إن ما حدث ويحدث على الساحة المصرية الجزائرية في الأيام الأخيرة لَيُصيبُ كلَّ مخلص لأمته العربية والإسلامية بالحزن والألم الشديد لما وصل إليه مستوى التفكير والاهتمام لدى الشعوب العربية والإسلامية.
ولقد تولى كِبْرَ هذه الفتنة وتأجيج روح العصبية؛ الكثيرُ من وسائل الإعلام التي يتولى مسئوليتها أناس لا يُقدِّرون المسئولية تجاه شعوبهم وتجاه قضايا الأمة العظيمة.
ولنا بعض القراءات والملاحظات للمشهد:
أولاً: أن منهج الإسلام يحثُّ على ممارسة الرياضة كالسباحة والرماية وركوب الخيل وغيرها، فالله عزَّ وجل يأمرنا بقوله: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل﴾ (الأنفال: من الآية 60)، وأنَّ من القوة قوة الجسد والبنيان.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يُخبرنا أن "المؤمن القوي خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف". (رواه مسلم)؛ أي أن الله سبحانه وتعالى يحب المؤمن القوي البنية الممارس للرياضة أكتر من غير الممارس لها.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يسابق زوجته عائشة فتسبقه، ويعاود السباق فيسبقها، فيمازحها قائلاً: "هذه بتلك".
وصارع النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكبر مصارعي الجزيرة العربية فصرعه، وكان له صلى الله عليه وسلم ناقة تُسمَّى العضباء، فجاء أعرابي بناقته فسبقها، فشق ذلك على الصحابة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم معلِّمًا إيَّاهم ما يُسمَّى اليوم بالروح الرياضية: "حق على الله ما رفع شيئًا من أمور الدنيا إلا وضعه".
فكما ذكرت فالإسلام يحث على ممارسة الرياضة، لا المشاهدة وفقط كما نرى اليوم الملايين من المواطنين كل علاقتهم بالرياضة هي المشاهدة والتحليل لا الممارسة؛ مما أدَّى إلى انتشار أمراض السمنة وارتفاع معدلاتها في الوطن العربي، وخاصةً بين الأطفال والشباب.
ثانيًا: تصايحت وسائل الإعلام في كلا البلدين الشقيقين كل يستنفر مواطنيهم ويؤجج مشاعر العداء تجاه مواطني البلد الآخر، وهذا يذكرني بما حدث بين المهاجرين والأنصار حينما تلاحى رجال من الأنصار والمهاجرين ورفعوا السيوف في وجه بعضهم البعض، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ورأى المشهد، فقال كلمة لا تزال تقرع آذان المسلمين إلى أن تقوم الساعة: "أَبِدَعْوَى الجاهليةِ وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة".
فعلى كل جزائري ومصري أن يسد أذنيه عن قول كل داع للفتنة والفرقة وتأجيج روح العصبية والجاهلية، وأن يفتح عقله وقلبه لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 10) ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة". وخاصةً أن الخلاف وإثارة الفتنة والوقيعة بين الشعبين الشقيقين والإخوة في الدين من أجل لعبة تُقام في ملعب، وهي ليست من الضرورات، ولا من الحاجات، بل هي من التحسينات، فلا يجوز أن نهدم فريضة وضرورة- هي الأخوة والوحدة بين شعبين مسلمين- من أجل لعبة، وكما قال شيخنا العلامة القرضاوي "أغلقوا أندية الكرة، وابقوا إخوانًا متحدين".
ثالثًا: كثُر الحديث في كل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية أننا الفراعنة أبناء الفراعنة؛ ليُزْرع هذا المفهوم في عقول الناشئة، وإننا هنا نذَكِّر بقول عمر رضي الله عنه للمسلمين حتى تقوم الساعة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
وإني لأَذْكُر مقطعًا من نص أدبي بمنهج المرحلة الثانوية بالسبعينيات من القرن الماضي، ولا أدري لماذا حُذف من المنهج: "إن الدين هو الوعاء الشامل للوطنية وغير الوطنية؛ ولذلك تجد أن كل متدين وطني، وليس كل وطني متدين".
