أحب أن تكون علاقتنا بالشيخ حمدي عبد الغني- رحمه الله- ليست تعبيرًا انفعاليًّا مؤقتًا ينتهي بانتهاء أيام العزاء, ولكنها علاقة حب ودعوة راسخة في الوجدان؛ لأنها في الله ولله، وما كان لله دام واتصل؛ لذلك فهي علاقة ممتدة ضاربة عبر الزمن في طريق الأنبياء والمرسلين والدعاة المصلحين ومواكب حاملي مشعل الهداية لرب العالمين؛ لذلك فهي علاقة موثقة برباط الدين والدعوة كما هتف بها سيدنا أبو بكر "مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، فقد أحب الجميع الشيخ حمدي لأنه يمثل قدوةَ الدعاة العاملين في الإيمان والعقيدة, وفي العبادة والشعائر, وفي الأخلاق والسلوك, وفي الدعوة والحركة من أجل التمكين لدين الله في واقع الناس، وأقدم نبذة شديدة الاختصار لمَن لا يعرف الشيخ رحمه الله.

 

النشأة

نشأ فضيلة الشيخ حمدي عبد الغني في عزبة العطوية في قرية البصارطة بمحافظة دمياط يتيمًا, تكفلت أمه- رحمها الله- برعايته مع إخوانه, كان يعمل فلاحًا في الأرض الزراعية مع خاله, ولاستقامته أحب القرآن الكريم فأتمَّ حفظه في مطلع شبابه.

 

المثابرة في طلب العلم

حرص بعد ذلك- رحمه الله- على استكمال دراسته في الأزهر الشريف فحصل على شهادة حفص في القرآن الكريم، ثم عالية القراءات، ثم أنهى دراسته بكلية أصول الدين, وكان يتمنى أن تكون في الأزهر كلية لعلوم القرآن وكان من ضمن المطالبين بها حتى أضيفت لكليات الأزهر، ثم التحق بالدراسات العليا، وقد تم تعيينه إمامًا وخطيبًا في وزارة الأوقاف وقد عمل لفترة في المملكة العربية السعودية، وتم اختياره عن طريق مسابقة على مستوى وزارة الأوقاف ليكون مرشدًا دينيًّا لحجاج محافظة دمياط.

 

كل هذه المسيرة التعليمية وهو أب لأسرة كبيرة يقوم معها بواجباته الوالدية في الرعاية والتربية والتوجيه؛ حتى حفظ معظم أبنائه القرآن الكريم.

 

رجل قرآني

تأثر فضيلة الشيخ حمدي بالقرآن حفظًا وتلاوةً وفهمًا وتدبرًا؛ مما أضفى عليه طهارة في القلب وزكاة في النفس وسموًا في الروح واستقامةً في الجوارح والسلوك, فكان بحق رجلاً قرآنيًّا ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾؛ فكان رحمه الله يتصف بالبشاشة والحنو والرحمة ولين الجانب والتواضع والتبسط مع الجميع, والصبر على محنة الاعتقال في سبيل الله، وعلى الابتلاء بالمرض في آخر حياته، والصبر على كل العقبات التي واجهته في طريق دعوته.

 

ومن صفاته الكرم والبذل في سبيل الله؛ فقد كان بيته مفتوحًا للجميع, وقد بادر بالتبرع بأرض أول معهد أزهري في البصارطة هو وبعض جيرانه.

 

استشعاره المسئولية الفردية نحو الأمة

لم يكن الشيخ حمدي إمامًا موظفًا بل صاحب دعوة ورسالة يعمل بالإسلام ويعمل له, أوقف حياته وبيته من أجله, يحب أن يقوم بحق الله وبحق عباده, فهو كان من دعاة الإسلام والإصلاح الذين وضعوا على عواتقهم أحمال المجتمع والأمة الإسلامية؛ فدفعه ذلك إلى الحركة الدائبة والتفكير المتصل للعمل والدعوة؛ فأخذ يؤم الناس في الصلاة بصوته العذب وتلاوته المؤثرة, وأحيا صلاة التراويح مع إخوانه بالقرآن الكريم كاملاً في رمضان وصلاة التهجد, وأخذ يدعو إلى الله وينشر الفهم الشامل للإسلام دون إفراط أو تفريط في كل المناسبات في خطب الجمعة والدروس والأفراح والاحتفالات و..إلخ

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقد أسهم في نشر حفظ القرآن الكريم حيث حفظ على يديه ثلة من الشباب القرآن الكريم، كانوا هم ركائز الكتاتيب وحلقات التحفيظ في المساجد.

 

رائد اجتماعي وقائد جماهيري

فقه الشيخ حمدي الإسلام وتوجيهات الرسول؛ فكان يخالط الناس وهو في نشأته واحد من الناس وقريب من الناس يعرف مشكلاتهم واحتياجاتهم يدرك عُرف المجتمع, فانطلق من واقع اجتماعي متعايش معه يوجه ويرشده بالتدريج ليتوافق مع الإسلام, فسعى في الصلح بين الأزواج, وحل مشكلات الإرث بين العائلات, وسعى في حوائج الناس, وأسهم مع إخوانه في تحقيق معاني التكافل والمساندة للفقراء والأرامل وتزويج البنات وخاصة اليتامى والفقراء. فاختاره الناس قيادة اجتماعية شعبية بأفعالهم وثقتهم فيه حتى تم مثلاً بناء المعهد الأزهري.. إلخ، ولم يشغله ذلك عن تربيته لأولاده بنين وبنات تربية صالحة ليحملوا لواء الدعوة من بعده وليكون بيته بيت دعوة وقدوة.

 

الخاتمة..

كان رحمه الله يحبه الجميع من كل الاتجاهات ويقدرونه لعلمه وخلقه وفضله، ولم يختلف عليه أحد إلا حاسد أو حاقد, وخروج الآلاف في جنازته خير دليل على ذلك, ودليل على أن الدعاة العاملين المخلصين هم القادة لمجتمعاتهم.

 

الشيخ حمدي كان رمزًا من رموز الإخوان المسلمين, وقد عرف الناس أن الوقوف في صف أمثاله على مدار التاريخ غنيمة وزيادة شرف وتزكية وأمان في الدنيا والآخرة.

 

رحم الله فضيلة الشيخ حمدي، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا به في مستقر رحمته، وألهم أهله الصبر والسلوى، وعوَّض إخوانه ودعوته وأخلفهم في مصيبتهم, رحم الله قدوة الدعاة العاملين ورمز تجميع المسلمين وفقيد الإخوان المسلمين، وألحقنا الله به في الصالحين اللهم آمين.

---------

* أخصائي نفسي