- د. فادي خلف: عشوائية البورصات العربية أضرت بها
- ممدوح الولي: الأزمة خاصة بالشركة وليس الحكومة
- د. إبراهيم المصري: أزمة وقتية تتخطاها الإمارات قريبًا
- حسين صبور: فقاعة نمو عقاري متضخم انتهت بانفجار
- صلاح فهمي: الاستثمارات والعمالة المصرية تتأثر
- محمد النجار: دول الخليج أسرارها المالية في بئر عميقة
تحقيق- الزهراء عامر:
زلزال بدأ في سبتمبر عام 2008م، إلا أن توابعه ما زالت مستمرة، ويبدو أنها لن تنتهي في وقت قصير.. إنه زلزال الأزمة المالية العالمية التي أدت حتى اليوم إلى إفلاس ما يقارب من 120 بنكًا أمريكيًّا، وضربت أيضًا قطاع التأمين، وشركات التمويل العقاري.
وشهد يوم 25 نوفمبر الماضي بداية تابع من توابع هذا الزلزال، حيث أعلنت مؤسسة دبي العالمية عن تأجيل سداد ديونها للمؤسسات الدائنة التي تتراوح ما بين 80 و100 مليار دولار لمدة ستة أشهر، بعد إصابة سوقها العقاري بالركود والكساد.
وأشارت صحيفة "ذي جارديان" البريطانية إلى أن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة التي نشأت قبل عامين ماضيين ضغطت على فقاعات الاستثمار في أنحاء متفرقة في العالم من ضمنها بريطانيا، وأنه سرعان ما فجرت تلك الفقاعات الاقتصادية؛ لكن أثرها في انهيار العقار بمناطق أخرى كان بطيئًا، واستغرق وقتًا أطول حتى ظهر.
ومضت إلى أن من سمتهم المطورين الذين شيدوا ناطحات السحاب في دبي كانوا يعلمون بأنه من الصعب استغلالها أو ملؤها بالمستأجرين، وأن الخطر الأكبر قد يتمثل في نظرة البنوك العالمية إلى "القلاع شبه الخالية على رمال دبي"، بكونها لا تساوي أو تستحق تلك القروض الهائلة؛ ما ينذر بأن اقتصاد العالم أيضًا بات في وضع سيئ، وليس البنوك الغربية وحدها.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما سبب هذه الأزمة؟ وكيف يمكن احتواؤها؟ وهل من تأثير لها على سوق التمويل العقاري الناشئ في مصر أو على البورصة المصرية؟
![]() |
|
د. فادي خلف |
بدايةً يؤكد الدكتور فادي خلف الأمين العام لاتحاد البورصات العربية أن أزمة دبي كانت إحدى الهزات الارتدادية التي تبعت الزلزال الكبير؛ وهو الأزمة المالية العالمية التي كان لها دور أساسي في تراجع الأسواق العربية بنحو 66%، وعلى الرغم من استرداد الأسواق العالمية نحو 48% من خسائرها، إلا أن الأسواق العربية لم تستطع أن تسترد سوى 31% فقط من خسائرها.
ويوضح أن الأسواق المالية العربية قد تأثرت بشكل كبير بأزمة دبي؛ وذلك نتيجة لأن هذه الأسواق لم تكن تعافت واستعادت قوتها من آثار الزلزال الكبير.
ويقول: إن حركة البيع والشراء العشوائية التي تمت في البورصات العربية منذ تداعيات الأزمة كان لها مردود سلبي على البورصة العربية؛ وذلك لأن المستثمر عند حدوث الأزمات يحاول البحث عن فرص جديدة في بلد الأزمة؛ ليفاجئ الدولة باستثمار جديد، ونظرًا لعصر العولمة الذي نعيشه أصبحت الأسواق العربية مفتوحةً على العالم.
وطالب البورصات العربية بضرورة العمل على تطوير نفسها، وأن تقتفي بالبورصات الأخرى، ووضع العديد من التشريعات الجديدة التي تعمل على عمل ضبط ومراقبة هذه الأسواق؛ حتى لا تحدث أزمات أخرى، موضحًا أن الغرب أفضل في تشريعاته من الدول العربية، على الرغم من أن أسواقه المالية قديمة إلا أنه يوجد لديه مجلدات، جعلت 3 أشخاص يديرون 53 مليار دولار لمدة 30 عامًا بشكل منظم ودقيق.
