- النظام لم يقدر على مواجهة الإخوان إلا بالظلم
- الحكومة تنتهك استقلال القضاء وتحتقر أحكامه
- الخلاف داخلنا وارد ولكن خروجه للإعلام غير مقبول
حوار- محمد مدني:
واجه الاعتقال 17 مرة، كانت أقلها مدة ثلاثة أشهر، وُجهت له تهم عديدة؛ منها المعروف والمألوف في توجيهه للإخوان من الانتماء لجماعة محظورة، مرورًا بتكدير الأمن، والسلم العام وتعطيل مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى بعض التهم المضحكة المبكية؛ مثل الإساءة إلى دولة صديقة وهي "إسرائيل"، وختامًا قضية التنظيم الدولي التي اتهم فيها بأنه أحد قيادات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، إنه المهندس علي عبد الفتاح القيادي بالجماعة، والذي كان أحد أفراد قضية التنظيم الدولي "الفشنك"، والذي دار معه هذا الحديث الصحفي:
* نبدأ بليلة الاعتقال.. ماذا حدث؟
** ضابط مهذب فتش البيت بشكل راقٍ، وكان واضحًا أن القضية مركزية من طريقة المعاملة، والبحث عن أشياء بعينها، وكنت متوقعًا أن يتم القبض عليّ في هذا اليوم، وبالفعل كنت قد أعددت الحقيبة الخاصة بالاعتقال، وما يستلزمه من ملابس ومتطلبات، خصوصًا أنني قد شاركت قبلها بيوم مع عدد من الإخوان في تجهيز مؤتمر ضمن فعاليات يوم الغضب العالمي في ذكرى "وعد بلفور" لاحتلال أرض فلسطين، ومن الطبيعي أن يقوم الأمن بالقمع أو المعاقبة على ذلك، خصوصًا أن الأمن كان لديه تصور أن المظاهرات التي خرجت في جميع أنحاء العالم لمناصرة غزة في يناير من هذا العام، يقودها الإخوان، ونسي أنه كان مع الإخوان وخلف الإخوان عدد من القوى السياسية لدعم القضية الفلسطينية ورفض التهويد، وأراد النظام بذلك معاقبة الإخوان حتى لا يتكرر مثل هذا الأمر، وقام بالقبض على كل من يتوسم فيه أنه مشارك في هذه الإعدادات.
تصعيد مريب
* ماذا دار في ذهنك بعد اعتقالك في هذا التوقيت؟
** كنت أتوقع أنني الوحيد الذي تمَّ القبض عليه من الإسكندرية في قضية مركزية، كما حدث في يناير 2009م بتهمة إدارة المظاهرات في مصر وغيرها في 1995م بتهمة إدارة الانتخابات وحشد الأصوات على مستوى الجمهورية؛ ولكن حينما تقابلت مع الدكتور أسامة نصر في مديرية الأمن قبل ترحيلنا من الإسكندرية، أيقنت أن القضية مركزية، لكن سيكون لها بُعْدٌ أقوى من القضايا العادية؛ حيث إنه من المعروف أن وضع عضو مكتب إرشاد على رأس قضية معناه تكبير حجم القضية، وعندما وصلنا إلى نيابة أمن الدولة العليا في التجمع الخامس، وتقابلنا مع الدكتور عصام الحداد الذي تمَّ القبض عليه من منزل ابنته ومع باقي إخواننا؛ أيقنّا أن القضية يريد النظام لها شكلاً تصعيديًّا.
* كيف استقبلت الاتهامات الموجهة إليك؟
** لم نكن نتوقع هذه الاتهامات، وكنا نتوقع أن تكون تهمنا الانضمام إلى جماعة الإخوان والإساءة إلى دولة صديقة وهي "إسرائيل"، وتحريض الجماهير على التظاهر وقيادة المظاهرات؛ لكن فوجئنا بتهمة التنظيم الدولي وقيادة جماعة وغسيل أموال وتمويل الجماعة، وأننا أعضاء في التنظيم الدولي للجماعة الذي يقود المظاهرات في العالم، وكان بالنسبة لنا كلامًا مضحكًا، لا يوجد فيه ثمة دليل واحد على ما يُقال، وشرف لنا أن يتم اعتقالنا بتهمة دعم الشعب الفلسطيني في محنته.
