د. زكريا سليمان بيومي

 

تأخَّر شاعر العامية الكبير عبد الرحمن الأبنودي في طرح قصيدته عن ضياع حلم الوحدة العربية الذي عمل له معشوقه جمال عبد الناصر، وتلاشى أمل تجدده وهو يرى الواقع العربي المتشرذم، وليت هذا الإدراك ينبه البقية الباقية ممن ما زالوا يحلمون به، ويلبسون رداء ما يسمى بالناصرية بعد أن طال بهم الحلم، وطوعتهم الخديعة فأبعدتهم عن وهم الواقع.

 

والذي يستقرئ أحداث التاريخ العربي الحديث يدرك تمام الإدراك- لو كان يريد أن يدرك- أن البعد القومي العربي لم يكن يومًا من الأيام خيارًا جماهيريًّا في المقام الأول، بل كان عبارةً عن محاولات مغرضة ومحدودة وفاشلة لتجميع قدر أكبر من الجماهير مستعينًا بوسائل الإعلام ووسائل الفرض أو القهر والاستبداد أحيانًا لفرض هدف واحد أو إطار جديد للانتماء، يكون بديلاً عن إطار الانتماء التاريخي الذي التفت حوله شعوب المنطقة لفترة زمنية طويلة، وهو الإطار الإسلامي، وأن ما يتصوره البعض من فترات علو هذا التيار العربي ما كان إلا ما اعتبرته أغلب جماهير المنطقة العربية هدفًا مرحليًّا يصل بهم إلى هدفهم المنشود الذي كانوا عليه قبل الهجوم الاستعماري الغربي في مطلع العصور الحديثة.

 

لقد أدرك الكثير أن الدعوة إلى القومية العربية التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في بلاد الشام، والتي تبنتها دور التبشير والمحافل الماسونية ما كانت إلا محاولة لتمزيق آخر الكيانات الإسلامية، وهي الدولة العثمانية، وكانت وسيلة استعمارية صهيونية لتفتيت هذا الكيان إلى قوميات أو عرقيات من ترك وفرس وعرب، ووسيلة لمحاصرة وضرب فكرة الجامعة الإسلامية التي حاول من خلالها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إعادة وحدة الشرق تحت الراية الإسلامية، فكانت مساندة الغرب الاستعماري الصليبي الماسوني لدعم القومية التركية ممثلاً في جماعة تركيا الفتاة وجماعة الاتحاد والترقي، ودعم دعاة القومية العربية، وكانت باريس ثم لندن، وتحت ستار الحرية الزائف، مقرًّا لدعاة تمزيق الكيان السياسي الإسلامي.

 

ثم تبعت ذلك مساندة أفكار القوميات المحلية كالفرعونية والبابلية والأمازيغية البربرية من خلال الاكتشافات الأثرية القديمة التي أحيطت بسياج زائف من زعم الصدفة في كشفها ووضعها في إطار الدعم الحضاري والفضل العلمي.

 

وتبع ذلك دعم التوجه القبلي الذي نتج عن اكتشاف النفط وتحول أوضاع البدو الاجتماعية والاقتصادية وتطور ذلك إلى حدِّ الانحصار في أطر ضيقة ضعيفة وهزيلة وما تبعه من منافسة شبيهة بأيام العرب الأولى في الجاهلية حول المعلقات والأنساب والحروب القبلية، والتي كانت في مجموعها مناهضة لتيار القومية العربية.

 

وحين جاء جمال عبد الناصر إلى السلطة في مصر ودعا إلى القومية العربية لم يكن شعب مصر يملك إلا أن يوافق لا أن يناقش، ووفق الزخم الإعلامي الحكومي رحَّب الكثير من المثقفين المصريين بهذا التيار أملاً في أن يجد في المحيط العربي سندًا فيما أحاطه به النظام من مشكلات إقليمية ودولية.

