لم أشعر من قبل بشعور "اليتم" إلا في يوم الجمعة 6 نوفمبر 2009م.. يوم أن وارينا الثرى- أستاذنا وفقيدنا العظيم د. عصام الدين حامد الشربيني.. لقد مات أبي- يرحمه الله- عن عمر يناهز 56 سنة، ولم أكن موجودًا عند الوفاة، (ولذلك قصة)، ثم ماتت أمي- يرحمها الله- ودفنت بإمارة الشارقة (ولذلك قصة أخرى)، ثم مات شقيقي المحامي محمد المؤتمن قبل ثلاث سنوات- يرحمه الله- وحرمت من حضور جنازته (ولذلك قصة ثالثة)، ولقد تأثرت بغياب أولئك جميعًا، لكن أشهد أن التأثر بموت فقيدنا يختلف نوعًا وعمقًا.
إن عثور المرء على أخ يتفق معك في الرؤى حول الأحداث والمواقف والأشخاص يُعد أمرًا نادرًا في زمننا هذا، فما بالك إذا كان الأمر ليس اتفاقًا في الرأي وحسب، ولكنه اتحاد تام، هنا يتجلى حجم المصاب وفداحته. لقد ألزمت نفسي أن أزوره دائمًا، يوم أن تفرق عنه العاقون!!
وفي الفترة الأخيرة، كثفتُ من زياراتي له، فما من أحد يزورني من خارج الكويت إلا وآخذه معي إليه، كان هذا قبل قدوم شهر رمضان ثم العيد وبعده، جاء- من البحرين- عبد الرزاق المحمود، وكثيرًا ما كان يراه قبل الغزو العراقي، ورغم دخوله المجال الصوفي البحت، إلا أنه ارتاح له كثيرًا.. وجاء من ماليزيا محمد رسلي- مندوب الحزب الإسلامي.. وجاء من اليمن ومن بريطانيا، وكان آخر هذا الرهط الكريم- من الكويت- فضيلة الشيخ أحمد الجمل؛ حيث كان آخر من زاره قبل وفاته بحوالي عشرة أيام.. ولأنه من بلدته "المنصورة"؛ حيث نشأ، فقد طالت الجلسة، وجاء ذكر الرجل العظيم د. محمد خميس حميدة عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان- يرحمه الله- ودوره في أحداث عام 1954م.. وطلب مني الفقيد أن آتي بالشيخ "الجمل" مرة أخرى.. ليواصل الحديث معه، خاصة أن والد الشيخ كان عضوًا في الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين.
قال عبد الله بن مسعود: "من أراد منكم أن يستن فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن فتنته".. وأشهد من خلال معايشتي وصحبتي التي امتدت لأكثر من 44 عامًا؛ أن أخانا الفقيد كان حريصًا على "كمالات السلوك" عملاً وليس قولاً وتنظيرًا، وينتظم- في هذا- عمله الطبي وعمله الدعوي، ولعل أبرز القيم التي كان يتحلى بها: قيم الزهد، والثبات، والوفاء، وقول الحق، وعدم السكوت على العوج.
كان زاهدًا بحق في المسكن المتواضع وفي المأكل والملبس، ويتحرى الحلال في كل ذلك، ولقد صاحبته في سفر وتعاملت معه بالدينار، وأشهد أنه من الصادقين.
كان معرِضًا عما ألفه البعض من زخرف الدنيا، وكانت سعادته في غشيان مجالس العلم، وكم كانت نفسه في حبور، يوم زيارة العالم الجليل فضيلة الشيخ "بدر المتولي عبد الباسط"، وكان يحرص على أن أكون معه في ضيافة هذا العالم الجليل، وكان دائمًا يذكر بالإجلال والتقدير العلماء الأثبات: محمد أبو زهرة، عبد الوهاب خلاف، علي الخفيف، عبد الله دراز، محمود شلتوت، محمد الخضر حسين، وغيرهم. إنه بقدر ما كان عازفًا عن حطام الدنيا، كان نهمًا إلى سماع ومطالعة مواريث السماء.
