إيماءً إلى ما نُشر من تعليقاتٍ على المقال الأول من القُرَّاء الأعزاء، ولإيماننا بأن التعليق والحوار حول الموضوع هو إثراءٌ له وتعميقٌ لمعانيه وتوضيحٌ لما يلتبس على البعض، والإشارة إلى ما لم يتناوله الكاتب في موضوعه حتى يكتمل المقال والموضوع في أبهى صوره وأجلِّ معانيه وأوضحها؛ لذا ارتأيت أن أكمل الموضوع بمقالٍ آخر ينطلق من تعليقاتكم.. واللَّهَ أسأل التوفيق والسداد.
أولاً: كما أشرت في المقال السابق، وأكرر في هذا المقال أن المقال لم يكن أبدًا دفاعًا عن التربية ورجالها, وليس تأصيلاً ولا تعميقًا للعمل التنظيمي المغلق, بل هي دعوة للانفتاح والشفافية وتحمل المسئولية بشجاعة، وأن يعرف كل مسئول حدود مسئوليته ومهامه الموكلة إليه, وليسأل كلُّ مسئولٍ نفسه عما استرعى عليه أحفظ أم ضيع؟.
ثانيًا: المقال يُشير إشارةً واضحةً إلى إحدى البقاع السحرية في دعوتنا وجماعتنا، والتي حدث فيها تواكل واتكال من البعض على الآخر في أداء المهام, وأعني هنا متابعة تنفيذ وأداء المهام الدعوية والتربوية والتكليفات والمحاسبة عليها، وهذه مهمة الإدارة في المقام الأول، وقد تستعين الإدارة بغيرها ممن تشاء فتعطيهم سلطانها ليقوموا بأداء هذه المهام, فيكون الثناء والعتاب والمكافأة واللوم, ليكون الحافز لمَن أجاد على إجادته بالمزيد, والمراجعة النفسية للمقصر على تقصيره فيجتهد, أما إذا تساوى مَن أجاد مع مَن قصَّر عند الإدارة في نظر الأفراد فإنها رسالة واضحة صريحة بهدم العمل وتراجع الأداء.
وكما قال أستاذنا الحاج صبري عرفة أكرمه الله بموفور الصحة والعافية: إن المعلم إذا كلَّف التلاميذ بواجبٍ منزلي ثم لم يتابعه ولم يجهد نفسه في تصحيحه, حتى لو كتب عليه نظر, فإنه إذن صريح منه للتلاميذ "ما تعملوش الواجب تاني".. انتهى, وهذا ما يحدث تقريبًا ثم يدعو الداعي وينادي المنادي إلى التكليفات والأعمال المختلفة فإذا كانت نسبة الحضور ضعيفة، وفي بعض الأحيان ضعيفة جدًّا, وضعف الاستجابة وانخفاض نسبة الحضور في الأعمال إنما هو عرض لا مرض، فالمرض في الأساس هو ضعف أو ترك أو إهمال المتابعة الإدارية لهذه الأعمال والمحاسبة عليها, ولا يصح لعاقلٍ معالجة العرض وترك المرض.
ثالثًا: أشار البعض إلى التعريفات الاصطلاحية للمفردات التربوية, وما ذُكر في المقال كان بقصد الابتعاد عن المصطلحات التربوية، وأن يكون الكلام عنها على سبيل العموم وليس التعريف الجامع المانع, (رغم وجود هذه التعريفات عندي مُوثَّقة) حتى لا يستشعر البعض أنها محاضرة في التربية ومصطلحاتها فيعرض عنها مَن يُراد له قراءتها والاستفادة منها, وللتأكد من هذه المعاني حتى لا تحيد عن المعنى الأصلي عرضتها على عددٍ من الإخوة الأفاضل ممن لهم باع طويل في العمل التربوي، وأقروا المعنى على عمومه دون اصطلاحه، وكانت لهم ملاحظات على الموضوع في بعض فقراته رأوا أن المقال فيه تحامل نسبي على التربية، وطلبوا مني مراجعة هذه الفقرات وتصحيحها إن أردت قبل النشر، وشاء الله أن تُنشر دون تصحيح، ودون أن يُؤثِّر ذلك في التربية، ولا في كاتب المقال، وتلك هي الحرية التي ينعم بها الإخوان، وتلك هي آدابهم في تعاملهم مع بعضهم البعض، فلا حجرَ على الرأي، ولا طاعة عمياء كما يدَّعي البعض؛ لذلك أردتُ أن يكون الكلام بعيدًا عن المصطلحات وتعريفاتها؛ لأنني أردت من هذه التقسيمات التحديد للمهام، وليس التعريف بها؛ حتى لا ينشغل القارئ بالتعريف عن الهدف، وهو تحديد المهمة في هذا الموضع تقع على مَن؟.
