- البيطريون: فوضى الأسواق سبب الأزمة والحكومة "مهملة"
- د. محمد سيف: الحجر الصحي وراء دخول الحيوانات المصابة
- لمصلحة مَنْ إلغاء صلاحية 40 معملاً لتحليل اللحوم؟
تحقيق- الزهراء عامر:
في سبيلها لمواجهة الدعوة لمقاطعة اللحوم في مصر، بعد أن سجَّلت أسعارها ارتفاعًا كبيرًا، خاصة في موسم عيد الأضحى الماضي؛ قررت الحكومة استيراد اللحوم الفاسدة والمواشي من أماكن موبوءة.
وكشفت أزمة اللحوم الأخيرة عن مافيا جديدة تتاجر في اللحوم، استطاعت أن تحصل على موافقات حكومية لاستيراد حيوانات من مناطق موبوءة, ويحذر الخبراء البيطريون دومًا من الاستيراد منها لما ينتشر بها من أمراض؛ مثل الحمى القلاعية والوادي المتصدع والسل والجدري، وهو ما حدث في عام 2006م بعد استيراد مرض الحمى القلاعية من إثيوبيا من خلال إحدى الشحنات القادمة من هناك.
ووافقت هيئة الخدمات البيطرية على استيراد نحو 35 ألف رأس أغنام وأبقار حية من دولة جورجيا بالاتحاد الأوروبي، واستيراد حيوانات حية أخرى "أبقار وجمال وجاموس" من دول أفريقية كإثيوبيا وجيبوتي والسودان، بالإضافة إلى ما يتم استيراده من لحوم مذبوحة وحيوانات حية من دول أمريكا اللاتينية، والتي تقدر كمياتها- حسب رئيس هيئة الخدمات- بأكثر من 50 ألف طن، يتم طرحها في الأسواق المصرية سنويًّا.
وتؤكد الإحصاءات والأرقام الصادرة عن رابطة مستوردي اللحوم والدواجن؛ أن مصر تستورد سنويًّا نحو 250 ألف طن لحوم مجمدة و200 ألف رأس أبقار حية في المتوسط، كما يتم استيراد أكثر من %60 من اللحوم من دولة الهند و%30 لحوم برازيلية وكميات ضئيلة تستورد من عدة دول أخرى مثل أيرلندا، وأن هناك نحو 15 مستوردًا للحوم فقط في مصر، ويشكلون %90 من سوق استيراد اللحوم.
وحذرت مصادر بهيئة الخدمات البيطرية من الاعتماد على اللحوم المستوردة والحيوانات الحية التي تؤكد أن نصف اللحوم المستوردة بها شك في سلامتها وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.
![]() |
|
نصائح بمقاطعة كافة أنواع اللحوم المصنعة |
وكشفت عن أن معظم اللحوم المجمدة المستوردة من دول أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية؛ هي في الأصل مخزون إستراتيجي لهذه الدول، أي أنها مخزنة منذ فترات طويلة، والدول المصدرة تتخلص منها بتصديرها إلى مصر، وأن ما يتم وضعه من تواريخ صلاحية على الكراتين هي تواريخ "مضروبة".
ولم يكتفِ رجال الأعمال باقتحام الحياة الاقتصادية، بل زاد الأمر إلى اقتحام سوق اللحوم الخاصة بالجزارين؛ لامتلاكهم القدرة المالية والخبرة في التعامل، وكانت البداية المنظمة لقيام سوق قطاع خاص للحوم في منتصف عام 2005م، عند إبرام العقد بإنشاء أول شركة مساهمة مصرية تعمل بنظام المناطق الحرة الخاصة بميناء السخنة تحت اسم "شركة السخنة للثروة الحيوانية".
وعلى رأس المستوردين الذين قاموا بإدخال لحوم غير صالحة للاستخدام الآدمي كان رجل الأعمال محمد طه الذي يستورد باسم "شركة الحصن" من مجزر "mk"، ورجل الأعمال السكندري محمد جابر صاحب شركة "بلدي جروب"، ويستورد كميات كبيرة سنويًّا من مجزر "أمرون" بالهند، وكذلك مجزر "js إنترناشيونال"، ويعد جابر من بين قائمة المستوردين الذين صدر في شأنهم قرار إيقاف عن الاستيراد لمدة عام، وحظر التعامل والاستيراد من مجزر "جي إس" الهندي الذي يستورد منه، ونعيم ناصر صاحب شركة "الناصر للتوريدات" ويستورد لحساب مستورد كبير من الباطن، كما يستورد كل صفقاته من مجزر "أبوت"، وكانت آخر صفقاته من هذا المجزر في شهر مايو الماضي، واستورد نحو 112 طنًّا بمعدل 5600 كرتونة، كما يستورد نعيم ناصر من مجزر هندي آخر يُدعى "الكبير".
