أستاذنا الدكتور محمد فريد عبد الخالق.. الرجل الذي بلغ الرابعة والتسعين من عمره، حصل على درجة الدكتوراه من كلية الحقوق بالقاهرة، وهذا النبأ السعيد نشر في الصحف مفصلاً، لذلك لن أعيد القول فيه، ولكنني أمضي في مسيرتي التي سعدت بمعرفة هذا الرجل العظيم.

 

وقد كان أول لقاء على البعد في أحد أيام سنة 1951م إذ كان مجلس النواب الذي يمثل الأغلبية فيه حزب الوفد.. في وزارة مصطفى النحاس باشا يناقش قانونًا جديدًا للجمعيات، كان الهدف منه تضييق الخناق على الجمعيات والجماعات، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، واتفق الإخوان سرًّا على التظاهر أمام مجلس النواب، وكانت الخطة كالآتي:

يسير الإخوان فرادى في شارع القصر العيني، والشوارع الجانبية الأخرى المؤدية إلى مجلس النواب، وقام سعد الدين الوليلي- رحمه الله- وهو محمول على أكتاف أخوين، حينما اقترب من مجلس النواب بهتاف "الله أكبر ولله الحمد"، وكانت هذه إشارة بدء الزحف، فانطلق الإخوان بالآلاف نحو مجلس النواب، وحمل بعض الإخوان الأستاذ فريد عبد الخالق على أكتافهم، وألقى خطبة تعلن رفض الأمة لقانون الجمعيات، فخرج مسئولون في مجلس النواب ودعوه وبعض الإخوان إلى الدخول، وشرح مطالبهم، فاستجابوا، وسقط قانون الجمعيات.

*****

وتمضي سنوات، وأتخرج في دار العلوم مدرسًا، وكان من تلميذاتي النجيبات "جليلة محمد فريد عبد الخالق"، فقد درست لها من أربعين عامًا تقريبًا، والآن أسعدني أبوها إذْ أخبرني  بأنها صارت أمًا، بارك الله فيها، وبارك الله لها ولأسرتها.

*****

ثم بيني وبين الدكتور ما أستطيع أن أسميه "أخوة الأدب"، فقد كان يخصني بما ينظمه من شعر قبل أن ينشره في الناس، وكل شعره فيه روح الشباب، وصدق العاطفة، وسلامة البناء، بعيدًا عن التكلف والتصيد.

 الصورة غير متاحة

 د. جابر قميحة

 

هذا غير أخوة الإسلام، فقد جمعتنا دعوة واحدة هي دعوة الإخوان المسلمين، والرجل بإجماع كل مَن عرفه كان له دوره الفعال في الجهاد والعمل لصالح الدعوة.

 

ودعوة الإخوان بحمد الله كانت وما زالت تجمع مئات الألوف من الشباب والكهول والشيوخ يوحدهم هدف واحد، وعمل يُقصد به وجه الله، والانتصار لدينه.

 

وفي تاريخ المسلمين شيوخ من كبار السن كان لهم جهدهم وجهادهم الذي لا يقل  عما يبذله الشباب من جهد، وما يقدمونه من تضحيات في سبيل الانتصار لدينهم.

 

والدكتور عبد الخالق في مسيرته الطويلة وحرصه على الحصول على درجة الدكتوراه في موضوعه النبيل يقدم لنا عطاءً ثرارًا ينفعنا في ديننا ودنيانا، ومنه الصبر على ما يلقاه الإنسان- وخصوصًا الداعية- من مصاعب ومتاعب ومشاق في حياته، فـ"الصبر ضياء"، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران)، وقال تعالي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ (البقرة).

 

والرجل قُبض عليه عدة مرات، فقضى في السجون بضع سنين، قضاها صابرًا محتسبًا، لا يعرف الوهن ولا الاستسلام.. كتب الأستاذ أحمد أبو شادي: أثناء وجودنا في المعتقل عام 1955م كانت المحنة شديدة علينا، وخصوصًا بعد إعدام مجموعة من خيرة الإخوان، إلا أنني أذكر أن الأخ محمد فريد عبد الخالق ألقى كلمةً رائعة، قال فيها: "هذه المحنة هي منحة من الله عز وجل، فقد جاء بنا الله إلى هذا المكان لنتربى كما تربَّى موسى في حِجْر فرعون".