رابعًا: تناول البعض مصطلح التربية المجتمعية، وعلَّق عليه وقال لا توجد تربية مجتمعية، وإنما هو إرشادٌ للمجتمع، ودون الدخول في مشاحة المصطلحات، وهذا ليس مكانها فإنني أؤكد أن تربية المجتمع لا تعني ما أشار إليه البعض من أنه نوعٌ من التعالي على المجتمع، وأنه يعني أن المجتمع ناقص تربية، وهذا كلام لا يقوله منصفٌ لحق الكلام ومعانيه، فضلاً عن إنصاف الإخوان كجماعة, والله سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين الذين آمنو به: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: من الآية 31)، فالأمر بالتوبة هنا لا يعني الوقوع في المعصية، ولا ينفي الإيمان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة"، وعن أي شيء يتوب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.. وحين نقول: "الإخوان المسلمين" لا ننفي عن غيرنا صفة الإسلام، وحين يُقال الحزب الوطني لا يعني أن غيره ليس وطنيًّا، وهكذا.
والفارق بين الإرشاد والتربية كالفارق بين الواعظ والداعية، فالواعظ صاحب وظيفة، والداعية صاحب رسالة ومهمة، وليس لهذا أو ذاك علاقة بالتعالي أو التكبر، كما أنه لا يعني الانتقاص من المجتمع، ولأننا أولاً وأخيرًا جزءٌ لا يتجزأُ من هذا المجتمع.
خامسًا: العنوان يُوحي للقارئ بأنه أمام بحث مطوَّل عن التربية يفنِّد فيه الأقوال، ويبحث فيه عن العلل والأسقام، ويحلل فيه البرامج والمناهج والأهداف؛ ليخلص القارئ بحصيلةٍ؛ هي القول الفصل في التربية، لكنَّ المقال يخالف ذلك تمامًا، وهذا صحيح, لماذا؟
لأن هذه المشكلة أو الخلل تم تحميله على التربية كمهمةٍ يجب أن تؤديها وهي ليست مهمتها، وحين قامت التربية بذلك لسد الخلل قامت به وهي دون سلطان؛ ما أدَّى إلى تفاقم المشكلة، ومن ثَمَّ تحميلها إلى التربية ومطالبتها- أي التربية- بالحل والعلاج؛ لذا كانت هذه الوقفة والصرخة لتدارك الأمر وتصحيح المسار، فكان المقال عن التربية الإخوانية، ما لها وما عليها في هذه المشكلة تحديدًا، أما الكلام عن التربية عمومًا والبحث والتنقيب فيها ربما يكون له بحث مفرد في وقتٍ آخر.
سادسًا: تشخيص المشكلة وتحديد موضع الخلل جزءٌ مهمٌّ، بل الأهم في حلها، وهذا لا يعني أبدًا نقد الأشخاص، بل هو نقد الممارسات لتصحيحها، وهنا يجب أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن البعض يمارس النقد بغير رؤية واضحة فيعمِّم في موضع التخصيص ويخصِّص ما لا يصح تخصيصه, وكثيرًا ما يوجه النقد إلى الإخوان كجماعة عند أي مشكلة تحدث في الصف، وتُهاجم الجماعة لخطأ أو قصور فرد, حتى قال لي غير واحد من الناس: "كل المصايب في الدعوة سببها التربية"، وهذا كلام جانبه الصواب تمامًا, وحين شرحتُ له واستفسرت عن قوله، وأجبت أسئلته قال هذا الكلام أسمعه لأول مرة؛ لذلك أردت أن أخطَّ خطًّا واضحًا لنقد الممارسات، وتحديد المشكلات، ووضع سبل العلاج, بعيدًا عن التفريط أو الإفراط.
سابعًا: هل يعني هذا الكلام أن التربيةَ ليس بها أخطاء؟ وأنه لا يوجد لديها قصور؟ ولا يستحقون أن تُفرَد لهم مقالات تُبيِّن لنا ذلك؟ أقول: مَن قال هذا؟ فكل ابن آدم خطاء، وكلنا ذوو خطأ, والتربية لديها قصور وأخطاء لم تفرد لها مقالات فقط، لكن أُفردت لها كتب ومجلدات، تحدَّث فيها د. فتحي يكن رحمة الله عليه، ود. عبد الحميد البلالي، وفضيلة الشيخ الخطيب، أفرد لذلك سلسلةً كاملة، والأستاذ الراشد في كتب عديدة له و..و..و..و.. وغيرهم كثير، يجب الرجوع إليها, وسيأتي الحديث عنها في مقالاتٍ لاحقة إن شاء الله.
ختامًا: هذا جهد متواضع، ورأي يجري عليه الخطأ والصواب، لا أملك فيه يقينًا إلا صدق نيتي لدعوتي وجماعتي، وما عدا ذلك فيما كتب يحتمل الرأي والرأي الآخر، فما كان فيه من توفيقٍ فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، والله أسأل القبول والتوفيق والسداد.