* وكيف تعاملت مع هذه الاتهامات أثناء التحقيق معك؟
** رفضت التعليق على هذه التهم الموجهة، وامتنعت عن الإجابة، وأثبت لدى وكيل النيابة أن الأحراز التي وُجهت بها مفبركة تمامًا، فقد كانت هناك أحراز مثبتة في محضر الضبط، وغير موجودة، وأحراز أخرى موجودة، وغير مثبتة في محضر الضبط، بالإضافة إلى أن جميع الأوراق المقدمة كانت مفرودة ومستوية، وكأنها خرجت من مكتب مجاور لم تطلها الأيادي، ولا يوجد على أي ورقة منها علامات تجاعيد أو قدم.
تاريخ الإخوان
* كثير من الخبراء والسياسيين كتبوا توقعات بأن القضية ستأخذ مسار القضاء العسكري؛ فهل توقعتم ذلك أيضًا؟

** كنت أحد الأشخاص المتوقعين؛ لأن يتم تحويل القضية إلى محاكمة عسكرية، بسبب أن النظام لم يعد قادرًا على تحجيم الإخوان إلا بالعصا المتمثلة في المحاكمات العسكرية، رغم أنه لم ينجح في ذلك، ولو عاد إلى التاريخ لعلم أن الإخوان ضحوا وقُتل منهم أناس في مراحل عديدة، وأُعدم منهم آخرون، والإخوان لا يستطيع أحد أن يغيّر مبادئهم وأفكارهم نظير السلامة البدنية، وهي ليست عقيدة للإخوان؛ حتى إن المرشد العام الحالي نفسه كان قد حكم عليه بالإعدام.
وفكرة النظام في القضايا العسكرية بأنه يقوم بتجميع قيادة وأفراد تنظيم وأموال وخطط ومستندات؛ لكن بعد ذلك تغيَّرت التوقعات بتغير الظرف السياسي وبعض الأمور المحيطة بنا، استنتجنا من خلالها أن القضية لن تأخذ هذا الاتجاه.
* ما الشيء الذي لفت انتباهك في القضية؟
** في البداية كانت القضية تتسع بشكل غير معروف، ولا أحد يعرف إلى أين ستصل، وكانت التوقعات تتراوح ما بين 50 إلى 80 فردًا؛ سيتم ضمهم إلى هذه القضية حتى إن بعض الأفراد تم ضمهم وهم مرضى لا يفارقون مقاعدهم، نظرًا لتعبهم الشديد أمثال المستشار فتحي لاشين، وتوسيع القضية جعلها أقرب إلى الكوميديا من الحقيقة، وكان شيئًا مضحكًا جدًّا حينما علمنا أن إياد السامرائي رئيس البرلمان العراقي أحد المتهمين في القضية، على الرغم أنه قبل القضية بأسبوع كان في لقاء مع الرئيس مبارك فكيف ذلك، وأراد الله أن يوقعهم في مثل هذه الأخطاء؛ لأن التضخيم والكذب الفاضح ليس له خلاص، وأقرب إلى الناس فهمه.
وهم كبير
* ما حقيقة التنظيم الدولي للإخوان؟
** لا يوجد شيء أصلاً لدى الإخوان اسمه التنظيم الدولي، وإذا كان هناك تنسيق مع بعض الأقطار في بعض المواقف؛ فهذا أمر طبيعي لمن يجمعهم ثوابت وفكر واحد، أما التنسيق الضيق في بعض المواقف فلا يعكس وجود تنظيم دولي، خصوصًا أن كل قطر له استقلاليته وقراره وتعاملاته.
* كيف استقبلتم قرارات الاعتقال في المرة الأولى والثانية، وكيف تعاملتم مع إخلاء السبيل؟
** في البداية بعد الـ45 يومًا، وإخلاء السبيل من محكمة الجنايات، كنّا على يقين أن الداخلية ستصدر لنا قرار اعتقال؛ حتى إننا عندما عدنا من المحكمة لم نقم بحزم أمتعتنا، وبالفعل صدر لنا قرار اعتقال ونحن داخل السجن، دون أن نتحرك خطوة واحدة خارجه، وفي المرة الثانية أثناء عودتنا من السجن، ونحن في عربة الترحيلات؛ كنت على يقين أننا سنعود بقرار اعتقال ثانٍ؛ لأن النظام كان يريد لنا عقابًا مناسبًا من وجهة نظره، خصوصًا بعدما ظهرت إشارات تؤكد أن القضية لن تأخذ اتجاهًا عسكريًّا بمؤشرات واضحة؛ منها عدم القبض على أعضاء مجلس الشعب الموجودة أسماؤهم في نفس القضية، وإعادة فتح بعض الشركات التي أغلقت، وعدم فتح تحقيقات موسعة مع ضباط أمن دولة.
