![]() |
|
د. إيهاب فؤاد |
صرخاتٌ تجَلْجَلُ في جنبات الأرض، وصوتُ سجَّانٍ تعلو وجهه كآبةٌ وجبينٌ مُقضَّب، كل شيء في جنباتي مستباح، الحرية مقيدة، والأفواه مكمَّمة، في غياهبَ قعرها عميق، يغيب النورُ، ويتلاشى القمرُ على استحياء، وتودِّع الشمسُ الأرضَ فيحلّ الظلام، ويتبدد النور، غاب القمر، واقتلعت الأيدي الآثمة ثمارًا طالما روَّتها دماءٌ زكية، على عتباتِ بابٍ يقف السجَّانُ متبجحًا: لا صوتَ يعلو فوق صوتي، الأبواب موصدة، والمنافذ مُحكَمة الغلْق، لم يعُدْ للابتسامة على الوجوه سبيلٌ، امتلأت السجون بأناس طالما افترشوا ترابَ بلادهم ليحتويهم، يئِنُّون حين يرون الشجرَ الأخضرَ يَبَابًا، يلتمسون طريقًا يهُبُّون للدفاع عنه، يدفعون ثمنَ الحرية، ويتكبدون مشقةَ الطريق، ويعانون الغربةَ في وطن هدَّه ما توالى عليه من مِحَنٍ وابتلاءات: غلاءٌ يضرب الحياة، واحتكار حتى للبسمة، وهنا تبدأ القصة..
انقضَّ حماةُ الوطن على أبنائه الآمنين، بدَّدوا راحتهم، سَلَبوا الراحةَ من البيوت الوادعة المطمَئِنة، غرفات مظلمة، جدرانها من حديد قد اعتراه الصدأ، باردة كبرودة قلوبِهم، أرض تفوح بالمظالم، ودعواتٌ تشُقُّ سكونَ الليل، أكفٌ تتضرع، وجباهٌ تسجد، وأقدامٌ تنتصب، وقرآنٌ يُتلى، وأذكار تُشَنِّفُ الآذان، قلوبٌ يوحدها حبُّ الله، ونفوسٌ تطهرها الخلوةُ، تلتمس عفوَ الله وتلهج إليه، قد خلَّفوا وراءهم أطفالاً تزلزل صرخاتُهم الجبالَ الشمَّ الرواسي، ربما أفزعتهم طَرَقاتُ المُخبرين، ونظراتُ العابثين بأمن الوطن، محاكمُ تحكم، وأحكامٌ تَصدُر، ومع كل حُكم يقف قرارُ الاعتقال بالمرصاد، لا يراعون لقانونٍ حرمةً، ولا لإنسان مكانةً، والخاسر... أنا.
وكأنَّ الأرضَ قد شُقَّت، وتناثرَ الدودُ على جَنَبَاتِها، يحاول أن ينزِع الفكرةَ من قلوب المخلصين، وتبدأُ ملامحُ القصة بِأَهَازِيجَ تساوي بين هوامِ الأرض، وبين من كرَّمَه الله وجعله خليفةً له في أرضه، يستوي الشريف واللص، والحر والعبد، حتى تغيبُ الحكمة، وتغيب المروءة..
فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ عَبْيدَ تَيْمٍ وَتَيْمًا قَلْتَ أَيُّهُمُ الْعَبِيدُ
وَيُقْضَى الْأَمْرُ حِينَ تَغِيبُ تَيْمٌ وَلا يُسْتَأْمَرُونَ وَهُمْ شُهُودُ
لماذا يتآمر الجميع على هيبة القضاء في بلادنا؟ ماذا يعني أن يُصْدِر القضاء حكمًا وأن تتبارى الداخلية في إعادة الاعتقال وكأنَّ حكمًا لم يكن؟ من الرابح؟ ومن الخاسر؟
لمصلحة من تُوَجَّه العصا الغليظة إلى المخلصين من أبناء الأمة، بينما تُنثر الورودُ على رءوس المحتكرين؟
لا نريد دموعًا؛ فقد خطَّتِ الدموعُ أخاديدَ على الوجوه، ولا نريد تَأَوُّهَاتٍ؛ فقد صُمَّت أذنُ الدنيا، لكننا نريدُ أبناءً مخلصين ربانيين، يعملون حين يتقاعس غيرُهم، ويقومون حين يقعد غيرهم، ويهُبُّون حين يرقد غيرُهم، يستشعرون أن الله لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم، يبذلون ولا ينتظرون الأجر إلا من رب الأرض والسماء، يزرعون وإن حصد غيرهم ما يزرعون، إذا قامت الساعة وبيد أحدهم فَسيلَةٌ غرسها، وإن تيقن أنه لن يأكل من ثمار غرسه.
رحم الله إمام هذا العصر حين قال: "ليعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغَنَاء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدَّت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضَّتْ مضاجِعَنا، وأسالت مَدامِعَنا، وإنه لعزيز علينا جَدُّ عَزيزٍ أن نرى ما يحيط بقومنا، ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم في يوم من الأيام".
ليعلمْ قومُنا أن هذه العاطفة وهذا الحب لهم إنما هو من أجلهم، ومن أجل عزهم وكرامتهم، وما تلك المعتقلات الملأى إلا من أجل قضايا الأمة بأسرها، وما تلك الدموعُ الحرَّى إلا من أجل وطن ينعم بالحرية حقًّا، ويهنأ بما حباه الله به من النعم، وإن كان ثمن ذلك في دنيا الناس المعتقلات والزنازين وإزهاق الأرواح؛ فعند الله المستقر، وفي ظلال رضاه النعيم الأبدي.
--------
* الإمضاء: وطن سجين
