![]() |
|
د. مصطفى هيكل |
في هذه المرة كانت الرحلة إلى جنوب دارفور؛ حيث يُشاع أن هناك حروبًا ودمارًا واغتصابًا للنساء، حملات إعلامية ضخمة يطلقها الإعلام الغربي لرسم صورة ذهنية معينة حول الأوضاع في دارفور.
تحركت بنا السيارة من مطار مدينة "الضعين" بجنوب دارفور؛ حيث وصلنا إليها قادمين من الخرطوم على متن طائرة داخلية، سارت بنا السيارة مسيرة ساعتين ونصف الساعة في طريق منبسط وعلى طول الطريق لم تشاهد أعيننا إلا أرضًا ممهدةً تكسوها الخضرة على الجانبين؛ حيث كان فصل الخريف بأمطاره الغزيرة من وقت قريب يتخلل هذا المشهد الرائع البهيج وجود قطعان من الماشية، وقطعان من الأغنام ومعها الرعاة يرعون في سلام وأمان، ومواكب الرجال والنساء وهم يركبون الدواب، قاصدين آبار المياه؛ حيث يتزودون بالماء ليعودوا بها إلى قراهم.
حينما وصلنا إلى المكان الذي نقصده في مدينة "أبو جابرة" والتابعة لمحلية "بحر العرب" بجنوب دارفور وجدنا الأمن والأمان، ووجدنا الرضا في نفوس الناس؛ وذلك برغم الحاجة الماسة إلى افتقار الخدمات والمرافق، والتي لمسناها بمجرد وصولنا إلى هذه المدينة.
وجدنا ترحابًا كبيرًا من أهل المدينة الذين أثنوا على قدومنا إليهم؛ لتقديم واجبنا الإنساني والأخوي نحوهم.
في خلال الأسبوع الذي قضيناه معهم شعرنا بالألفة والحب والترابط التاريخي الذي يجمع بين الشعبين في مصر والسودان؛ حيث رباط الإسلام ورباط العروبة ورباط اللغة، فضلاً عن الرباط التاريخي والجغرافي الذي يجمع بين البلدين وهو النيل العظيم.
في خلال هذا الأسبوع، استطاع فريقنا المكون من ثلاثة أطباء من مصر مع فريق آخر معاون من السودان الشقيق أن يقوم بالكشف الطبي على أكثر من ثلاثة آلاف مريض، يشكون من مشاكل في العين أوصلت بعضهم إلى درجة العمى، وفضلاً عن الكشف عن الثلاثة آلاف مريض، وإعطائهم العلاج اللازم تمَّ إجراء ثلاثمائة وخمس وستين عملية؛ لإزالة أسباب العمى عنهم، كان من بينهم حالات نادرة تمَّ التعامل معها بفضل الله وعونه.
وعلى الجانب الإنساني، شارك الوفد أهالي هذه المدينة فرحتهم بحضور حفل عرس، فكانت فرحة مصرية سودانية مشتركة، كما شارك في حضور منتدى شبابي لمشاهدة مباراتين لكرة القدم بين فريق مصر والجزائر، تصادف إقامتهما خلال أسبوع الرحلة؛ حيث ألقينا كلمات للشباب الحاضر في هذا المنتدى، تذكرهم بالعلاقة التاريخية بين مصر والسودان.
كان اللافت للنظر في هذه الرحلة هو: الروح الأخوية العالية التي يتمتع بها المسئولون المحليون الذين التقينا بهم، والذين حرصوا على استقبالنا وتوفير كل أسباب النجاح لعملنا، كما حرصوا على توديعنا بعد نهاية الرحلة.
أيضًا لمسنا الحاجة الماسة إلى التنمية وتوفير الخدمات لهذا البلد الشقيق الذي نتمنى له الأمن والطمأنينة والسلام، وأن يرد الله عنه كيد الطامعين فيه والمتآمرين والمتكالبين عليه من كل حدب وصوب.
رؤية لأحداث مباراة مصر والجزائر
يندهش المرء كثيرًا حين يتأمل في الأحداث الأخيرة التي حدثت بين مصر والجزائر؛ بسبب مباريات كرة القدم، هذان الشعبان العربيان اللذان شاركا بعضهما البعض في مراحل تاريخية مريرة ومثيرة، وامتزج الدم المصري بالدم الجزائري في حربي 67 و73، وقبلهما كان لمصر دور فعال ورائد في الأخذ بيد الشعب الجزائري نحو التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي، كما رفع الشعبان لواء العروبة والنضال في حقبة تاريخية غابرة وقامت مصر بدور حضاري؛ لتأخذ بيد الشعب الجزائري نحو التقدم والازدهار، كما كان للجزائريين شعبًا وحكامًا دورهم وخاصة في عهد هواري بومدين في حرب السادس من أكتوبر من عام 1973م.
وتدور عجلة الزمان، وتتخلف مصر عن دورها الريادي والقيادي نحو الأمة العربية، كما تغرق سفينة الجزائر في بحر متلاطم من الإرهاب، والإرهاب المضاد الذي حصد أرواح مئات الآلاف؛ لتصبح بلد المليون شهيد قديمًا هي نفسها بلد المليون ضحية للإرهاب حديثًا، ويجمع البلدين "مصر والجزائر" قواسم مشتركة تتمثل في: فساد السلطة واستبدادها، ودستور يتشكل حسب هوى الحاكم؛ لكي يخلد هذا الحاكم فوق كرسيه لا يزيحه عنه إلا الموت، وتُستغل كرة القدم ليتلهى بها الشعوب وتحشد حولها الجماهير لتحقيق نصر زائف في ميدان هذه اللعبة، بعد إخفاقات كثيرة في مجال الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، وإخفاقات في التعاون مع قضايا الأمة المصيرية؛ مما يذكرنا بنكتة الأب الذي يغضب من ابنه؛ لأنه أخذ صفرًا في مادة الألعاب، وحينما يسأله صديقه، وماذا عن نتيجة ابنك في مادة الحساب فيقول صفرًا، وماذا حصد ابنك في مادة العلوم فيقول صفرًا.. وهكذا كل المواد فيقول له: إذًا لماذا تغضب من صفر الألعاب بالذات؟!
حين يحاول المرء أن يتفحص هذه الأزمة وما وراءها، وما الهدف منها لا يجد إلا أصابع صبيانية من هواة الإعلام الذين ينفخون في النار؛ لكي يوقدوها بغباء أو عن جهل أو عن عدم إدراك للمسئولية، ويصاحب ذلك فشل من المسئولين في إدارة الأزمات، والتي جعلت من شعبين شقيقين بين لحظة وضحاها عدوين لدودين، ولا شك أن الرابح الوحيد هم أعداء الأمة الذين يتربصون بها، وأن الخاسر الوحيد هذان الشعبان الشقيقان، وكذلك قضايا الأمة المصيرية التي أصبحت في طي النسيان.
