يتعرض الداعية في طريقه الدعوي لنوعيات مختلفة من البشر، شخصيات مريحة وأخرى مزعجة، نماذج متحمسة وأخرى فاترة، شخصيات جادة وأخرى مرحة أو مهرجة، وتلعب خبرة الداعية دورًا هامًّا في التعامل مع كل هذه الأنماط المختلفة كل بما يلائمه، بحيث يتمكن من إبلاغ رسالته الدعوية دون أن يفقد مكانته عنده أو هيبته عند الناس.

 

من النماذج المزعجة التي قد يتعرض لها الداعية، هو نموذج الطالب، المتحفز دائمًا، يريد أن يظهر دائمًا أنه في عكس الاتجاه، قد تصل محاولاته هذه إلى إفساد العمل نفسه، وتظل محاولات المشرفين في الإصلاح بمختلف الطرق والوسائل إلى أن يتخذوا قرارًا صعبًا بإقصائه، إلا أن المفاجأة أنه لا يريد أن ينفذ حتى قرار الإقصاء، هو لا يريد أن يطيع ولا يريد أن يبتعد، بل يزيد من محاولاته المشاغبة بصورة تجعل الجميع في حيرة حقيقية.

 

وسنحاول الآن أن نفهم هذه الشخصية من خلال المواقف التالية:

يحكي أحد المشرفين أنه عانى مرارًا من شخصية مشاغبة، أزعجته كثيرًا، وخصوصًا في اليوم الرياضي، وقام المشرف بمحاولات متعددة من أجل كبح جماح هذا الولد، إلا أنه لم يفلح، وفي أحد الأيام نام المشرف ولم يستطِع اللحاق باليوم الرياضي، وبعد أن استيقظ كان التوقع البديهي هو ذهاب الطلبة إلى النادي ثم عودتهم مرةً أخرى بغضب وضيق، والاستعداد لسيل من عبارات اللوم والعتاب، إلا أن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أحد؛ أن اليوم الرياضي تمَّ في موعده وبدرجة عالية من الكفاءة، وكان بطل القصة هو ذلك الطالب المشاغب، فهو الذي أدار اليوم الرياضي في غياب المشرف.

 

يحكي آخر أنه كان يعمل مدرسًا للمرحلة الثانوية، وكان هناك طالب يأتي للمدرسة لأي سبب آخر إلا التعليم، من هذه الأسباب إزعاج المدرسين وإفساد الحصص عليهم، إلا أن هذا المدرس عندما أقام معرضًا للكتب في ساحة المدرسة، عرض عليه هذا الطالب بكل حماس أن يحرس المعرض، وبالفعل استطاع الطالب أن يحافظ على نظام المعرض ويحميه من السرقة إلى حدٍّ كبيرٍ.

 

أما الموقف الثالث فهو لأمهر الدعاة في القرن العشرين على الإطلاق، الإمام الموهوب (حسن البنا)، الذي وقف يتحدث يومًا إلى مجموعة من قُطَّاع الطرق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان فهمه لشخصية من يحدثهم وتفكيرهم، جعله ينتقي من سيرة الرسول الواسعة لقطاتٍ من قوته البدنية التي جعلته يصارع أحد الكفار ثلاث مرات فيهزمه ليسلم على يديه، ويخرج بعد المحاضرة من بين قطَّاع الطرق دعاة يدافعون عن الحق، ويذكرون الله ورسوله، ويتحمَّلون في سبيل ذلك المشقة والأذى.

 

إن هذه المواقف الثلاثة تلفت النظر إلى أننا يمكن أن نستفيد من الشخصية المشاغبة، إذا فهمنا تركيبتها ودوافعها التي تبرِّر تصرفاتها، لننظر إليها نظرةً أخرى قد تحوِّل صاحبها إلى شخص مفيد للدعوة، ونجد بيننا وبينه مساحةً مشتركةً لإصلاح عيوبه والاستفادة من مميزاته.

 

مواصفات المشاغب

تتميز شخصية المشاغب بالآتي:

1- حب الظهور: لذلك هو يحاول أن يثير مشكلة ليظهر، وقد يتحمل في سبيل ذلك الأذى من إدارة المدرسة أو اللوم من مدرسيه أو مشرفيه في سبيل أن يحقق هدفه.

2- التفكير: لدية قدرة دائمة على التفكير فهو يعي ما يدور حوله ويفهمه جيدًا، والمشكلة أنه يستخدم تفكيره في كيفية إثارة مشكلة للآخرين.

3- الطاقة: المشاغب عنصر نشيط يحب الحركة وأن يكون فاعلاً يصنع الأحداث ويحركها.

4- الإصرار: المشاغب يتعرض للأذى من الآخرين، لكنه يصر على شغبه ليحقق متعته الذاتية بحب الظهور.

 

كيف نتعامل مع المشاغب؟

المشاغب يريد أن يكون قائدًا يصنع الأحداث ويحركها، وهو لا يريد ذلك من فراغ، فهو بالفعل يمتلك مقومات القيادة والتميز، فقدرات التفكير والنشاط والإصرار، صفات أصيلة للقائد ربما نفتقدها في شخصيات هادئة مطيعة لا نشكو منها، ولكنها في المقابل قد تكون شخصيات مستسلمة غير ايجابية لا تصنع شيئًا لنفسها أو للدعوة.

 

ودورنا هنا أن نحول تلك الشخصية المزعجة إلى شخصية فاعلة في اتجاه ايجابي نافع ومفيد، ونحن نستطيع أن نفعل ذلك بكلمة اسمها.. الاحتواء، والاحتواء أن تفهم من أمامك وتحدثه بلغة يفهمها بصورة تجعله يشعر أنك الوحيد التي تشعر به، وأنك الوحيد القادر على تحقيق ما يريد، وعندها يسلم لك نفسه، ويبدأ في التجاوب معك، ليبدأ السير معك في اتجاه واحد.

 

يحتاج الشخص المشاغب إلى أخذ رأيه في المشكلات، ومناقشته بحيادية واهتمام، وتقدير آرائه، وتنفيذ البعض منها.

يحتاج الشخص المشاغب إلى تحميله مسئولية مناسبة تتناسب مع قدراته وتفكيره.

يحتاج الشخص المشاغب إلى أن تشعره أنك تحتاج إلى أن يساعدك في مهمة ما، وأن تبث الثقة فيه بأنه قادر على أداء هذه المهمة.

يحتاج الشخص المشاغب إلى شخصية قوية مرنة متفهمة ذكية، كي تحوله من شخص له رغبة في تدمير الآخرين من أجل نفسه، إلى شخص يحقِّق إنجازاتٍ من أجل غيره.

 

وعندما ينجح الداعية في احتواء الشخص المشاغب بهذه الطريقة، تتداخل ساعتها المفاهيم والقيم الإسلامية مع الحركة، وتمتزج معاني حب الله والرغبة في رضاه والأمل في الجنة مع الأفعال، ويستقر الإيمان في القلب والوجدان، ليخرج شخص آخر علينا، قد نظن أننا لا نعرفه ولا يعرفنا، كما خرج من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على العالم كله، بتقوى جعلت خطين أسودين في وجهه من خشية الله، وعبقرية نادرة في القيادة والتخطيط والإدارة.