وعلى الرغم من أن إعادة الاعتقال في المرة الثانية كان متوقعًا، إلا أنه له سلبية غاية في الخطورة، وهي الدخول في دوامة الاعتقال المتكرر الدوار الذي يخرجك من اعتقال إلى آخر على الورق فقط، ومطلوب من كل القوى الفاعلة والعاملة في مجال حقوق الإنسان أن تتصدى لمثل هذه الأفعال، وأن يكون لها وقفة في مواجهته؛ لأنه شيء خارج الآدمية، وخارج احترام المواطن المصري، أما عن إخلاء السبيل الآخير فتوقعت أن نخرج هذه المرة، واعتمدت في تحليلاتي على الواقع، فهناك بعض الشخصيات خرجت بالفعل وبعض الشركات تمت إعادة فتحها مرة أخرى.
نظام عنيف
* كيف تطالب القوى السياسية أن تقف ضد الاعتقال، على الرغم أنها لم تساندكم في محنتكم؟
** القوى السياسية معذورة؛ حيث بدأ الأمن يخوِّف ويسيطر على كل مظاهر الحياة في مصر من إعلام وصحافة ووكالات أنباء وفضائيات، وهذا الضغط يجعل البعض منهم يحاول الضغط حتى لا يتحول في النهاية إلى ديكور يعمل في إطار المسموح له وليس المتاح، وعلى الرغم من كل هذا حضر معنا في التحقيق بعض منظمات حقوق الإنسان أكثر من مرة، وأبدوا تعاطفهم، وكذلك الجرائد المستقلة أبدت تعاطفها وحياديتها في تناول القضية.
* خروج الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح فتح حديث البعض عن صفقة بينكم وبين النظام.. فما تعليقك؟
** هل الأصل أن يكون مقبوضًا علينا؟ وهل الأصل أن يكون بيننا وبين النظام صفقة؛ حتى لا يقوم بالضرب فينا أو يتم القبض علينا، وما أحزننا هو عدم احترام أحكام القضاء المتكررة، وليس الاعتقال، أما الإخوان فطوال تاريخهم لم يدخلوا في صفقة مع النظام من أجل حريتهم وأنفسهم وسلامتهم الشخصية، وكون الدكتور عبد المنعم خرج معنا فهذه أقدار الله، ولا يستطيع أحد أن يتدخل فيها، وربما ذلك بسبب ظروفه المرضية أو مكانته الاجتماعية.
لا نقبل المساومة
الإخوان يؤكدون أنهم حماة الأقصى
* في أحدث اقتحام المسجد الأقصى الأخيرة لم نرَ نزولاً واضحًا للإخوان إلى الشارع؛ فهل كان ذلك حفاظًا عليكم وعلى عدم تصعيد قضيتكم؟

** لم نقدم طلبًا للإخوان بعدم النزول إلى الشارع في أحداث اقتحام المسجد الأقصى، وليس الأمر أيضًا خوف علينا، ونحن لا نراهن على السجن، ولا يمكن الضغط على الإخوان بسجون أو بمحاكمات عسكرية؛ فهي لن تنتهي حيلهم، وستظل موجودة وأي فرد في جماعة الإخوان على يقين، وعلى استعداد أن يدخل السجن، ويخرج منه ليدخل إليه مرة أخرى، وبالتالي السجن لا يغير فيه شيئًا ولا في تصرفه أو تقديره لتصرفاته؛ حتى يقدر الله تبارك وتعالى أن تتحول الأغلبية الكاسحة في الشعب المصري إلى الجانب الإيجابي، وتطالب بحقها وتعلم أنها مصدر السلطات، أما في هذه القضية فالإخوان لم يتحركوا بشكل مركزي؛ لكنهم تحركوا على مستوى المحافظات، وأدَّى تحركهم أيضًا إلى بعض الاعتقالات كما حدث في الشرقية والغربية وغيرهما.
