د. أبو العزايم:

- ما حدث نتيجة طبيعية لعملية شحن الجماهير

- الإعلام مارس ضغوطًا صاعدت من توتر المشجعين

- الإفراط الزائد في الفرح والحزن خطر على الإنسان

 

حوار- شيماء جلال:

في أعنف صور تشجيع مباراة كرة قدم بين فريقين عربيين؛ حولت الجماهير الجزائرية والمصرية، بمساعدة إعلامية موجهة، المباراة الفاصلة بين مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم لكرة القدم، من مجرد تشجيع للعبة، إلى معركة وأزمة بين البلدين، وتصاعدت حدة الاحتقان وصلت إلى درجة انفلات جماهيري، عقب انتهاء المباراة على أرض السودان؛ فقبيل المباراة امتلأت ساحات الإنترنت بوصلات هجوم مفزع؛ وخرجت الجماهير الجزائرية معلنةً الحرب على المصريين المقيمين بالجزائر بعد هزيمة منتخبهم في القاهرة أمام المنتخب المصري، ثم تواصلت الاعتداءات في المباراة الفاصلة بالسودان التي انتهت بخسارة المنتخب المصري، أصيب خلالها أكثر من 21 مصريًّا أثناء أحداث الشغب التي تمت عقب المباراة.

 

(إخوان أون لاين) التقى بالدكتور مصطفى أبو العزايم استشاري الطب النفسي في محاولة لتفسير الظاهرة، وتقديم التحليل النفسي لشخصية مشجع كرة القدم، والدوافع التي تقوده إلى ذلك، والذي أكد أن ما حدث من انفلات جماهيري عقب مباراة مصر والجزائر بمثابة أحداث فردية من أفراد لديها قلق وتوتر زائد ومشاعر مكبوتة، انفجرت وانطلقت خلال مباراة مصر والجزائر، فضلاً عن أنها لا تتعدى حدث عارض يجب تخطيه وعدم الوقوف عنده كثيرًا؛ لتمر الأزمة ولا تتأثر علاقات البلدين نتاج قلق وثورة زائدة، وليس مشاهدة لمباراة من أجل الترفيه، فإلى تفاصيل الحوار:

* بدايةً نسمع عادةً عن التعصب الكروي والتشدد بين المشجعين خلال المباريات الحاسمة التي تؤهل لكأس العالم، ولكننا لم نرَ قبل ذلك ما شاهدناه في مباراة مصر والجزائر الأخيرة بالسودان.. فما تفسيركم؟

** أود أن أشير إلى أن ما حدث ما في مباراة مصر والجزائر كان متوقعًا من قبلها؛ فالمباراة كانت معبأة من قبل موعدها بفترة كبيرة، وتوالت الأقلام من هنا وهناك تثير المشاعر غضبًا وحقدًا وتأجيجًا، ومع اقتراب موعد المباراة أصبح هناك شحنة ينبغي تفريغها؛ فخرجت بالشكل الذي شاهدناه أثناء المباراتين بين فريقي مصر والجزائر.

 

مشاعر مكبوتة

* وهل ما شاهدناه من اعتداءات وضرب من جانب المشجعين الجزائريين يعد بمثابة اضطرابات نفسية أم أنها زيادة توترات عصبية وسلوكيات غير منضبطة؟

** ما شاهدناه لا يدخل ضمن الاضطرابات النفسية والعصبية؛ لأن الاضطراب النفسي له صورة معينة، فمن الاضطرابات النفسية والسلوكية المعروفة الاكتئاب والإدمان والتخلف العقلي، وهذا لم يكن حاضرًا في الأفراد الذي قاموا باعتداءات ضد المصريين؛ فالسمت الغالب والظاهر كان أنه بمثابة مشاعر مكبوتة وقلق متزايد ظهر مع بدء المباراة ولم ينته بعدها؛ وذلك بسبب وجود عوامل خارجية ساعدت على تزايد وتيرة تلك الحالة.

 

* كيف تظهر المشاعر المكبوتة على السطح مثلما رأينا؟

** المشاعر المكبوتة تظهر في صورة سلوكيات متزامنة على مر السنين، ولكن ما يدفع لتأجيج المشاعر المكبوتة بالصورة التي وجدناه خلال مبارتي مصر والجزائر كان أكثر ما يحمله الأفراد المشجعون من تراكمات عصبية سلبية لم يتم التفريغ عنها، وبمجرد ما جاء وقت للشد العصبي أثناء المباراة نفذت تلك المشاعر للخارج، وللأسف لم يتم السيطرة عليها فتطور الموقف لحالات ضرب وإصابات.