بالإضافة إلى سمير سويلم صاحب شركة "أكشن"، ويستورد من مجزر "جي. أي. أي" الهندي، وسيد الظاهر، ويستورد من مجزر "هند أجرو"، و"سيلفر روماني"، ويستورد من مجزر "أندواجرو"، وهناك سامي شاهين صاحب شركة تدعى "هانذادة"، ويستورد من مجزر النور في الهند، وسيد شلبي ويستورد من مجزر "القريش" للتصدير، ورجل الأعمال الشهير محمد رجب صاحب مجموعة محال سوبر ماركت "أولاد رجب"، ويستورد من مجزر يسمى "فريجير وكونسيرف"، ومن ضمن قائمة رجل الأعمال أحمد عبد الفتاح صاحب أضخم سلسلة لبيع منتجات ومصنعات اللحوم، ويطلق عليها "صلاح وعبد الفتاح" ويستورد عبد الفتاح من مجزر "فريجور ريفكيو ألانا"، ويقع مصنع عبد الفتاح في المنطقة الصناعية بالعباسية.
ومع هذا الواقع الذي تعاني منه أسواق اللحوم إلا أن هيئة الطب البيطري تعجز عن الوصول إلى حل جذري؛ لمواجهة هذه الأزمة بجانب عدم وجود تشريع يعمل على ضبط الأسواق من التلاعب بالأسعار صعودًا وانخفاضًا؛ لتبقى التساؤلات حول سبب الإصرار على التعامل مع هؤلاء المستوردين وهذه الشركات رغم تاريخها الأسود؟ وهل هناك قواعد تحكم استيراد وبيع هذه اللحوم؟ وما مخاطرها على المواطنين؟
الفوضى
ارتفاع أسعار اللحوم أدى إلى ضعف الإقبال عليها
يرى محمد الباجس الاستشاري ومدير عام الإرشاد البيطري بوزارة الزراعة سابقًا؛ أن معضلة نقص اللحوم نتيجة الفرق الكبير بين الإنتاج والاستهلاك تجعل البعض يلجأ إلى الاستيراد لتغطية العجز، وذلك أمر من السهل تخطيه والسيطرة عليه، وإيقاف عملية استيراد الحيوانات من الخارج عن طريق القيام بأمرين:

الأول: قيام هيئة الطب البيطري بمنع ذبح العجول الصغيرة التي لا يتجاوز وزنها 50 كيلو جرام، وتبلغ 400 ألف عجل، وتأخير ذبحها إلى اكتمال نموها، ووصول وزنها إلى 400 كيلو جرام.
والأمر الثاني: هو القيام بعلاج مشكلة العقم المؤقت التي تصيب الجاموس؛ مما يؤدي إلى ضياع ما يقرب من 25% من الإنتاج الحيواني أي بمعدل 3 ملايين عجل سنويًّا.
ويصف الحالة التي وصل إليها سوق اللحوم "بالفوضى العارمة" من استيراد اللحوم الممنوعة دوليًّا، وبيعها في الأسواق المصرية، بجانب تحكم التجار في أسعار اللحوم وظهور ما يطلق عليهم "سماسرة اللحوم"؛ مما أتاح لشركات استيراد اللحوم فعل ما تشاء من إحضار نفايات "أوروبا وأمريكا اللاتينية، والهند، وإفريقيا"، رغم أن هذه المناطق المصابة بالوباء محرم الاستيراد منها عالميًّا.
ويقول إن من أبرز هذه الشركات شركة يرأسها لبناني أسترالي، ويقوم بإدارتها أردني الجنسية، ويعمل العديد من قيادات الطب البيطري مستشارين لديها، وهي تتولى الحيوانات منذ استيرادها حتى تحويها إلى لحوم، وإعطاء السوق المصرية نصف الإنتاج، وتصدير النصف الآخر للخارج، بالإضافة إلى وجود شركة أخرى التي تقوم باستيراد اللحوم تحت علم جيبوتي التي لا تمتلك ثروة حيوانية، وتقوم باستيراد اللحوم من الصومال وإثيوبيا وبعض المناطق المحيطة التي يمنع الاستيراد منهم.