* بعض الإعلاميين يتحدثون عن اتجاه النظام في القبض على من يطلقون عليهم "الإصلاحيين" وترك الساحة في مكتب الإرشاد للمحافظين باعتبار أن ذلك سيؤدي إلى استمرار التصعيد بين الجماعة والنظام.. ما تعليقك؟
** أولاً، لا توجد داخل الجماعة هذه المصطلحات من إصلاحيين ومحافظين.. وخلافه، والإخوان مجموعة تتناقش مع بعضها، ولهم ثوابت في الأفكار والقضايا التي يطرحونها، ومن غير المنطقي مثلاً أن نعتبر الإصلاحي يرى الإسلام سياسة، وليس دعوة، فالإخوان جميعًا يرون الدين من نفس المنظور الشامل الذي يحتوي على سياسة واقتصاد وعلوم مختلفة، والأصول العشرون هي أصل ثوابت الإخوان التي لا خلاف عليها، وتنوع وجهات النظر في الفروع والوسائل، فهذا مظهر ديمقراطي مهم جدًّا يحسب للإخوان لا عليهم.
والإخوان لديهم آليات لتقديم النصيحة من خلال الطبقات التنظيمية، ومن يتقدم بنصيحة إلى مجلس شورى المحافظة ولم يُأخذ بها؛ من حقه اللجوء إلى مكتب الإرشاد، ولا يعيب عليه أحد في ذلك، أما أن يلجأ البعض لخلاف ذلك فهذا ليس هدفه نصح الجماعة، وإنما تأليب الرأي العام، فالخطاب في وسائل الإعلام مثلاً يوجه إلى الرأي العام الذي يقرؤه، أما خطاب الإخوان فله آلياته المخاطِبة للجماعة، ولا أحد يصنع رأي الإخوان غير الإخوان.
دعاوى قضائية
* هل فكرتم في رد قانوني على اعتقالكم خاصة أن القضية التي أثارت ضجة إعلامية كانت "فشنك"؟
** الرد الحقيقي على الاعتقالات أن تظل تعمل ولا تغيّر مسار عملك، فالسجن لا يخيف الشرفاء ولا عداء بيننا وبين النظام بشكل شخصي، وإنما بيننا وبين سياسته ولو غيّر النظام سياسته، وألغى قانون الطوارئ، ودعم استقلال القضاء، وأجرى انتخابات غير مزورة، وأدى دوره في الأمن القومي، ودافع عن القضية الفلسطينية، وحماية مياه النيل، بالإضافة إلى محاربة السارقين، ودعم الشرفاء؛ فسنكون دعمًا له.. أما أن يبطش بالشرفاء ويعتقلهم، فلا تعامل معه ولا تأييد له.
ونحن بالفعل ندرس بجدية تحريك دعاوى قضائية ضد الاعتقالات التي صدرت بحقنا، وهي لا تسقط بالتقادم، وأن يتولاها أحد المكاتب بشكل دوري ومستمر، صحيح أن مبالغ التعويض لا تعبّر عن حجم الألم الذي يعيشه المعتقل فترة الاعتقال، والسجن على الأقل في حرمانه من أهله وذويه؛ لكنها لها معنى آخر في أن الجريمة لا يجب أن يرتكبها أحد ثم نتركه فيتمادى.
* هل هناك رسالة تريد أن توجّهها للنظام بعد إخلاء سبيلك؟
** أقول للنظام إن التوغل والتغول في استخدام العصا لن يؤدي إلى استقرار، ولا يوجد نظام يستمر بدون عدل، والعدل لا يتحقق إلا باحترام القوانين والقضاء أما إذا كان العكس؛ فطبيعي أن يؤدي ذلك في وقت من الأوقات إلى ثورة فجائية، فالنظام الذي لا يستطيع أن يوفّر الخبز، ويوغل في استخدام العصا، فانتظر نهايته والثورة عليه، وهذا ما لا يتمناه الإخوان؛ لأن الثورة يتبعها خراب وتحطيم، ونحن نريد لمصر أن تنتقل من خير إلى خير.