- لواء شرطة قال لي: رب ضارة نافعة.. للثناء على الإخوان

- عشنا في "المحكوم" أيامًا جميلة وغيرنا كثيرًا فيمن حولنا

 

حوار- نورا النجار:

الحسيني محمد الشامي من مواليد المطرية 1958م، تخرج في كلية التربية جامعة عين شمس عام 1981م، متزوج وله من الأولاد ستة من الذكور والإناث، وصاحب مركز "اقرأ" لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ومديره، والذي تم تشميعه مع بداية الاعتقال، وأعيد فتحه بفضل الله أول أمس, قضى ما يزيد عن ستة أشهر معتقلاً على ذمة القضية المعروفة إعلاميًّا باسم (التنظيم الدولي للإخوان المسلمين).

 

بدأ الحسيني محمد الشامي حديثه إلى (إخوان أون لاين) بالقول: لم أتأكد من الإفراج عني إلا بعد دخولي منزلي.

 

* دعنا نعد بالذاكرة إلى يوم الرابع عشر من يوليو الماضي.. ماذا حدث؟

** حقيقة كنت عائدًا من القاهرة ليلة الأربعاء 14/6/2009م بعد حضوري حفل زفاف أحد الإخوة، وعندما بدأت أتهيأ للنوم فوجئت بحملة من ضباط ومخبري أمن الدولة تطرق أبواب بيتي في وقت متأخر من الليل، وقاموا بتفتيش البيت بأكمله، وأخذوا منه جهاز كمبيوتر ومجموعة من الأوراق الخاصة بي، والتي لا تمثل أي مصدر إدانة لي على الإطلاق، إضافةً إلى أوراق خاصة ببناتي، ومجموعة من الكتب الخاصة بي، وطلبوا مني التوجه معهم حيث اقتادوني إلى قسم شرطة ثانٍ المنصورة، والذي مكثت فيه حتى الثامنة من صباح الخميس.

 

* كيف كانت رد فعل الأسرة لديكم، خاصةً أن هذا أول اعتقال لكم؟

** حقيقةً لم يتزعزع فرد في عائلتي أو يشعر بالاضطراب رغم كونه الاعتقال الأول لي؛ فقد كان بعض أبنائي الذكور مستيقظين، وقمتُ بإيقاظ ابني الأصغر، وبناتي لارتداء حجابهن، ووجدت بفضل الله منهم جميعًا- وخاصةً بناتي- ثباتًا؛ حيث كن يتحدثن بعزة وسخرية مع ضباط ومخبري أمن الدولة، وحضرت سيارة الترحيلات صبيحة اليوم التالي بعد أن حظيت باستقبال طيب من ضابط قسم ثانٍ المنصورة، والذي أحضر لي السحور، وتعامل معي بلطف وأدب، بعدها توجهت إلى نيابة أمن الدولة في التجمع الخامس، ودخلت حجز النيابة؛ فوجدت المجموعة كاملة هناك حيث كنت أنا آخر من تم اعتقاله.

 

* ما الحوار الذي دار بينك وبين زملائك من المجموعة المعتقلة في لحظة اللقاء الأولى؟

** لم يكن أحد منا يعلم سبب اعتقاله، حتى إنني تعجبت من اختلاف أماكن ومستويات المعتقلين على المستوى الدعوي، فلم يكن هناك أصلاً ما يجمعهم تنظيميًّا؛ ليكون هو السبب المرجح لاعتقالنا معًا، وظل الأمر مبهمًا حتى ذهبنا إلى غرف التحقيق، وبدأ سيل الاتهامات في التوجه إلينا من محققي أمن الدولة، ولم يكن أمامي إلا أن أبتسم بسخرية، فحتى مصطلح الاتهام (التنظيم الدولي) ما هو إلا اتهام مرسل لا يدري صاحبه عنه شيئًا؛ حتى إن وكيل النيابة نفسه لم يكن يفهم ما معنى هذا الاتهام، وكان يبتسم كلما سألته أن يوضح ما يقصد من هذا المصطلح، ولا أجد عنده جوابًا شافيًا، لكن الاتهام الرئيسي أننا كنا سببًا في تحريض الشعوب الأوروبية للتظاهر من أجل الغزو الصهيوني لإخواننا في غزة، فقابلت اتهامه ساخرًا: (وانتو إيه مزعلكم في كده.. وبعدين إزاي وأنا هنا في مصر هحرَّك دول أوروبا؟!) فلم أجد منه جوابًا مقنعًا، ثم سألني بعد ذلك عن أعضاء المجموعة ومدى معرفتي بكل فرد، إضافةً إلى توجيه اتهام خاص لمركزي الذي أعمل على إدارته بأنه يسعى لنشر البؤر الإخوانية في بلدان الطلاب الذين يرتادونه، إلا أنني أجبت عليه ساخرًا بأن هؤلاء الطلاب لا ينطقون من الأساس باللغة العربية، وإلى أن يتم تعليمهم تكون مدة دراستهم قد انتهت وعادوا لبلدانهم، إضافةً إلى أنهم جاءوا من بلدان بها أعداد من الصف الإخواني أكثر من مصر مثل: أندونيسيا وماليزيا.