ويتهم الباجس الحكومة بالتواطؤ مع هذه الشركات التي تعمل في مجال الثروة الحيوانية منذ السماح لدخول رجال الأعمال المصريين إلى سوق اللحوم في مصر، والسماح للمستثمرين الأجانب الدخول إلى الأسواق، والتحكم في كل شيء بأموالهم ونفوذهم، واختراق القوانين حتى أصبح هناك سوق خاصة لرجال الأعمال.
وتساءل الباجس: "لماذا شركة السخنة للثروة الحيوانية هي الوحيدة التي تتعامل معها وزارة الزراعة؟، فهذا يدل على وجود نوع من الشراكة، وقد تجلى هذا في استخدام اسم الهيئة بكل تعاملاتها، وعلى لافتات "الشوادر" التي قامت ببيع لحوم الشركة لأسبوعين، ثم اختفت لتتحول إلى المحلات ومراكز التسوق الكبيرة، بالإضافة إلى الخطاب الذي أرسله رئيس الشركة لرئيس الهيئة، طالبًا استخدام الشركة لمجزر السويس؛ مما يستلزم وجود شهادة تحمل جميع البيانات أمام مشتري اللحوم الخاصة بالشركة، مع اقتراح بصيغة ونموذج لشهادة تلصق بعبوات اللحوم، تؤكد إنتاجها تحت إشراف هيئة الطب البيطري مع تاريخ الذبح.
وأما فيما يتعلق بشأن اللجان التي ترسلها وزارة الزراعة للكشف عن الحيوانات؛ فيؤكد الباجس بأنها لجان شكلية الغرض، منها تحقيق الانتفاع من وراء السفر، وهذه اللجان غير متخصصة، وخير دليل على ذلك أن رئيس الهيئة الحالي المنتدب من جامعة إسفينا لم يمارس الطب البيطري طوال حياته.
ويختتم كلامه قائلاً: "إنه من الممكن الوصول إلى حل لهذه المشاكل بالاستعانة بالمتخصصين فنحن لدينا 1500 طبيب مجازر، لا يسافر منهم أحد وقد تمَّ علاج ذلك في الستينيات في عهد عمالقة الطب البيطري وحيد راعون، وحلمي زكي، وإبراهيم راعون".
على الورق
د. محمد سيف
ويؤكد محمد سيف أستاذ الطب البيطري بجامعة بني سويف أن إتمام صفقة مع بلد يظهر بها مرض السل؛ سوف يؤدي إلى انتشار المرض في عموم المجتمع المصري، وكل من يتناول هذه اللحوم يُصاب بالسل، ويُبنى في جسده بؤرة سلبية لهذا الأمر قد تنشط في جسده بعد فترة ما.

ويضيف أن المجتمع المصري الآن يعاني من أخطر ثلاثة أنواع لمرض السل؛ وهي السل البقري، والسل الآدمي، وسل الطيور، ويعتبر السل البقري من أخطر الأنواع الذي بدأ ينشط في مصر نتيجة انخفاض وقلة المناعة، موضحًا أن منظمة الصحة العالمية اليوم تحذر من ظهور نوع من السل يقاوم المصل المعالج له، وذبح الحيوانات خارج المجاز يساعد على انتشار هذا المرض.
ويشير إلى أن هناك أربعة أشكال للسل؛ هي السل الرئوي، والسل المعوي، والسل الذي يصيب الجلد، والسل الذي يصيب العظام.
ويوضح أن مسئولية اللجان الخاصة التي ترسلها الوزارة هي فحص الحيوانات من الدول المصدرة، والتأكد من خلوها من الأمراض الخطيرة، وحجز الحيوانات القادمة من الخارج في الحجر الصحي لفترة ما بين 21 يومًا 30 يومًا؛ حتى تنتهي فترة الحضانة للمرض، والتأكد من خلوها من المرض، أما إذا دخلت عينات مصابة فهذا دليل على أن اللجان لا تعمل، أو أن الحجر الصحي تم على الورق فقط.
مصلحة شخصية
د. أحمد الخولاني
ويرى النائب أحمد الخولاني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن إصرار الحكومة على التعامل مع شركات اللحوم التي لها تاريخ أسود، لا يعني سوى أنه يصب في مصلحة أشخاص وفئات بعينها، رغم أن هذه الحيوانات تكون محملة بالعديد من الأمراض، ولديها مناعة مؤقتة للتغلب على المرض، وعند اختلاطها بالحيوانات المصرية تصيب الحيوان لقلة المناعة المقاومة، ويدين عملية تهريب الحيوانات المخصصة للذبح من المجازر بزعمهم إنتاج سلالة جديدة وبيعها بأضعاف أضعاف أثمانها؛ مما يؤدي إلى زيادة نقص الكمية المطلوب توريدها إلى الأسواق؛ ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم، بالإضافة إلى انتشار بعض الأمراض بين الحيوانات، وقد تنتقل إلى الإنسان، موضحًا أن هؤلاء الأشخاص هدفهم الرئيسي هو الحصول على أعلى ربح ممكن؛ حتى ولو كان على حساب حياة الأبرياء من المواطنين.

