لا شك أن العمل على تحقيق السلام اليوم أصبح يحتل المرتبة الأولى على مستوى الدول وسائر المنظمات الدولية، ولقد عدَّه البعض هدف المنظمات الدولية الوحيد، حتى بالنسبة للمنظمات ذات الاختصاص الاجتماعي أو الاقتصادي أو غيره؛ وذلك لأن إصلاح هذه الجوانب سيعمل على التقليل من نشوب الحرب؛ لأن الحرب قد تنشأ لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، ولهذا كانت أول جملة تتصدر ميثاق الأمم المتحدة وديباجته هي: "نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانًا يعجز عنه الوصف".

 

ولا يستطيع أحد أن يقدر ما ينفقه العالم من أجل تحقيق السلام، إذ يدخل في هذه النفقات ميزانيات المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة وغيرها، ونفقات الدول التي تبذلها في الحروب والمواجهات من أجل إحلال السلام أو مواجهة الإرهاب، هذا فضلاً عما يضحي به العالم أجمع من قتلى أو جرحى ومرضى وأسرى وغيرهم ممن تصيبهم الحروب، ويشير إلى فداحة ما يتكبده العالم من جرَّاء الحروب، وإن كان مجموع ضحايا الدول التي تحاربت أثناء الحرب العالمية الثانية في أوروبا لا يقل عن أربعة عشر مليونا من القتلى، وخمسة وأربعين مليونا من الجرحى والأسرى، وأما المدنيون من الرجال والنساء والأطفال الذين قُتلوا أو جرحوا أو شوهوا أو فُقدوا خلال هذه الحرب فلا يمكن إحصاء عددهم إحصاءً دقيقا، وأما التخريب الذي شمل المباني والأراضي والمدارس والمعابد ووسائل المواصلات ووسائل الإنتاج وغير ذلك فليس من سبيل إلى تحديده وتقدير الخسائر المادية التي أحدثتها، وحدِّث عن مثل هذه الآثار ولا حرج لما حدث في حرب الخليج الأولى والثانية والثالثة، وغير ذلك من النزاعات المعاصرة.

 

 هذا على المستوى العملي أما على المستوى النظري، فهناك المناهج المتعددة التي تفيض بها قريحة المؤلفين والكتاب في فقه العلاقات الدولية لتحقيق السلام، ومنها منهج الأمن الجماعي ومنهج التسوية السلمية للمنازعات الدولية ومنهج نزع السلاح وغير ذلك، ومع كل هذه الجهود إلا أن العالم أجمع لم ينعم بالسلام، بل وبات السلام حُلمًا في كثير من مناطق العالم يصعب الوصول إليه.

 

ويبدو أن السلام هدف لا يحتاج إلى تنظير أو نفقات فقط، بل يحتاج أول ما يحتاج إلى تربية وتدريب ومران، يتربى على ثقافته وصناعته، ليس القادة والجنود فقط، بل كل أبناء الأمة، ليصبح بعد ذلك جزء من كيانها وعقيدتها وأصول منهجها، وهذا ما سار عليه الإسلام، إذ تعمل كل عباداته على إثراء ثقافة السلام، ويبدو أن لموسم الحج نصيب وافر في إشاعة هذه الثقافة، وتدريب الحجيج عليها، حتى يعودوا إلى أوطانهم والعيش بالسلام والسعى إلى تحقيقه من أهم أولويات حياتهم.

 

وقد رأينا ذلك رأى العين بخصوص فريضة الحج، وأول ما نلحظه في ذلك، أن جُعل مكانه وزمانه مكان وزمان أمن وأمان وراحة واطمئنان، فزمانه يأتي في الأشهر الحرم، ومكانه البيت الحرام الذي جعله الله ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: من الآية 125)، وفوق ذلك فإنه يحرم على الحجيج حمل السلاح والقيام بصيد البر، حتى لا يتحول الموسم إلى موسم لعب ولهو وصيد من ناحية، وحتى لا يتأذى أحد من جراء هذا الصيد أو حمل هذا السلاح من ناحية أخرى، بل وحتى لا يصاب أحد بخوف أو ذعر ورعب من إنسان أو حيوان أو طير، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 96)، أما صيد البحر فلأنه لا يحتاج إلى سلاح، ويعتمد على مثل الشِّبَاكِ فقط؛ ولأن البحر بعيد عن الحرم أيضًا فقد جعله الله مباحًا دون أن يمثل عقبةً في أداء الحج وهو قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (المائدة: من الآية 96).

 

ويضاف إلى هذا أن النبى- صلى الله عليه وسلم- يتدخل بنفسه فيما يحسبه بعض الناس اليوم أمرًا هيِّنا وشيئًا يسيرًا في مناسك الحج، وهو بيان حجم الجمرات التي سيتم بها الرمى، لكن لأنها تصب أيضًا في صناعة السلام يحرص النبى- صلى الله عليه وسلم- على بيانها، ويروى في هذا أنه أمر ابن عباس أن يجمع له الحصى، وعندما أتاه بها، بالحجم الصغير المناسب الذي نعهده، وضعها النبى في كفه وأظهرها أمام الملأ جميعًا، ثم خاطب الأمة بقوله: "بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا يغالون في دينهم"، ويلاحظ أن حجم هذه الجمرات هو الحجم الذي لا يتعب مَن يحمله أو يقذف به من ناحية، كما أنه لا يؤلم ولا يؤذي أحدًا إذا وقع عليه من ناحيةٍ أخرى؛ حرصًا على سلامة وسلام الناس وأمنهم.

 

ومما يتمم صناعة السلام في الحج، أن الإسلام يُحرِّم على الناس في أماكن هذه الفريضة التدافع والتزاحم في النفرة من عرفة أو في النزول لمزدلفة أو في الطواف بالكعبة، أو في استلام الحجر الأسود وتقبيله؛ لأن ذلك يمكن أن تترتب عليه كوارث كبيرة، وقد رأينا بأنفسنا أثر هذا التدافع الرهيب منذ عدد قليل من السنوات؛ لذا فإن وُجد الزحام عند الحجر الأسود مثلاً فإن الإشارة تحل محل الاستلام، والإيماءة تحل محل التقبيل، حرصًا على تحقيق السلام.

 

ولا يدرب الإسلام الحجيج على منع الإيذاء المادي فقط بل يدربهم حتى على منع الإيذاء المعنوي، حتى يكون علاجه لقضية السلام علاجًا تامًّا محكمًا، وحتى لا يتأذى أحد حتى بالكلام أو الجدال، ولذا يحرم على الحجيج الرفث والفسوق والجدال، وهذا هو قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: من الآية 197)، إن الإسلام لا يحافظ على حياة الناس ودمائهم وأموالهم فقط، بل يحافظ حتى على مشاعرهم وأحاسيسهم، يا لها من ثقافة، ويا له من منهج عظيم في التربية، لو يفطن العالم اليوم إليه.

----------

* أستاذ بجامعتي الأزهر والبحرين.