقاذ وإنجاح النقيب الموالي للحكومة على مدار الـ30 عامًا المنقضية، وجاء على إثرها اختراع فكرة "البدل"، خاصة في فترة الدعاية للانتخابات، وللأسف يخضع لها العديد من الصحفيين الذين هم أكثر من 80% منهم تحت خط الفقر الدولي.
تصويت مأجور
وأضاف: لقد تطور الأمر قبل جولة الإعادة؛ ما دفع الحكومة لفتح "خزانة" من المال العام، واستخدمت ثقلها لدعم مرشحها، وهو ما يعكس أن الزيادة في نسبة التصويت لصالح مكرم كانت مأجورة ومدفوعة الأجر.
ويوضح أن الصحف القومية- والتي من المفترض أنها ملكية عامة للشعب- تحولت إلى نشرات دعاية لمكرم وحجم إنجازاته، في الوقت التي عكفت فيه على شن الحرب ضد رشوان وكالت له العديد من الاتهامات، وحاولت هز صورته أمام جموع ناخبيه، هذا فضلاً عن تجاوز تعليمات المؤسسات الحكومية لصحفيي التعليمات بها للتصويت لصالح مكرم من مرحلة الشفهية إلى التعليمات المكتوبة، كما حدث من وكالة أنباء (الشرق الأوسط)، بل وتجاوزت أيضًا إلى الحد الذي حددت فيه لمراسليها جهة التصويت لصالح مكرم مرشح الحكومة.
ويربط عبد الحليم قنديل بين موقف الحكومة من دعم مكرم والموجة التي قذفت برشوان وإحاطته بشباب الصحفيين من جهة، وانعكاس هذا المشهد على مهنة الصحافة من جهة أخرى.
موضحًا أن رشوان قدَّم بأنصاره وموقفه بعد إعلان النتيجة النهائية نموذجًا لنقيب شريف، يحافظ على آداب وسلوكيات المهنة ووحدة النقابة، في الوقت الذي عبرت فيه الرشاوى الحكومية وتدخُّل مؤسساتها عن مدى التدهور والتراجع الذي يمكن أن يصيب المهنة حال تسخير محرريها كتبة لصالح الحكومة ومرشحيها.
صحفيو التعليمات
عبد الله السناوي

ويستنكر عبد الله السناوي رئيس تحرير جريدة (العربي) حالة التعبئة والتدخل والتعليمات الصارمة التي انتشرت داخل المؤسسات الصحفية الحكومية مغلفة برشاوى انتخابية في الأسبوع الذي سبق جولة الإعادة والحسم؛ كان هدفها إنقاذ مرشح الحكومة من هزيمة محققة، وفي المقابل قام صحفيو التعليمات بإعداد حملة دعاية سوداء ضد ضياء في محاولة حكومية لتسييس الانتخابات النقابية في ضجة باطلة.
ويرجع السناوى استخدام الحكومة لبعض الحجج لضرب مرشح الاستقلال عن طريق استغلال بعض الأقلام المسمومة إلى النية المبيتة للجهات الحكومية؛ لخلق ذرائع لتبرير التدخل الحكومي السافر للسيطرة على نقابة الصحفيين؛ ما يعكس وجهًا سلبيًّا للانتخابات، ومحاربة جيل نقابي جديد، عبَّر شبابه عن رغبتهم الجياشة في التغيير.
أقلام مسمومة
ويؤكد أن تصويب الحكومة أقلام صحفيي التعليمات المسمومة يعكس انفلات أعصابها وأعصاب مرشحها تعبيرًا عن هزيمتهم معنويًّا، وهو ما دفعها إلى التدخل تدخلاً سافرًا وعلنيًّا في سير العملية الانتخابية؛ وهو الأمر الذي يؤثر سلبًا على مستقبل النقابة والمهنة على حدٍ سواء؛ فكل من تولوا مناصب قيادية بالصحف القومية ليس لهم أية شعبية نقابية، ويعتمدون فقط على مساندة الحكومة ورشاواها ودعمها، وليس لديهم رغبة في التغيير أو برنامج حقيقي.
بيع وشراء
أسامة غيث

