قضيت في حيدر أباد- الهند أربعة أيام، ورغم زياراتي المتكررة للهند؛ لكن هذه أول مرة أزور حيدر أباد، فلقد عجبت لأول وهلة من كثرة المساجد والمآذن منذ نظرت من الطائرة، ثم تجولت في شوارعها، ورغم أن المآذن رفيعة تناسب رقة الحال؛ لكنها تدل على عمق التدين لدى مسلمي الهند في حيدر أباد، ثم رأيت الحجاب فاشيًا والنقاب منتشرًا بشكل لم أره في مدينة أخرى من مدن الهند، بل في بعض عواصمنا العربية والإسلامية.

 

وزرت جامعة عائشة نسوان- هكذا تُسمى- وألقيت محاضرة في ألفين من الطالبات كلهن بالنقاب، وانتقلت إلى جامعة البنات في محاضرة أخرى؛ 95٪ من الطالبات منتقبات والبقية محجبات، ولا توجد واحدة متبرجة، دون أن تصدر الحكومة الهندية العامة- غير المسلمة- أو حكومة الولاية في حيدر أباد قرارًا بمنع البنات منُ دخول الجامعة بالنقاب، كما حدثت الزلة الكبيرة من مشيخة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بمنع المنتقبات من دخول الجامعات؛ وهي غفلة عن محاربة رذيلة وجريمة وكبيرة، التبرج، المقطوع بحرمته دلالةً وثبوتًا، والتفرغ من هموم الأقصى وغزة وفلسطين والعراق وأفغانستان ومحاربة فضيلة أو فريضة.

 

قلت: سبحان الله!! هل جاء الزمان الذي تحترم فيه بريطانيا أن تستلم الطالبات المنتقبات شهاداتهن في حفل كبير وهن منتقبات؟!

 

وفي الهند رأيت منتقبات بالآلاف في الشوارع والجامعات، أو يركبن خلف الزوج أو الأخ في حشمة وقوة وصبر وجلد وعلم وعمل، بل جاءت ثلاثة أرباع الأسئلة من الطالبات المنتقبات عن المسجد الأقصى، وكيف نصل عمليًّا إلى حمايته وتحريره، بينما انشغلت قنواتنا الفضائية وجرائدنا الرسمية بتأييد موقف شيخ الأزهر أو خلافه، ونسوا أن اليهود الصهاينة لم يقفوا أمام هذه الشكليات، بل حصدوا أعلى المراكز في جائزة نوبل، بينما نحن نُقسِّم المقسَّم، ونُفرِّق المُفرَّق حول مكملات، وقد صدق الشاطبي عندما قال: "إذا اختلَّ الضروري اختلَّ كل حاجيٍّ أو تحسينيٍّ، أما إذا اختل التحسيني فلا يلزم اختلال الحاجي والضروري".

 

فيا قوم.. عندنا ثلاث مصائب تحتاج إلى وحدة الجهود المخلصة لحلها؛ هي: الجهل، والفقر، والتخلف الحضاري؛ فإن وضعناها ضروريات وحاجيات فلن نتوقف يومًا أمام التحسينيات والمكملات.

 

من أجل هذا بدأ سيدنا لقمان الحكيم في وصاياه لابنه: يا بني لا تشرك بالله، ثم تحدث عن بر الوالدين، ثم الصلاة، وكان آخر شيء ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) (لقمان: من الآية 19) فلو عكسها لقمان- كما نفعل- لما كان لقمان ولا كان حكيمًا!!.

--------

* www.salahsoltan.com