وفي الثبات؛ كان على خط الإمام البنا رضي الله عنه وأرضاه في الجنة، وقد عايشه واقعًا وممارسةً. وفي مجال "الوفاء"، كان في قمة هذه الخصيصة، التزامًا وأدبًا، نحو دعوته ورموزها الكبار، فإن ذُكر أستاذنا د. حسان حتحوت يرحمه الله فيذكره على أنه أستاذنا، رغم أن فارق السن لم يكن كبيرًا (خمس سنوات فقط)، وكان يقول لي: "يا شيخ مأمون خلِّ إخوانك يطالعوا ما كتبه أستاذنا حسان: "العقد الفريد" 1942- 1952م، و"على هذا ألقى الله"، إن هذين الكتابين بهما من المفاهيم ما يُعتبر زادًا بعيدًا.. بعيدًا جدًّا عن خط النفس، وكان يصف أستاذنا د. توفيق الشاوي- يرحمه الله- بأنه وُلد كبيرًا وعاش كبيرًا.. ثم يذكر أستاذ الجميع، أستاذنا محمد فريد عبد الخالق- آخر عضو لمكتب الإرشاد في زمن الإمام البنا- وكان أول رئيس لقسم الطلبة في الجماعة منذ الأربعينيات- والجميع تربَّى على يديه، ولكن فقيدنا "حزين"؛ لأن أستاذ الجميع ما زال حيًّا، ولكن البعض يهجره، ولا يزوره، ولا يستثمر الكم الهائل الذي يملكه من تراث الجماعة.
وفي مجال "قول الحق وعدم السكوت على العوج"، فحدّث ولا حرج.. فقام ناصحًا ومنبهًا إلى بعض الأخطاء التي تراكمت دون علاج.. ثم محذِّرًا عما تؤول إليه الأمور، لقد جاءت إليه المسئولية، ويوم أن وجدها تحيد- تحت ضغط البعض تركها ولم يبال.
وهنا أسجل له آخر ما قاله عن مصر:
أ- أنا لا أسمح لنفسي ولا أرضى لغيري أن تُهاجم بلدي مصر من أي إنسان خارج مصر.. من يريد أن يهاجم ويظهر قوته فليذهب إلى هناك، وما يسمى بـ"لجنة إنقاذ مصر" في لندن، وغيرها أمور خاطئة لا نقرها ولا ندعو إليها.
ب- مصر هي القضية المركزية، ولن تحل قضية فلسطين اليوم وغدًا إلا إذا حلت قضية مصر.. وذلك بأن تعود "مصر" كبيرة كما كانت.. لقد أهملنا هذا وأخذتنا العاطفة، وشحذنا كل الهمم والطاقات، ولم نقصر في المدد المالي والبشري- وأنت تعلم هذا وشاركت فيه- ونسينا تمامًا بلدنا، لا بد من إعادة ترتيب جدول الأولويات، كان الإمام يستطيع إرسال آلاف المتطوعين لفلسطين، لكنه أرسل الآحاد فقط وليس من كل الشعب، لماذا؟ لأنه كان يرى أن المعركة الحقيقية ليست هناك في فلسطين.. إنها هنا في مصر، هل يعي إخوانك الآن هذا البعد الإستراتيجي أم أن العاطفة التي نشأنا عليها وظلت معنا إلى الآن هي المحرك لحركتنا؟
لقد استرسلت كثيرًا والحديث ذو شجون، ولكن حسبي أن أذكر شيئًا مما كان يعتمل في صدر الرجل قبل وفاته مباشرة؛ لعله يلقي الضوء على بعض ما كنا نجهله من فكر الرجل الذي عركته الأحداث وتطور معها، وأصبح يمتلك وضوح المنهج، ويمتلك أدواته الصحيحة في آن واحد، ومن هنا تأتي خسارتنا الحقيقية التي عبَّر عنها الشاعر:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض فحسبك مني ما تُجنُّ الجوانح
فما أنا من رزء وإن جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم على أحد إلا عليك النوائح