 

لعبة السياسة

* مشهد الاعتداءات كان سيئًا للغاية ودخلت فيه أطراف متعددة وعلى إثرها تم سحب السفير المصري من الجزائر، هل ترون أن الأداة السياسية كان لها دور خلال المباراة؟

** أظن أن الوطنية والانتماء للأخوة وللعربية أهم بكثير من ذلك، ونحن لا نريد أن نزايد على الأزمة وندخل فيها أطرافًا متعددة، فيمكن للدول أن تتفاهم فيما بينها ولكن لا نريد أن نجعل مباراة تفكك أواصر العلاقات بين كلا البلدين الشقيقين، علاوةً على أن الإعلام لا بد وأن يكون كرة ثلج وليس كرة نيران.

 

نظرية المؤامرة

 الصورة غير متاحة

 مشجع مصري أصيب عقب مباراة بلاده مع الجزائر بالسودان

   * معني هذا أنكم ضد نظرية المؤامرة وأن هناك أطرافًا خارجية تسببت في حدوث تلك الأزمة والمشكلة بين الجماهير المصرية ونظيرتها الجزائرية؟

** كما أوضحت لا نريد أن نشعل فتيل الأزمة؛ فهم مجموعة فردية ارتكبت أفعالاً غير أخلاقية نتجت عن كبت نفسي وسوء تربية أخلاقية، ولا نريد أن نعمم الوضع ونرسم له أبعادًا أخرى حتى لا يهتز مستقبل العلاقات بين بلدين شقيقين.

 

* ولكن الأقاويل تناثرت هنا وهناك مما كان يزيد مشجعي كلا الفريقين عصبيةً وتوترًا، فكيف رأيتم دور الإعلام خلال تلك المباراة؟

** بالفعل لعب الإعلام دورًا سلبيًّا؛ حيث مارس ضغوطًا بشكل أو بآخر ساعد على زيادة القلق والتوتر بين المشجعين، علاوةً على أن الإعلام كان مناقضًا لنفسه؛ فتارة يقول لا نريد أن يحدث تعصب وتشنج بين الجماهير من جانبين الفريقين، وتارة أخرى يذكر ما أقدم عليه المنتخب الجزائري من اعتداءات أو تلميحات سيئة عن اللاعبين المصريين أو مشجعيهم.

 

* وهل ترون أنه كان ينبغي أن يصمت الإعلام ويقف دور المشاهد والمتفرج ولا ينقل الحقيقة؟

** ليس بالضبط ولكنه كان لا بد أن ينتبه في نقل واقع الاعتداءات؛ لأنه يتعامل مع جماهير بطبيعتها متعصبة أثناء المباريات، فإذا حدث إجراء سلبي من قِبَل المنتخب الجزائري كان من المفترض أن يتم غض الطرف عنها والتحدث عن الإنجاز الذي يجب أن يحقق وهو التأهل لكأس العالم، والوضع بالنسبة للجانب المصري.

 

* ما الذي كان من المفترض أن يحدث لكي يتم التخلص من تلك الحالة المزاجية والسلوكية غير الطبيعية؟

** كان من المفترض أن "الموضوع يتلم"؛ بمعنى أنه لا يجب أن نذكر كل اعتداء حدث، ونترك الأمر للقيادات السياسية من خلال اتصالاتهم لتهدئة الوضع.

 

* هل يمكن القول بأن التعصب والقلق والمشاحنات التي سبقت المباراة وأثناءها كان ضمن أحد العوامل وراء خسارة المنتخب المصري؟

** بالفعل.. أجزم أن التعصبات والمشاحنات التي حدثت من قِبَل المحيطين باللاعبين كانت سببًا في حدوث حالة سيئة لدى اللاعبين؛ أدت لمزيد من الضغوط النفسية العملية، وبالفعل كان لها سبب في عدم ظهور أداء كروي بشكل قوي كما كان متوقعًا.