 

وبعد انتهاء التحقيق معنا قرروا الحبس 15 يومًا ثم ذهبنا إلى سجن المحكوم، كل في عربة الترحيلات الخاصة بمحافظته، وبدأ أفراد مجموعتنا في الحضور بشكل متوالي ابتداءً من المغرب إلى الثانية عشرة ليلاً، وكنت آخر مَن وصل.

 

اخلع

* ما الذي كان يدور بخاطرك أثناء الترحيل؟

** كنت على يقين كبير بأن هذه القضية ستحوَّل إلى محاكمة عسكرية؛ خاصةً بعد أن وجدنا معنا د. أسامة نصر، وهو عضو مكتب إرشاد، لكنني وإخواني كنا نشعر باطمئنان يفوق الوصف، ولم يكن بداخلنا سوى الثقة بالله والاستسلام لقضائه؛ حتى إن أحد إخواننا علق قائلاً: (اخلع وانويلها عوم.. ولو جت مخاضة فمن الله) أي إن كان الأمر عسيرًا فلنستعد لخوض غِمارِه، وإن كان يسيرًا فهذا فضل من الله، وهذا كان ما يجول بخاطرنا في تلك اللحظات.

 

* كيف كانت أولى لحظات دخولكم للمحكوم..؟

** الحقيقة أننا حظينا باحترام الجميع هناك- بما فيهم إدارة السجن- ومما يسر علينا- بعد فضل الله- وجود أخونا المهندس علي عبد الفتاح، والذي كان موجودًا بالسجن منذ ثلاثة أشهر، فكان هو مسئول العلاقات الخارجية بإدارة السجن، وكانت له علاقةٌ قويةٌ بهم، وتم احتجازنا جميعًا في زنزانة واحدة.

 

* ما الذي شعرت به لحظة أن لامست قدماك أرض الزنزانة للمرة الأولى؟

** بالفعل شعرت بانقباض قلبي عندما توجهنا إلى السجن، لكن بمجرد رؤيتي لإخواني هناك أنزل الله السكينة على قلبي، وشعرت بأن الزنزانة، والتي لا تتجاوز مساحتها 3×3 قد اتسعت وأصبحت براحًا واسعًا لنا جميعًا.

 

جامعة ومعتكف

* كيف كانت يومياتكم داخل أروقة السجن؟

** من أول لحظة نصبنا هاماتنا بين يدي الله عزَّ وجلَّ للقيام والتهجد بالليل وبالنهار، كان يطلق سراحنا إلى خارج الزنزانة في فترة الصيف إلى قبيل المغرب بساعة تقريبًا على خلاف المسجونين الجنائيين في السجن؛ فلم يكن لهم غير ساعة، وكنَّا نقضي هذا الوقت في التريُّض سواء بالمشي أو الجري أو لعب كرة القدم، أما كبار السن من أمثالي فقد كنا نتوجَّه إلى المسجد لمراجعة القرآن، وأقمنا أيضًا دروسًا لتعلم أصول الفقه، ودروسًا للمواريث والسيرة النبوية، وهكذا حوَّلنا جدران السجن إلى معتكف نتعبد فيه لله، وقد منَّ الله علينا ونجحنا في إدخال تلفاز إلى السجن كنا نشاهد من خلاله الأخبار.