وتساءل النائب قائلاً: "لمصلحة من يتم إلغاء صلاحية أكثر من 40 معملاً لتحليل اللحوم التي تُباع للمواطنين في الأسواق، مؤكدًا أن هذا الواقع المأسوي لن ينتهي إلا في حالة وجود حكومة وطنية حريصة على مصلحة الشعب وصحة المواطن المصري، وليس حكومة رجال أعمال.
أرخص العروض
د. مصطفى عبد العزيز محمد
وعلى النقيض يرى مصطفى عبد العزيز نقيب الأطباء البيطريين أن مبدأ استيراد اللحوم أمر واقعي ولا مفر منه؛ لسد العجز المحلي للحوم، موضحًا أن الهيئة تأخذ بعض الإجراءات الصارمة لتفادي تكرار نفس الأخطاء.

ويقسم عبد العزيز أنواع اللحوم التي يتم استيرادها إلى نوعين؛ وهي إما أن تكون هذه اللحوم سليمة ومعافاة من الأمراض، وفي هذه الحالة تكون أفضل حتى من اللحوم البلدية، وإما أن تكون غير سليمة، وبالتالي فهي تتسبب في الكثير من الأمراض للإنسان خاصة مع انتشار الفيروسات في هذه الأيام.
ويؤكد أن تعامل وزارة الزراعة مع شركات استيراد اللحوم يكون بناءً عن العروض والخدمات التي تقدمها كل شركة، وفي النهاية تقارن الوزارة بين العروض، وتختار أرخص الأسعار.
ويشدد على ضرورة التقدير لأهمية المشكلة التي يمر بها العالم اليوم؛ خوفًا من وجود وباء يبيد العالم، فلا داعي للتعامل مع الشركات التي لها تاريخ ملوث، وفي حالة حدث ذلك سيهدد الثروة الحيوانية.
وينتقد عبد العزيز ما يقوم به بعض المسئولين من ترويج إشعاعات، وادعاءات ليس لها أي أساس من الصحة، وكل ذلك لإثارة الرأي العام، وزيادة الخوف والرعب للمواطنين.
لحوم مجمدة
ويستنكر فاروق الدسوقي رئيس الجمعية البيطرية المصرية قرار استيراد الحيوانات من الخارج حية، على الرغم من أن المنظمة العالمية لصحة الحيوان تحرم استيراد الحيوانات حيه لما تحمله من أمراض.
ويشدد قائلاً: "إنه في حالة الحاجة الملحة لاستيراد اللحوم من الخارج؛ فلا بد أن تأتي مذبوحة ومجمدة من مجازر الدولة المصدرة، والتأكد من أن اللحم خالٍ من الأمراض التي تضر البشرية.
ويشير إلى أن كل الأوبئة والأمراض المشتركة بين الحيوانات والإنسان التي وردت إلى مصر دخلت عن طريق استيراد الحيوانات الحية، وفي حين مصر لم تكن متوسعة في استيراد الحيوانات مثل اليوم.
ويؤكد أن استيراد مثل هذه الحيوانات يمثل خطورة على الثروة الحيوانية، فهناك ما يقرب من 250 مرضًا مشتركًا بين الإنسان والحيوان، بعضها مميت، والبعض الآخر مدمر للصحة البشرية، وبعضها لا علاج له، وهذا الأمر فيه خطورة قائمة على مصر.
ويوضح أمير الكومي رئيس جمعية حماية المستهلك أن الأسعار العالمية للأعلاف واللحوم انخفضت بنسبة 60% منذ بداية الأزمة العالمية؛ ولكن التجار المصريين لم يقوموا بتخفيض هذه الأسعار، بزعمهم أنهم يبيعون المخزون الذي لديهم، وهذا دليل على أن الحكومة لا تقوم بدورها في ضبط ومراقبة الأسواق وتوجيه الجمعيات الاستهلاكية.
ويلقي الكومي بالمسئولية الكاملة على وزارة التموين في وضع حد أقصى للأسعار، ومحاربة ظاهرة احتكار اللحوم، موضحًا أن جمعية حماية المستهلك ستقوم بعمل كتيب خاص بالشركات الاحتكارية التي تمت إحالتها للمحاكمة؛ لفضح هذه الشركات والحد من التعامل معها.