 

* في ظل تلك الظروف، ألا ترون أنه من المفترض أن يوجد متخصصون من الطب النفسي ضمن تنظيم اللاعبين حتى يمكن السيطرة على تلك الصورة وألا تتكرر؟

** بالفعل من الضروري وجود طبيب نفسي متخصص للاعبين؛ حتى يساعدهم على التهيؤ للأجواء المحيطة وتجنب الانفعالات والتوترات، لكن أيضًا من الأهمية أن يكون هناك توجيه للمجتمع ككل، ودور رقابي من مختلف الجهات والهيئات من أجل السيطرة على تلك الحالة، وألا تتكرر مرة ثانية خلال المرات القادمة.

 

زوبعة ستنتهي

** هل من الممكن أن تترسب تلك المشاعر من جانب كلا الفريقين بل الشعبين على مدار السنوات القادمة، وتظل بينهما مشاعر مكبوتة مرة ثانية؟

** بالنسبة لي لا أتمنى ذلك، ولكننا لا نعلم ما قد يحدث لاحقًا، ولعل ما شاهدناه وحدث لنا سوف يقدم لنا عبرة ودرسًا للمرات القادمة يجعلنا نتجنبه حتى لا نقع فيه مرة ثانية.

 

* كيف يمكن علاج أو تجنب التوترات النفسية العالية الشدة؟

** التوتر النفسي يعد ظاهرة مجتمعية تبرز في جميع المباريات، وأحيانًا تأخذ شكلاً شديد التعصب، وهذا ما برز لنا جليًّا خلال مباراة مصر والجزائر الأخيرة، لكن تجنب تلك التوترات يكون من خلال وجود تربية نفسية للجميع كبارًا وصغارًا، لاعبين وغير لاعبين، محبين للكرة وغير محبين؛ لكي يتخلق الجميع بسلوك حضاري سليم، ويكون لديه وعي بما يحدث حوله من مجريات أمور، وعلى كامل المقدرة من ضبط أعصابه.

 

* هل أصبحت مباريات الكرة تلعب دور مسكنات للبطالة وللشباب الذي لا يجد وظيفة؛ فشاهدنا ذلك الزخم من الشباب المتعصب وغيره خلال المباراة؟

** بالتأكيد.. البطالة لها عامل ودور مؤثر فيما آلت إليه المباراة؛ فما شاهدناه يؤكد ويدلل بشكل قاطع أن هناك شبابًا فارغًا ولا يوجد لديه أي نضج أو فكر أو شيء يشغله، فبات همه وشغله الشاغل هو تفريغ الشحن الذي بداخله في المباراة، ومع زيادة التوترات الخارجية ظهرت الاعتداءات والاشتباكات كما رأينا جميعًا.

 

* خلال المباراة الأولى بين مصر والجزائر توفي مصريون من الفرحة الشديدة، وخلال المباراة الثانية سمعنا أيضًا عن حالة وفاة بسبب الحزن؛ فكيف تفسرون ظاهرة الإفراط الزائد في مشاعر الحزن والفرح؟

** مما لا شك فيه أن الإفراط الزائد في مشاعر الفرح والحزن يؤثر بشكل كبير على الإنسان؛ فعلميًّا يقال إن الانفعال الزائد يعمل على تشغيل الجهاز العصبي اللا إرادي، ومن ثمَّ تزيد ضربات القلب مما يؤدي لتوقف القلب أو سكتات قلبية؛ وذلك يعد تفسيرًا فسيولوجيًّا نفسيًّا سليمًّا، وهناك حالات عديدة توفيت بسبب فرحة زائدة أو حزن زائد.

 

* معني ذلك أنه ينبغي ألا يشاهد مثل تلك المباريات أصحاب أمراض القلب أو من يعانون من ضغط مرتفع وما إلى ذلك؟

** حقيقي.. فهذه معلومة علمية مؤكدة، ولا بد أن يأخذ الجميع الحذر والحيطة منها.

 

* بعد ما شاهدناه في المباراتين، هل هذا يدعونا لإعادة النظر في الوضع والشأن الكروي والرياضي؟

** الرياضة لا بد أن تكون للترفيه وليس للعنف والاعتداء؛ وهو ما يؤكد أهمية تطوير الشأن الكروي والرياضي، وعدم الاستهانة بصغائر الأمور حتى يتم تجنبها لاحقًا.