 

على أن الشعب المصري قد دفع ثمنًا باهظًا من أجل هذه الدعوة لا في الحروب والانكسارات فقط بل ومن أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، فالوحدة مع سوريا كانت مكلفة؛ حيث كان على الزعيم أن يساند الاقتصاد السوري المنهك من أجل القومية العربية، والذي عاش فترة الخمسينيات إبَّان الوحدة- وأنا أحدهم- يتذكر كيف كان الطلاب السوريون الذين كانوا يتلقون تعليمهم في المدارس والمعاهد المصرية يتقاضون منحًا يفوق فيها أجر الدارس على أجر مدير المؤسسة التعليمية التي يتعلم فيها.

 

وكذلك كان حال الدارسين العرب بدءًا بالفلسطينيين الذين افتتحت معاهد ومدارس علمية من أجلهم كمعهد البحوث والدراسات العربية ومعهد الدراسات الإفريقية ومعهد الدراسات الإسلامية، إلى جانب فتح أبواب الجامعات الحكومية، وكان ذلك كله على حساب الدارسين ودافعي الضرائب من الكادحين المصريين.

 

وعايش الكثير من أبناء جيلي ذكريات مكتب التحرير الجزائري وزعيمه عباس فرحات، والذي كان يجاوره في ميدان العتبة مكتب الحبيب بورقيبه زعيم حركة التحرر التونسية، وطوابع التبرع التي كانت تُفرض على كلٍّ من يطلب مصلحة حكومية لصالح هؤلاء، واندفاع عمال المصانع لإنتاج الأقمشة والخيام للمناضلين العرب في الشمال الإفريقي، وحماس الدارسين المصريين من طلاب البعثات لمناصرة حركات التحرر في تونس والجزائر من أمثال الدكتور توفيق الشاوي.

 

على أن بعض التوجهات التي قام بها عبد الناصر لدعم تيار القومية العربية كان لها مردود عكسي على هذا التيار فحين تدخل تحت ستار دعم الثورة اليمنية اصطدم ببعض القوى العربية في السعودية والخليج وغيرها بشكلٍ أسهم في شقِّ الصف العربي وصل إلى حدِّ مشاركة بعض هذه القوى في هزيمته سنة 1967م التي كانت شاهدًا على مدى ضعف وتراجع وهزيمة المد القومي العربي، فضلاً عما سببته هذه الأحداث في مزيدٍ من إضعاف الاقتصاد المصري، وبالتالي تدني أحوال المصريين الاقتصادية والاجتماعية.

 

وإذا كان البعض من المثقفين العرب قد واصلوا الدعوة إلى ضرورة التلاقي العربي من منظور إسلامي لا قومي ساعين للتواؤم مع التراث ومع خيارات الشعوب فإن موقف عبد الناصر من أتباع التيار الإسلامي قد قلَّص هذا التوجه وحاصره محاصرةً شديدةً على الرغم من زيادة حجم مؤيديه الذي فاق وسائل الدعاية والإعلام المملوكة لنظام عبد الناصر، فالموروث الثقافي الذي يسوقه دعاة القومية الناصرية العربية يجعل من صلاح الدين وبيبرس وقطز أبطالاً دعموا التوجه القومي العربي على الرغم من أنهم في مجموعهم ليسوا عربًا.

 

ولا شك أن محاصرة الأنظمة السياسية العربية للتيار الإسلامي الذي يسعى لاستعادة الكيان الأممي للمشرق العربي، وخشية القوى الاستعمارية الصهيونية من عودةِ هذا الكيان قد شكَّل دافعًا لإحياء القوميات المحدودة كالفرعونية والبابلية والكردية والبربرية والقبلية الضيقة إلى درجة مطالبة هذه الأقليات بالانفصال، كما هو في جنوب السودان، وكما هو في اليمن وصحراء المغرب.

 

كما أن بقية دعاة القومية العربية من أتباع ميشيل عفلق في سوريا والعراق قد ساد بينهما العداء الشديد، ولم تنجح أفكار موجه واحد على التقريب بينهما، وبعد سقوط أحدهما، وهو صدام حسين ولَّى الجناح الآخر في سوريا وجهه شطر بلاد فارس بعيدًا عن محيطه العربي الذي بادله التآمر والتنمر.