وفيما يتعلق بالإجراءات اللازمة لتجنب الوقوع في مثل هذا الخطأ؛ أكد ضرورة مراقبة ما يحدث داخل شركات القطاع الخاص المتسببة في حدوث الأزمات، وتحديد وضع هذه الشركات، وتقديم معلومات صحيحة عن حالتها، بجانب العودة بالمستثمرين إلى الأساسيات الاقتصادية السليمة، وأن تكون الجهات الرقابية والأسواق المالية في حالة تحضر دائم لحدوث الأزمات، ووضع آليات موضوعية مسبقة للخروج منها، بالإضافة إلى مراقبة المشتقات المالية الحديثة على الأسواق.
أزمة شركة
ممدوح الولي
ويرى ممدوح الولي الخبير الاقتصادي ونائب مدير تحرير جريدة (الأهرام) أن هناك مشكلة تعاني منها دولة الإمارات؛ وهي استقلال كل إمارة من الإمارات السبع التي تمتلكها الدولة بمواردها ولا تدعم الإمارة الغنية الإمارة الفقيرة، موضحًا أن 90% من الموارد البترولية التي تمتلكها الدولة توجد في إمارة أبو ظبي، وفي المقابل لا تمتلك إمارة دبي أي موارد طبيعية فتلجأ إلى إعطاء مزايا ضريبة وإعفاء السلع الواردة إليها من الرسوم الجمركية.

وأشار إلى أن هذا الأسلوب التي تتبعه إمارة دبي دفع المستثمرين الأجانب إلى إقامة العديد من المشروعات الاستثمارية بجانب بناء مساكن ومكاتب إدارية لخدمة هذه المشاريع، وقامت هذه الشركات بالاقتراض من البنوك العالمية لبناء المشروعات، والتوسع فيها وتسديد القروض للبنوك في الوقت المطلوب.
أما فيما يتعلق بالأزمة الحالية، فيوضح الولي أن هذه الأزمة لم تكن وليدة اليوم؛ ولكنها ولدت مع بداية حدوث الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى تراجع وانخفاض معدل الاستثمارات إلى النصف، وقام البنك المركزي لدولة الإمارات بشراء سندات قيمتها 15 مليار دولار، وإعطائها لشركة "دبي العالمية" لاحتواء الأزمة.
ويضيف أن هناك العديد من الأسباب التراكمية التي أدت إلى التنبؤ وحدوث هذه الأزمة، تمثلت في رغبة دبي في التوسع المعماري لتغطية العجز في الموارد الطبيعية، وإنشاء جزر على أشكال "سعف النخيل"، بتكلفة تصل إلى ملايين الدولارات والاقتراض من البنوك لتوسعة هذه المشاريع، بجانب خروج المستثمرين الأجانب من البورصات الخليجية منذ مايو العام الماضي.
وأكد الولي ضرورة الفصل بين ديون حكومة دبي وديون الشركات، فحكومة دبي تمتلك 9 شركات من بينها شركتان تسببتا في حدوث الأزمة، موضحًا أن ديون الحكومة والشركات تصل إلى 80 مليار دولار، نصيب الحكومة منهم 10 مليارات دولار فقط، والباقي من نصيب الشركات، والمطلوب سداده في الوقت الحالي 7 مليارات دولار، والمستعجل 3.5 مليارات دولار قيمة قسط ديسمبر.
ويرى أن حالة القلق التي أصابت البنوك وبعض شركات التشييد والبناء الأوروبية والتركية والآسيوية؛ جاءت نتيجة تأجيل الشركات المقترضة سداد أقساط البنوك في المواعيد المحددة لسدادها إلى مايو 2010م، بدلاً من منتصف ديسمبر الجاري، وكل منهم خاف على مستحقاته.
ويشير إلى أن المشكلة محدودة ويمكن علاجها؛ لأنه عندما بدأت جميع البورصات على مستوى العالم دراسة الوضع وفهمه، وجدت نوعًا من الهدوء النسبي، وارتفعت أسعار البورصة المصرية، وبدأت آثار الأزمة تنكمش رويدًا رويدًا.
الأواني المستطرقة!
