قُبيل وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حجّ حجّة الوداع، وعلّم الناس فيها مناسكهم، وخطب خطبة الوداع العظيمة التي أرسى فيها معالم الدين الحق، وأوصى المسلمين فيها وصية نهائية وبعدها نزل قول الله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: من الآية 3)
ويومها بكى الفاروق عمر رضي الله عنه فسأله الناس: ما يبكيك وهذا يوم عيد؟ فأجابهم: وماذا بعد الكمال إلا النقصان.
كانت أهم فقرات خطبة الوداع على عرفات تلك التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا"
"وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون، قضى الله ألّا ربا"
"أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يُعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إن يُطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم".
"أيها الناس، فإن لكم على نساءكم حقًا، ولهنّ عليكم حقًا... واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوانٌ لا يملكن لأنفسهن شيئًا"
"وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بيّنًا، كتاب الله وسنة نبيه".
"أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمنّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟"
وردّ عليه الناس المحتشدون في عرفات، وكان عددهم يزيد وقتها عن مائة ألف: اللهم نعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد. ثلاث مرات.
لقد تناول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة الموجزة أمام ذلك الحشد العظيم الذى قلّ أن يجتمع مثله في ذلك الوقت، يؤدّون نسكا من المناسك، يعبدون الله تعالى، ويقصدون وجه الله العظيم؛ أسس ومعالم الدين الحق، وأعلن حقائق نحتاج نحن الآن بعد مرور تلك القرون والأزمان إلى مدارستها وتذكير المسلمين بها، بعد أن تباعد بيننا وبين تلك الأسس والمبادئ ما طرأ على المسلمين من تبديل وتغيير أصابهم في مقتل، وحَرَفهم عن أصول دينهم، فنرى أنهار الدماء تسيل بأيدي مسلمين في بلاد الإسلام، ونرى الربا هو أساس التعامل بين المسلمين، ونرى حقوق البشر يتم انتهاكها عيانًا جهارًا باسم الأمن والاستقرار، وتمتلأ السجون بِخيرَة الدعاة والمربِّين والمجاهدين، ونرى الظلم يلحق بالفقراء في حين يكدس الأغنياء فوائض أموالهم في بنوك الغرب، بينما النساء يقع عليهنّ ظلم بين باسم الإسلام حينًا، وباسم التقاليد التي التصقت بالدين والدين منها براء أحيانا كثيرة.
أولًا: تقرير الملكية الخاصة وحرمتها، وتحريم الدماء والأموال بين الأفراد إلا بطيب نفس- أي عبر العلاقات الطبيعية والتراضى- أما الدماء فحرمتها أشد، ولزوال الكعبة أهون عند الله من دم مسلم يراق بغير وجه حق.
وتحريم الظلم بين العباد والتحذير منه.
ثانيًا: إعلان الأخوة العامة بين المسلمين، وما يترتب على تلك الأخوة من حقوق وواجبات، فهي ليست مجرد شعار عام؛ ولكنها ترتب تحريم الظلم، وتعظيم الدماء والأموال الخاصة.
ثالثًا: التطرّق إلى الجوانب الاقتصادية، ووضع ربا الجاهلية كله والبدء بربا عمه العباس بن عبد المطلب، لإعلان الحرية الاقتصادية بعيدًا عن الاستغلال، والمتاجرة بآلآم الناس ومعاناتهم، وتوليد المال من المال بعيدًا عن الكدّ والتعب وبذل الجهد اللازم.
رابعًا: الوصية بالنساء، والحديث المطوّل عن حقوقهنّ مقابل واجبات عليهنّ، وإعلاء قيمة المساواة بين الرجال وبين النساء، فليس للرجال حقوق دون واجبات في المقابل، وهذا تقرير لحقيقة المساواة التي جاء بها الإسلام بين البشر في أصل الخلق، وفي وحدة التكليف الإلهي للجميع، فلا تمييز لصنف الرجال على صنف النساء.
والإشارة إلى ضعفهن؛ حتى يحترم الرجال تلك الوصية ويشعروا بأهميّتها، فليس هناك دعوة للصراع أو الثورة أو الحرب بين الرجال والنساء، بل هو التكامل الإنسانى العظيم.
خامسًا: إعلان مصدر التلقي الوحيد، نبع السهولة الأولى، بعيدًا عن تأويلات وتفسيرات الأشخاص الذين تسبّبوا في تحريف ما سبق من رسالات الله تعالى، وأضافوا إلى كتب الله السابقة.