*****

ويرتبط بالصبر قيمة أخرى هي قوة الإرادة، وهي تعني التصميم بالعمل الجاد والمثابرة على أن ينال الإنسان ما يحرص على تحقيقه مهما كلفه ذلك من تضحيات، وقد قال الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارًا = تعبت في مرادها الأجسامُ

 

وفي ماضينا المجيد شيوخ صبروا وصابروا، وأرادوا وأصروا، وحققوا ما حرصوا عليه، ومنهم أبو أيوب الأنصاري- رضي الله عنه-: فقد أبى إلا أنْ يموتَ على ظُهورِ الجيادِ الصافِنَاتِ غازيًا في سبيل اللّه.. وسِنُّه تقارب الثمانين.. فعاش طولَ حياتِه غازيًا حتَّى قيلَ: إنَّه لم يتخلّفْ عن غَزْوةٍ غزاها المسلمون مُنْذُ عَهْدِ الرسولِ- صلى الله عليه وسلم- إلى زَمَن معاويةَ إلا إذا كان مُنْشَغِلاً عنها بِأخْرَى.

 

وكانت آخِرُ غزواتِه حينَ جَهَّزَ مُعـاويَةُ جَيشـًا بِقِيَادَةِ ابنهِ يزيدَ، لِفَتْح القُسْطنطينيَّةِ، وكان أبو أيوبَ آنذاك شيخًا طاعنًا في السن يحبو نحو الثمانين من عُمُرِه، فلم يَمْنَعْه ذلك من أنْ يَنْضوي تَحْتَ لواءِ يزيدَ، وأنْ يَمْخُر عُبابَ البَحر غازيًا في سبيل اللّهِ، لكِنَّه لم يَمْضِ غيرُ قليلٍ على منازَلَةِ العَدُوِّ حتَّى مَرِض أبو أيوبَ مَرَضًا أقْعَده عن مُوَاصَلَةِ القتالِ، فجاء يزيدُ لِيَعودَه وسألهَ: ألكَ من حاجَةٍ يا أبا أيوبَ؟.. فقال: اقرأ عَني السلامَ على جنودِ المسلمين، وقُلْ لهم: يوصيكم أبو أيوبَ أن تُوغِلوا في أرضِ العَدُوِّ إلى أبعدِ غايةٍ، وأن تَحْمِلوه مَعَكُم، وأن تَدْفِنوه تَحْتَ أقدامِكم عِنْدَ أسوار القُسْطَنْطينية. ولَفَظَ أنفاسَه الطاهِرَةَ.

 

استجابَ جندُ المسلمين لِرَغْبَةِ صاحبِ رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، وكرّوا على جُنْدِ العدوِّ الكَرَّة بَعْدَ الكرَّةِ حتَّى بلغوا أسْوارَ القُسْطَنْطِينيةِ وهم يَحْمِلون أبا أيوب معهم، وهناك حفَروا له قبرًا ووارَوْهُ فيه، وفي عام  1453م استطاع الخليفة العثماني محمد الثاني (الفاتح) أن يفتح القسطنطينية، واكتسح الأمبراطورية البيزنطية، وبني مسجدًا بجوار قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

 

هذا، وقد نظمتُ قصيدةً طويلةً ألقيْـتُُها يوم 25/8/1993م في مؤتمر رابطة الأدب الإسلامي العالمية المنعقد في "إستانبول" بتركيا، عنوانها "حديث عصري إلى أبي أيوب الأنصاري"، وكانت بدايتها:

يا أبا أيـوبَ والإسـلامُ قُـــرْبــى وانْتســـابُ

قد أتيناك ففي اللُّقــيا اغتنــامٌ واكتســـــابُ

نتملَّى أرض مجـدٍ يزدهي فيهـا الخطــابُ

 

ومنها:

إنه المسلمُ- حقًا- سيفُ حقٍ أو شِهـــابُ

في سبيل الله يحيا، لا نفـــاقٌ لا كِــذابُ

مصحف يمشي, عليه مَن تقى الله ثيـــابُ

سيفُهُ- إن يَبغِ باغٍ- هو للباغي عِتـــابُ

هكذا كنتم- أبا أيوبَ- والغرُّ الصحـــابُ

دررًا زانتْ جبينَ الدهْرَ شيبٌ وشبـــــابُ

شابَ فَوْداكَ- من الدهر- وما في الشيبِ عابُ

لم يكن يُحْسَبُ بالسنِّ مشيبٌ أو شبــــابُ

ليسَ بالشبانِ من هانُوا إذا حطَّت صِعـــابُ

 

لقد ذكرت من قبل أن بيني وبين الدكتور ما أستطيع أن أسميه "أخوة الأدب"، فقد كان حريصًا على أن يهدي إليَّ ما ينظمه من شعر، وكل شعره فيه روح الشباب، وصدق العاطفة، وسلامة البناء، بعيدًا عن التكلف والتصيد. وآخر ما  أهدانيه ديوانه "مرثيتي الباكية في زوجتي الشهيدة الغالية" يرثي فيه زوجته السيدة الفاضلة المجاهدة كوثر الساعي، في مطولة تائية استغرقت الديوان كله، وهي تتدفق بالحب والوفاء والحكمة والإيمان والتسليم بقضاء الله.

 

وزمانيا يأتي هذا الديوان ثالث ديوان اقتصر على رثاء الزوجة، فقد سبقه ديوان: "أنات حائرة" الذي نظَّمه عزيز أباظة وصدر سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة وألف (1943)، وكل قصائده في رثاء زوجته التي توفاها الله قبل ذلك بعام، والديوان يكاد يكون ترجمةً نفسيةً للزوجة الحبيبة، وهو تصوير أمين صادق لأثر هذا الغياب الأبدي في نفس الشاعر ونفوس الأهل والأحباب.

 

أما الديوان الثاني الذي اختص برثاء الزوجة فهـو ديوان "من وحي المرأة" للشاعر عبد الرحمن صدقي الذي كانت وفاة زوجته الشابة المثقفة صدمة عاتية له، وفيه يُصوِّر بعد فراقها عذابه ووحدته في بيته، ويجتر ذكرياته الطيبة معها، والمشكلات التي خلَّفها فقد زوجته.

 

وفي هذا المقام أحيي الدكتور محمد عمارة والدكتورة نهى الزيني والدكتور محمود خليل على مقدماتهم الطيبة التي حلي بها صدر ديوان أستاذنا الكبير.

*****

إن حصول أستاذنا الكبير على درجة الدكتوراه في هذه السن يعد حدثًا عالميًّا سُجِّل في موسوعة "جينس"، وهذا ما يجعلنا- نحن أبناءه وتلاميذه وإخوانه- نفخر به، وبالقيم التي دفعته لهذا الإنجاز، وأسأل- وأنا أشعر بالمرارة- أين وسائل إعلامنا المسموعة والمقروءة والمرئية؟!. آه لو كان أستاذنا واحدًا من الحزب إيَّاه لسُلطت عليه كل الأضواء بلا كلل ولا ملل، وعلى كل حال فإن هذا لا يهمه في قليل أو كثير.

 

وأجدني أخاطب العقلاء من هذه الأمة... يا سادة أكرموا الرجل، ففي إكرامه إكرام لمصر، وأرى أن أبسط مظاهر التكريم تكون كما يأتي:

1-  إطلاق اسمه على قاعة من قاعات كلية الحقوق.

2- نشر أطروحته على نطاق واسع حتى يفيد منها الطلاب والدارسون.

3- رصد جائزة سنوية باسم الدكتور محمد فريد عبد الخالق لأحسن كتاب أو بحث في الشريعة والقانون.

4- كتابة سيرته ومظاهر جهاده وكفاحه، والدروس التي يمكن أن يفيدها الشباب من كل أولئك، مصوغة في موضوعٍ محبوك، يقرر في مادة القراءة لأحد صفوف المرحلة الإعدادية، أو الثانوية.

 

أطال الله في عمرك يا أستاذنا الكبير، ونفع بك وبعلمك وجهادك الإسلام والمسلمين والعرب والمصريين.

------------------

* gkomeha@gmail.com