من جانبه، يرى الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد والعميد السابق لكلية العلوم الإدارية بأكاديمية السادات؛ أن تأجيل سداد الديون في الموعد المحدد لدفعها أمر طبيعي للعديد من الشركات الكبرى، في حالة وجود أزمات مالية تعاني منها هذه الشركات، ولكن ما أثار القلق بالنسبة لشركة دبي العالمية وشركة النخيل هو كبر حجم هذه الأموال، وعدم معرفة البنوك التي قامت بإقراض هذه الشركات؛ هل ستستطيع دبي سداد هذه المبالغ في مايو2010م أم لا؟
وأكد أن حالة الارتباك والتوتر كانت نتيجة طبيعية لكثرة الشائعات التي ظهرت بمجرد إعلان الشركة عدم قدرتها على سداد ديونها في ديسمبر؛ فكل الشركات الاستثمارية التركية والآسيوية انتابها الخوف على مستحقاتها في إمارة دبي، فحاولوا تأمين أموالهم دون وجود دراسة وفهم لطبيعة المرحلة.
وأكد أن هذه الأزمة بسيطة، ويمكن تداركها لقدرة شركات دبي العقارية لما لديها من استثمارات وأموال ضخمة على مستوى العالم، بجانب مساندة البنك المركزي الإماراتي لهم بتقديم تسهيلات سيولة، ودعم دولة الإمارات المتحدة لهم.
أما فيما يتعلق بتأثر البورصات الخليجية والعالمية والمصرية بما حدث؛ يقول المصري إنه نظرًا لكبر حجم استثمارات دبي على المستوى العالمي كان من الطبيعي أن تؤثر عليها، موضحًا أن البورصة مثلها مثل الأواني المستطرقة عندما يحدث ألمًا في أي جزء يضر بجميع الأجزاء فيها.
واختتم كلامه قائلاً: "إذا استمر الوضع على هذا المنوال دون وجود تحسن سريع سيؤدي هذا الأمر إلى وجود أزمة عالمية مرة أخرى، على الرغم من عدم انتهاء وشفاء الاقتصاد العالمي من الأزمة الماضية، مع العلم أن العلاج الاقتصادي لأي أزمة اقتصادية لا يكون ريعًا ولكن مدخرات الإمارات عالية جدًّا، وستتخطى هذه الأزمة بسرعة".
فقاعات فارغة!
م. حسين صبور
ويرى المهندس حسين صبور رئيس شركة الأهلي للتنمية العقارية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين؛ أن إمارة دبي لا يوجد لديها مقومات للنمو الاقتصادي؛ ولكنها امتلكت حسن التعامل مع العملاء والمستثمرين، وتوفير التسهيلات اللازمة لهم لبناء مشروعات سكنية، وامتلكت مراكز للتجارة؛ فارتفعت معدلات النمو بشكل ضخم، وأصبحت هناك فقاعة كانت لا بد أن تنفجر في يوم من الأيام، لأنهم قاموا بتقديم خدمات أكثر من قدرة الإمارة، بالإضافة إلى القروض الضخمة المستحقة عليها.

ويشير إلى أن القطاع العقاري في دبي خلال الأزمة المالية مر ببعض المراحل؛ أولها عودة أسعار العقارات إلى وضعها الحقيقي؛ مما أدى إلى خروج المضاربين العقاريين من الأسواق، بالإضافة إلى تراجع أسعار مواد البناء وكلفة البناء؛ وهذا الأمر فرض واقعًا جديدًا أدى إلى غربلة السوق العقاري؛ مما أدى إلى توقف تنفيذ كثير من المشاريع إما لعدم قدرة المطور على التنفيذ، وإما لعدم وجود جدوى من الاستمرار في تنفيذ المشروع.
وأدان صبور سعي المنشآت العقارية لتحقيق أرباح كبيرة بالتوسع في منشآت جديدة بجانب توسع الحكومة من خلال أذرعتها العقارية، بإنشاء أبراج وأعلى برج بالعالم، وإنشاء الجزر البحرية، وكلها بقروض ضخمة سواء من بنوك محلية أو خارجية، تبعًا للطلب العالي الذي شجع على التوسع والاستثمار بقوة كبيرة، ووضع مستويات التضخم مرتفعة جدًّا، وأصبحت مدينة المال والأعمال على غرار هونج كونج وسنغافورة وفرانكفورت.
فجوة سيولة!