فأعلن أن ما يلتزم به المسلمون في تاريخهم إلى أن يلقوا الله هو كتاب الله وسنة نبيه، فهما الضمان من الضّلال، وهما واضحان بيّنان. وقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه العظيم، وبذل المسلمون والعلماء جهودًا عظيمة لحفظ السنة النبوية المطهرة.
ويا ليت المسلمين الآن يفهمون أهمية تلك الوصية؛ حتى لا يلزموا أنفسهم بما لم يلزمهم به الله ولا رسوله من اجتهادات لعلماء أجلّاء، كانت مناسبة لعصور من اجتهدوا فيها، ومن نُظم وإداريات كانت عظيمة قياسًا إلى زمنها، وهذا يحتاج إلى صلة عميقة بالكتاب والسنة، وفهم سليم في إطار اللغة العربية، وقدرة على الاجتهاد لمواجهة متطلبات الحياة المعاصرة، وضوابط شرعية يتم مراعاتها دون تحلل أو تسبب.
سادسًا: التحذير من الشيطان، وبيان أنّه رَغْم يَأْسِ الشيطان من أن يعبُده الناس في جزيرة العرب، وفي مكة المكرمة التي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كان له في قلب الكعبة المشرفة– بيت الله الحرام– أكثر من 360 صنمًا، يعبدهم العرب من دون الله، إلّا أنّ الشيطان رضي بما هو دون ذلك من الأعمال التي يحقروه أى يستصغروه من الأعمال والصغائر، مثل التحريش ببني المسلمين، وحذّر الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته من حبائل الشيطان، إلا أن ذلك التحذير لم يُغن شيئًا، فما لبث أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى فبدأ التحريش بين الأنصار والمهاجرين؛ حتى كان اجتماع المسلمين على أبى بكر الصديق في سقيفة بنى ساعدة، وكان غضب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع مرور الوقت تفاقم دور الشيطان حتى كانت "الفتنة الكبرى" تقتل الخليفة الثالث الراشد عثمان بن عفان، وبدء القتال بين المسلمين الذى شارك فيه الصحب الكرام الذين كانوا حاضرين مشهد حجة الوداع، واستمعوا إلى تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته العظيمة على جبل عرفات، فكانت وقعة "الجمل" ثم خلاف علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، ومعاوية بن أبى سفيان، ووقعة "صفين" ثم ما جرى من أحداث حتى كان عام الجماعة الذى وفّق الله فيه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم- الحسن بن على رضى الله عنه- لجمع شمل المسلمين بعد سنوات عصيبة، واجتمع الناس على أمير واحد.
ومع ذلك لم ينته الشيطان عن الرضا بمحقرات الأعمال، ولم ينتبه المسلمون إلى تحريش الشيطان، ولم يأخذوا تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم بقوة واهتمام، فما زالت دماء المسلمين تجرى أنهارًا في أكثر من بلد، بأيدٍ مسلمة، وبأسلحة مستوردة وبتخطيط وتدبير شيطانى من الصومال إلى اليمن، وفي العراق وفي باكستان وأفغانستان.
أين نحن من بقيّة وصايا رسولنا صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع؟ الربا هو قاعدة التعامل في بلاد المسلمين، والتحرر منه يحتاج إلى قلوب نقية من الاستغلال، وعقول قادرة على الاجتهاد والابتكار، وهمة قوية للانعتاق من أسر المؤسسات العالمية الربوية التي استنزفت ثروات المسلمين.
النساء يعانون أشد المعاناة في بلادنا، وظلمهم هو الأفضل بحرمانهم من حقوقهم، والاجتراء عليهنّ في الميراث وحق الحياة والتعليم .. إلخ.
المسلمون يستوردون قوانينهم ونظمهم وأساليب حياتهم بعيدًا عن كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
العالم الإسلامي يتمزق بين أكثر من 50 دولة وإمارة، بينها من المشكلات ما يشيب له الولدان.. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ونحن نستقبل أيام عيد الأضحى المبارك، ونتذكر وقوف الرسول بعرفات وخطبته العظيمة، علينا أن نتدارس فيما بيننا كيف نعود الى ذلك النبع الصافي، وكيف نطبّق وصية وأوامر رسولنا العظيم صلوات الله عليه وسلامه.
وكل عام وأنتم بخير، ولن نكون بخير إلّا إذا التزمنا بطاعة الله ورسوله.