رابعًا: الله عز وجل يعلمنا ويؤدبنا ماذا نفعل بعد الهزيمة.. هل نتصايح ونتلاوم ونصب جام غضبنا على بعضنا البعض والطرف المنافس الفائز أم ماذا نفعل؟ يقول سبحانه وتعالى:﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: من الآية 165)، فقد نزلت هذه الآية تعقيبًا على أحداث غزوة أحد، فالله سبحانه وتعالى يعلمنا أن ساعة الهزيمة والفشل لا بد من وقفةٍ مع النفس للمراجعة والتقييم لرصد أسباب الهزيمة، ووضع خطة معالجة لهذه الأسباب؛ لتجاوز هذه الهزيمة وتحويلها إلى نصر.
خامسًا: لا شك أن حدوث هذه الفتنة والوقيعة ووصولها لهذا المستوى ساهم فيه تقاعس المسئولين في كلا البلدين في تحمُّل والقيام بمسئولياتهم تجاه الموقف!! ماذا كان يحدث لو ظهر المسئول الجزائري في المباراة وهو يحمل علم مصر، وكذلك المسئول المصري يحمل العلم الجزائري؟! ماذا كان يحدث لو خرج ممثل الخارجية في كلا البلدين ليصرح بعد تحقيقٍ نزيهٍ عادل يُبين فيه حقيقة الأحداث، وأن ما ارتكب من جرائم واعتداءات ما هي إلا من فعل الغوغاء، لا تمثل كلا الشعبين الشقيقين، وسينالون جزاءهم؛ بدلاً من ترك الناس أسرى الشائعات وتلفيقات المغرضين والمندسين، وقد تردد أن السلطات المصرية قامت بترحيل صحفي صهيوني اندس بين صفوف المشجعين الجزائريين ملتفًا بالعلم الجزائري، وهو الذي قام ببث صور مفبركة لستة قتلى من المشجعين الجزائريين.
ولكن هؤلاء المسئولين فشلوا في القيام بدورهم بعد فشلهم في معارك الأمة الحقيقية، فشلوا في معركة إصلاح التعليم، ومعركة الإصلاح السياسي، ومعركة الإصلاح الاقتصادي وإطعام شعوبهم، ومعركة محاصرة الأمراض التي تفشَّت وأصبحت وباءً يأكل أجساد الأطفال والكبار والقضاء عليها، فشلوا في معركة الإصلاح الاجتماعي، ومحاصرة الانهيار الحضاري والأخلاقي، ثم فشلوا في معركة تحرير المقدسات الإسلامية من يد الصهاينة، فكما يفشلون في الجد نراهم اليوم يفشلون في اللعب.
سادسًا: هذا التركيز الشديد من قِبَل وسائل الإعلام على مباراة لكرة القدم أتى معه تجاهل تام لقضايا وأحداث مهمة وخطيرة تزامنت مع هذا اللغط، ولم تنل هذه القضايا والأحداث شيئًا من الاهتمام، وكأنه شيء متعمد، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: قبل المباراة الأخيرة بالسودان أعلن الكيان الصهيوني وضع حجر الأساس لمستوطنات جديدة بالقدس في غفلة الملايين من المسلمين والعرب عن مقدساتهم بلعبة كروية يتقاتلون عليها، وصدق علينا قول القائل: نحن العرب نحارب في اللعب، ونلعب في الحرب.
ثانيًا: وفاة عالم من علماء الأمة، الفقيد الدكتور مصطفى محمود، الذي كان له دور في فضح حقيقة الصهاينة ومخططاتهم، وكذلك وفاة رمز من الرموز الوطنية وزير الدفاع الأسبق أمين هويدي مخطط وصانع الكثير من العمليات الاستخباراتية ضد العدو الصهيوني.
ثالثًا: حصول الأستاذ محمد فريد عبد الخالق الذي يبلغ من العمر 94 عامًا على درجة الدكتوراه من كلية الحقوق جامعة القاهرة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وأوصت اللجنة بطبع رسالته على نفقة الجامعة، وتبادلها بين الجامعات والمؤسسات العلمية لتميزها، فلماذا لم يُقدَّم هذا النموذج المتميز في وسائل الإعلام لشباب الأمة كقدوة لزرع قيمة الجهاد من أجل التحصيل العلمي حتى آخر نفس؛ من أجل انتشال الأمة من رقدتها وتدهورها العلمي والحضاري؟!
وأخيرًا: نتوجه بنداءٍ لكل جزائري ومصري.. أروا الله من أنفسكم خيرًا، يا خير أمة أخرجت للناس، ولا تكونوا صورة سيئة لدينكم، فتفتنوا الشعوب الغربية وتصدوهم عن دين الله.