 

* داخل جدران السجن.. ما الحوار الذي كان يدور بين أفراد المجموعة؟

** لم نكن نريد أن نخوض بفكرنا في مسألة خروجنا من عدمه، فقد استسلمنا لقضاء الله، ورفعنا شعارًا داخل السجن في مواجهة النظام؛ قول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: من الآية 72 )؛ ولذا لم يكن يشغل بالنا هذا الأمر، فقط أحاديث عادية، ووجهنا اهتمامنا للمسجونين الجنائيين فقد كان 90% منهم قضايا مخدرات و99% منهم ما بين الثامنة عشر والثلاثين من العمر، ووجدنا فيهم استعدادًا كبيرًا للتغير، حتى إن بعضهم كان يتسلل إلى المسجد ليجلس معنا، وكانوا يتعجبون من ابتساماتنا الدائمة ومرحنا المستمر؛ حتى إن أحدهم جاء إلي وسألنى ذات مره: (هو انتو مش مسجونين زينا.. بتضحكوا ليه بقه؟!)

 

عسكرية

* حينما كنتم بين جنبات السجن كيف كان رد فعلكم إزاء شائعة إحالتكم إلى العسكرية؟

** كنا نتوقع هذا الأمر من البداية، وقمنا بتأهيل أنفسنا لتقبله برضًا كامل؛ لأنَّ هذا ديدن النظام مع الجماعة، فما بين فترة وأخرى يحول بعض أفرادنا إلى العسكرية؛ ولذا لم يكن الأمر مستبعدًا بالنسبة إلينا.

 

* وماذا عن شائعة الصفقة بين النظام والإخوان؟

** كنا وما زلنا نعتقد اعتقادًا جازمًا أنه لا طريق لأي صفقة من أي نوع بيننا وبين النظام؛ لأنه لن يشبع حتى وإن قدمنا تنازلاً ما، فسيطالب بالمزيد، وكل ما أثير حول هذه الصفقة كذب؛ لأنَّ قضيتنا في الأساس لا تتعلق بالشأن الداخلي للبلاد حتى يعقد النظام أي صفقات معنا، بل قضيتنا الرئيسية منبعها مناصرتنا لإخواننا في غزة وقت القصف الصهيوني لا أكثر، وهذا يذكرني حقيقة بما قاله أحد اللواءات الذي كان يرافقنا في أثناء الترحيل من النيابة وإلى السجن: ربَّ ضارة نافعة.. أنا مكنتش أعرف قبل المحاكمة العسكرية يعني إيه إخوان ولما شفتهم عرفتهم.. إنتو أحسن ناس.

 

* في رأيكم... لم حظيت القضية بكل هذا التضخيم الإعلامي؟

** الأمر كان محاولة لتعبئة المجتمع وتهيئته لاستقبال عسكرية جديدة، ورغبة من النظام وأمن الدولة في إظهار سيطرتهم على مقاليد الأمور في البلاد بما يسمونه (استئصال البؤر الإخوانية)، وأنهم قادرون على حفظ النظام في البلاد.

 

* مرحلة الإفراج.. هل جاءت فجأة أم كانت لها مقدمات؟

** سمعنا عن نية في الإفراج عن المجموعة، وسبقتها مؤشرات في البداية، ولكننا عندما كنا نجد أن العدد يزداد بانضمام بعض إخواننا للقضية؛ كان يقيننا يزداد بأننا لن نخرج وسنحول للعسكرية، لكننا لم نر بارقة أمل حقيقية إلا بعد الإفراج عمن انضموا إلينا بعد المجموعة، مثل د. عبد المنعم أبو الفتوح، إلا أننا لم نعط لأنفسنا الثقة بالخروج القريب، وعن شخصي لم أثق في الإفراج إلا بعد عودتي لمنزلي.

 

* صدر قرار الإفراج عن د. أبو الفتوح في نفس اليوم الذي رُفِضَ فيه طعن الشاطر وإخوانه.. هل لذلك علاقة بقضيتكم؟

**  لا أجد رابطًا بين الاثنين من وجهة نظري، فالنظام كما قال عنه فضيلة المرشد: (هو نظام اللامعقول) فلا رابط عنده بين اعتقال هذا والإفراج عن ذاك، وليس صحيحًا أنهم أرادوا (كسر عين الجماعة) بالإفراج عنا في نفس يوم رفض الطعن خشية أن تتصاعد رد فعلها على ما حدث للشاطر وإخوانه من رفض الطعن.

 

مخبرو الصحف

* ما أكثر الأخبار التي استفزتكم داخل السجن حول قضيتكم؟

** ليس استفزازًا بالمعنى الحرفي، ولكن تعجب وسخرية كانا يسيطران علينا عندما نجد مخبري أمن الدولة من الصحفيين الذين كانوا يتعاملون مع ضباط أمن الدولة، وكانوا يحضرون المحاضر وينشرونها بالنص كما هي دون أي حِرَفِيَّة مهنية ولا مصداقية، فيأخذون مِنَ الجاني فقط، ويكيلون الاتهامات إلى الضحية، والتي لا حق لها في الاعتراض، أمثال ما حدث في "روز اليوسف، والأهرام، والمصري اليوم" وغيرها.