من جانبه يلقي أسامة غيث مدير تحرير (الأهرام) والمرشح السابق على مقعد النقيب في دورة 2007– 2009م بالمسئولية على صحفيي التعليمات الذين كانوا وراء النتائج المخزية التي أسفرت عنها الانتخابات الأخيرة، موضحًا أن التدخلات الحكومية والرشاوى لصالح مرشحها هو سياسة ممنهجة للحكومة بأية انتخابات، ولكن الخطأ الأكبر في انتخابات الصحفيين يقع على كاهل صحفيي التعليمات؛ لأن من يخضع للضغط والابتزاز- مهما كان حجمه- لا يستحق لقب صحفي، ويجب أن يكون "محل نظر"، وعليه أن يتخلى عن دوره التنويري كصحفي.
وقال: "الصحفيون لا يحصلون على مرتبات ولا أجور مجزية، والبعض نظرًا للظروف الاقتصادية والاجتماعية يسهُل ابتزازُهم، وهو ما عولت عليه الحكومة ومؤسساتها الصحفية عن طريق تقديم رشاوى انتخابية منوَّعة؛ ما يجعل عضوية النقابة محل بيع وشراء في سوق النخاسة الصحفية".
ويستطرد مشددًا على أن وضع نقابة الصحفيين سيئ للغاية، ويحتاج إلى إصلاح جذري، فخلال الفترة الماضية تعرضت الجمعية العمومية للنقابة لضغوط من قبل أصحاب سلطة ونفوذ في الحكم أثرت سلبًا في سير العملية الانتخابية، خاصةً بعد أن رأوا النقابة ساحة خصبة للتأثير الحكومي، وصحفي التعليمات في نهاية الأمر انحاز لما يراه يحقق مصلحته وخدماته، وتخلى عن مبادئه ومهنيته، لافتًا إلى أن لصحفيي التعليمات أثرًا بالغ السوء في تردي دور المهنة، وتراجع نسب توزيع الصحف.
ويشير يحيى قلاش عضو مجلس النقابة المستقيل إلى أن المعركة الانتخابية لا تبدأ بالتصويت داخل صناديق الاقتراع، وإنما يبدأ التجييش لها قبلها بمراحل؛ ففي حالة وجود منافسة شريفة بين متنافسين يتوقف التأثير في نسبة التصويت على برامج المرشحين ورؤية الناخبين لآليات تنفيذ تلك البرامج، ولكن ما حدث من تدخل حكومي وضغوط داخل المؤسسات هو فجاجة وعدم دستورية وعدم مشروعية، ومحصلة ذلك هو التأثير قي الناخب عن طريق دوران الآلة الرسمية في المؤسسات الصحفية بالترهيب والترغيب لصالح مرشح معين.
العصا والجزرة
يحيى قلاش

ويشبه قلاش ما حدث خلال المعركة الانتخابية الأخيره بـ"العصا والجزرة"؛ حيث لعبت الحكومة دور "الجزرة"، والمؤسسات الصحفية الحكومية "العصا"، والواقع بين شقي الرحى هو الصحفي الخاضع لتأثير ظروف مادية واجتماعية متدنية، فالضغوط والتهديدات كانت رهيبة وفوق احتمال بعض المحررين من أعضاء الجمعية العمومية.
فى الوقت ذاته استطاع ما يقرب من 2400 صحفي إيصال رسائل يجب قراءتها بطريقة صحيحة:
1561 محررًا رفضوا تلك الضغوط وقالوا: "لا"، مدوية لصالح التغيير الحقيقي، معظمهم من الشباب.
1800 من أعضاء الجمعية العمومية تغيبوا عن التصويت، مؤكدين أن هذا المشهد المتكرر في كل دورة فيها مرشح مدعوم من الحكومة لا يأتي بحلول حقيقة لمشاكلهم؛ وهو مشهد مرفوض مما يقرب من نصف أعضاء الجمعية العمومية رافعين شعار "لم يعد ممكنًا استمرار هذا الوضع".
وحول انعكاس ظاهرة "صحفيو التعليمات" على أوضاع ومستوى المهنة؛ أوضح القلاش أنه بغض النظر عما حدث في الانتخابات فلا أحد ينكر مدى التدهور في الأوضاع المالية للصحفيين، ما ينعكس سلبًا على المهنة، ويؤدي إلى الخلط بين الإعلان والتحرير، وإمكانية تأثير رجال الأعمال وتدخلهم في مصداقية الصحف، فكثير من المحررين يرضخون للعمل في وظائف تابعة لمصادرهم الخبرية، وهو ما نتج عنه ظاهرة "صحفي الأمن" و"صحفي التعليمات" وغيرهما، وبدلاً من أن يصبح المحرر مندوبًا للجريدة أصبح مندوبًا لمصدره، فما بالنا بالتلويح ببعض المزايا والخدمات التي لا تؤدي إلى حلول جذرية مغلفة ببعض الوعود والتهديدات بالنقل أو التعيين أو غيرها؟!
ولا يستبعد قلاش ارتباط الرغبة الحكومية الحثيثة في إنهاء معركة انتخابات الصحفيين لصالحها بالأحداث السياسية المقبلة من انتخابات برلمانية ورئاسية خلال العامين المقبلين، فالسيطرة الحكومية على انتخابات الصحفيين تم تسييسها عن عمد من جانب الحكومة ومرشحها؛ وهو ما جعل الدكتور علي الدين هلال أمين الإعلام بالحزب الوطني يصرح تعليقًا على انتخابات الصحفيين قائلاً: (لو تدخلت "المحظورة" في انتخابات الصحفيين "لتدخل" الحزب الوطني)، وكأن الحزب الوطني يبحث عن المبرر السياسي للتدخل في عمل النقابات المهنية.
ودلل على ذلك بما شهدته ساحة نقابة الصحفيين يوم جولة الحسم من حضور للأحزاب السياسة- أو ما يطلق عليها ذلك- التابعة للحزب الوطني محاطة بمظاهرات ومسيرات تأييد لمكرم كمرشح للحكومة، الغريب في الأمر أن مظاهرات التأييد لم تحتو على أي عضو ينتمي من بعيد أو قريب للعمل النقابي أو الجمعية العمومية، وإنما احتوت بعض المأجورين، وهو الفعل الذي يجب على مجلس النقابة واللجنة القضائية المشرفة على انتخابات النقابات المهنية اتخاذ الإجراءات القانونية بشأنه حفاظًا على تقاليد النقابة، وحتى لا تدعي المؤسسات الحكومية أن مرشحي التغيير والاستقلال هم من يمارسون الحزبية داخل النقابة.