 

وكفر أشياع عبد الناصر في ليبيا بالتوجه القومي العربي فنادوا بدمج عرب فلسطين في الدولة العبرية، وولوا وجههم شطر إفريقيا بحثًا عن إطار جديد قد يجدون فيه نصرتهم عن ذلك الجهد الضائع وراء سراب التلاقي العربي.

 

ولعل في المظهر الذي بدت فيه محاولات كيان سياسي عربي بالغ في الصغر من حيث الجغرافيا، وهو قطر، حين قامت بدور الصلح بين الفرقاء في لبنان وتقدم وزير الخارجية القطري على أمين جامعة الدول العربية لخير شاهدٍ على هزلية استمرار الجامعة العربية، ومدى غلبة الإقليمية على حساب المدِّ القومي العربي.

 

كما أن ما حدث بين مصر والجزائر، والتي كانت مباراة كرة قدم إحدى نتائجه- لا أسبابه- وتبادل الاتهامات بالفرعونية والبربرية، كلها مؤشرات تؤكد هشاشة وسخف الاستمرار في الدعوة القومية العربية بعد أن توارى تيار الوحدة الإسلامية.

 

وحتى ذلك الأمل الذي ما زال ينشده البعض في إمكانية التلاقي الاقتصادي والعسكري العربي إن أمكن على غرار مساعي الزعيم الألماني بسمارك قبيل الحرب العالمية الأولى في توحيد ألمانيا، وعلى غرار التوحد الأوروبي الذي جمع بين الأعداء القدامى، فلم يجد هؤلاء ضالتهم بفعل تبعية الاقتصاد العربي للغرب، وكذلك بفعل التباين بين الاقتصاد في الدول العربية.

 

ولعل في غياب التيار القومي العربي أو ضعفه ومحاصرة التيار الإسلامي في العالم العربي بفعل الضغوط الغربية الصهيونية، وفي نفس الوقت نجاح التيار الإسلامي الشيعي في إيران، والذي شهد تلاقيًا مع نظامه السياسي بعد الثورة قد أسهم في نجاح نسبي لإيران في سدِّ الفراغ الأيديولوجي أمام الأطماع الغربية الصهيونية وتسيدها للساحة الإسلامية، وهو ما يزعج الغرب ويدعوه للسعي لاستكمال محاصرة التيار الإسلامي.

 

كل هذا يؤكد أن شعر الأبنودي جاء متأخرًا في إعلان تبدد أمل التوحد العربي، ويتلاقى في ذلك مع تعليق أحد الذين اصطدموا بعبد الناصر في بداية طريقه السياسي، وهو الدكتور محمد صبري منصور أول وزير للتجارة والتموين في وزارة عبد الناصر الأولى، والذي نفاه عبد الناصر بعد أشهرٍ من توليه الوزارة بسبب مطالبته بالديمقراطية، وظل بمنفاه حتى أعاده السادات 1971م، ففور عودته سأله البعض عن تقييمه لدور عبد الناصر وتيار القومية العربية الذي تبناه فقال: "لقد سعى جمال عبد الناصر لأن يجعل من شعبه كومةً من التراب ليقف فوقها ويطل على العالم الخارجي إرضاءً لزعامةٍ ملأه الشعور بها، وشارك الإعلام في صنعها، ووفق أفكار تمَّ فرضها ولم يستشر فيها شعبه الذي دفع ثمنًا باهظًا في سبيلها".

 

فهل سيدرك ذلك مَن تبقَّى من دعاةِ هذه الأفكار البالية؟ وهل سيعودون للتفكير في سحر الإطار الإسلامي الذي ما زال صامدًا قابعًا في ضمير الشعوب رغم كل الحروب التي واجهها والعداوات من أعداء الأمة من الغرب الاستعماري وصهاينة إسرائيل؟ وهل سيكونون معبرين عن شعوبهم أو سيواصلون الصدام معها ولحساب غيرها تحت شعار ادَّعاء التنوير؟.

------------

* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة المنصورة.