 

* في كل محنة منحة.. ماذا كانت منحتكم؟

** كنا نشعر أن الله عزَّ وجلَّ اصطفانا وخصنا من بين الجميع لهدف ما، وعندما ضمتنا جدران المحكوم ووجدنا هذا العالم من المسجونين الجنائيين علمنا أنه لا بد لنا من إيصال دعوتنا إلى هؤلاء المساكين، الذين لا يجدون لهم مرشدًا ولا ناصحًا، وبالفعل تغير عدد كبير منهم بدرجة كبيرة.

 

توبة مسجون

* موقف أثر فيكم خلال هذه المحنة؟

** هناك الكثير، لكن ما لا أنساه أنه كان هناك أحد المسجونين في قضية مخدرات، وأخبرني أن ضابط القسم هو الذي قام بتلفيق القضية إليه، وأنه بريء، والتمست صدقه بين ثنايا كلماته، وقال لي ذات مرة: (أنا عارف أني هاخذ 15 سنة بالقليل، ولما هطلع هقتل الضابط اللي لفق لي القضية وهدخل في قضية قتل، وهرجع هنا تاني، وبما أننا مش في زمن المعجزات هفضل عايش هنا على طول) فأخذت أذكره باليقين في الله والثقه به، وأنه لا يوجد مع الله ما يعرف بالمعجزة، فقط ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: من الآية 82)، لكن اليأس كان قد بلغ منه مبلغه، وغاب عني ثلاثة أو أربعة أيام، ثم جاء إليَّ بعدها وأخذ يقبل رأسي ويدي فرحًا مسرورًا بعد عودته من إحدى جلساته، وعندما سألته قال: (أنا أخدت براءة، ولما أخدتها افتكرت كلامك عن اليقين، فحسِّيت أني مكسوف منك قوي، وأهل الضابط اللي لفق لي القضية كلموني، وأنا مترحل على هنا بعدما طلعت براءة، وطلبوا مني أخذ أي حاجة وأتنازل، فقلت لهم لأ، الإخوان قالوا لي: أن أحتسب أجري عند الله، ومش هعمل فيه حاجة) فأجبته مبتسمًا (متتكسفش مني اتكسف من ربنا)، وبكى كلُّ من حولنا، وكان درسًا يُحكى لكل المسجونين.

 

* موقف طريف تتذكره؟

** أذكر أنه وبعد أن التحق بنا باقي أفراد المجموعة من إخواننا في الصعيد وزاد العدد عن الثلاثين، سمحت لنا إدارة السجن بصلاة العيد خارج الزنزانة، وبعد الصلاة أقمنا حفلة سمر، وطلب مني إخواني أن أُنْشِدَ لهم نشيد (يا معشر الإخوان لا تترددوا)، فابتسمتُ قائلاً (أحسن يعتقلونا!!) فابتسم الجميع وأنشدت لهم ولم أعتقل، والحمد لله، عدتُ إلى الديار (أقصد إلى الزنزانة!!) سالمًا.

 

* إذا ما أردت أن تطلق لنا تسمية أخرى لقضيتكم.. ماذا تسميها؟

** لا أجد لها اسمًا غير (قضية من أجل غزة).

 

* في النهاية هل من رسالة توجهونها للنظام ولشباب الصف بعد هذه المحنة؟

** أقول للنظام (عليكم أن تدركوا جيدًا أن أي اعتقال أو سجن لأفراد الإخوان لا يفُتُّ في عضدهم بل يزيدهم ثباتًا على ثباتٍ، وتذكروا أننا رفعنا شعارنا؛ قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: من الآية 72).

 

أما لشبابنا القادم فلا أملك إلا أن أقول لهم كلمة كتبتها في مقال لي لم يُنشر بعد: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".. فلتحرصوا في اختياركم أن تكون شريكة حياتكم ورفيقة دربكم ذات دين؛ لأننا لم نلتمس قوة هذ المعنى إلا خلال الأشهر الستة الماضية؛ فلولا ذات الدين ما حُفِظَت بيوتنا، ولما كان أولادنا بأمان، ولا ما ثَبَتْنَا وصبرنا على ما كنا فيه.