ويرجع صلاح الدين فهمي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر؛ السبب الرئيسي لحدوث الأزمة إلى إقراض البنوك للشركات العقارية دون وجود وعود للدفع بنظام محدد يتم على أرض ثابتة، والتوجه إلى بناء العقارات على رمال متحركة، دون تحديد واضح لآجال السداد، بجانب خلق سوق وهمية مبنية على المضاربات وليس البيع على الخرائط.
ويشير إلى أنه تكونت فجوة سيولة نتيجة زيادة حجم القروض التي أدت إلى شلل عمليات الائتمان، وتوقف لعمليات الإقراض والتمويل فتوقفت المبيعات بشكل شبه كلي، وإلى عدم قدرة المطورين على الإيفاء بسداد التزاماتهم للمصارف التي اقترضوا منها، والمقاولين الذين جمدت أو تقلصت نشاطات العديد منهم، بسبب عدم حصولهم على دفعاتهم المتأخرة لدى المطورين.
ويرى أن شركات الإقراض تسببت في انهيار مجموعة دبي العالمية إلى الحد الذي أثر على الاقتصاد المحلي لدولة الإمارات، ومن ثم أثر على الاقتصاد العالمي، موضحًا أنه نظرًا لأن العالم يعيش عصر العولمة فتوالت الصدمات على الدولة.
وأكد أنه هناك فرق واضح بين مجموعة دبي التي تعاني من أزمة، وبين إمارة دبي؛ حتى لا يتصور البعض أن هناك أزمة ألمت بحكومة دبي، على الرغم من تدخل الحكومة والبنك المركزي لتخفيض حدة هذه الأزمة.
أما فيما يتعلق بتأثير الأزمة على الاقتصاد المصري؛ فيشير فهمي إلى أن هذه الأزمة ستؤثر بالسلب على الاقتصاد المصري بصورة غير مباشرة من حيث تأثر الاستثمارات المالية التي تقدمها دولة الإمارات في مصر التي تتراوح ما بين 14 و15 مليار دولار؛ لأنه قد يكون هناك جزء منها يقوم بسحب جزء من هذه الأموال لحل الأزمة، بجانب تأثر العمالة المصرية التي تعمل في دبي؛ مما يؤثر من وضعها والخوف من تسريحها.
مثلث الأزمة
"أزمة دبي أمر كان من المفروض إعلانها منذ أغسطس 2008م"، بهذه الكلمات بدأ محمد النجار أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة بنها، موضحًا أنها نتاج للأزمة المالية، إذ إنه في ظل العولمة المالية وتشابك المصالح على المستوى العالمي تنتقل الأزمات من دول إلى أخرى، بجانب أن إمارة دبي تعتبر مركزًا ماليًّا عالميًّا لجذب الاستثمارات العالمية أيضًا، بالإضافة إلى كونها منتجعًا سياحيًّا يجذب الملايين على مستوى العالم؛ فمن الطبيعي أن تنتقل الأزمة المالية العالمية إلى دبي كما انتقلت إلى غيرها.
ويوضح أن دول الخليج دائمًا أسرارها في بئر عميقة؛ ولذلك لم تكن هناك شفافية، فمثل ما حدث لها وكأنه أزمة أو زلزال على المستوى الخليجي.
ويشير إلى أن أزمة دبي مرتبة بالمثلث التابع للأزمة العالمية المتمثل في المصارف المقرضة والدولية، ونشاط عقاري محموم، وضعف سيولة للتمويل، مشيرًا إلى أن الموارد البترولية التي تمتلكها أبو ظبي، والتي تقف بجانب إمارة دبي جعلت البنوك عند إعطاء القروض مطمنئة، مثل اطمئنان البنوك إلى عميل استدان، ويوجد لديه ضمانات من العقارات.
ويشيد النجار إلى الإجراءات الجادة المتميزة التي اتخذتها حكومة دبي المتمثلة في إعلان شركة دبي العالمية وشركة نخيل طلبها من الدائنين تأجيل سداد الديون، بجانب تأكيد حكومة أبو ظبي أن المشكلة مشكلة شركة وليس حكومة؛ وذلك يعتبر تصرفًا فطنًّا منها لتوزيع مخاطر الموقف بين الدائنين والمدينين، بالإضافة إلى امتناع الحكومة بيع الأصول بأثمان منخفضة لسداد الديون، وضخ البنك المركزي سيولة للبنوك الوطنية والبنوك الأجنبية في الإمارات؛ فاكتسب ثقة المتعاملين.
