موعد مع العظمة
الأخ الحبيب..
أحييكم بتحية الإسلام؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
فإن المقصود بالعظمة هنا هو عمر رضي الله عنه، ثاني الخلفاء الراشدين، وشامة الإسلام وعزُّه، وروعته وبهاؤه، وأعظم رجل في تاريخ الإسلام بعد حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفيه وخليله؛ أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
إن ما كُتب عن عمر كثير كثير، وما كتبه الباحثون والدارسون وعلماء السياسة والاجتماع والفكر والأدب كله؛ إشادةٌ بتلك الشخصية الفذَّة التي يندر أن يجود الزمان بمثلها؛ فماذا يكتب مثلي؟ وما الذي يمكن أن يضيفه؟ إنها إذن مجرد ومضات.. خواطر قلب عاشق ومحب.. مجرد إلقاء شعاع خافت من ضوء على بعض جوانب من شخصية عمر، المثال والنموذج، مع الوضع في الاعتبار أن شخصية عمر أجلُّ وأعظمُ من أن يُحيط بها كاتبٌ نابهٌ أو كتَّابٌ نوابغُ، فكيف بمن كان مثلي؟!
فأن تكتب عن عظيم كعمر لا بد أن تتوافر لديك القدرات والإمكانات التي تستطيع أن تسبر غور هذه العظمة؛ أن تكون لديك الأدوات التي تعينك على الاقتراب منها، والإحساس بها، والإدراك العميق لمكامن القوة والنبوغ فيها، ولا أقول ذلك تواضعًا مني أو إظهارًا للتواضع، ولكنها الحقيقة التي أعلمها عن نفسي وقدراتي، خاصةً ونحن أمام هذا الإبهار الضخم الذي اجتمعت فيه كل سمات العظمة.
الأخ الحبيب..
من أين نبدأ؟! لا أدري.. فأنت أمام دنيا كاملة، فيها بالطبع من ريح الجنة وعبقها وسحرها.. بحار ومحيطات، أنهار وجداول، جبال ووديان، أراض وسماوات، بل مجرات وشموس وكواكب وأقمار!.
إن الفاروق قمة في كل شيء، في شموخه، وشدته، وحسمه، وحزمه، وعطفه، ورحمته، وعدله، وكرمه، وبذله، وتواضعه، وورعه.. أين نحن منك يا عمر؟!
إن الفارق بيننا وبينك، أنك جالسٌ على القمة، بل أنت القمة ذاتها.. أما نحن ففي السفح، أنك عملاق.. أما نحن فأقزام، وتحضرني كلمةٌ الآن قرأتها لفقيهنا وعالمنا الجليل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، يقول: كانت المساجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعةً، لكن المصلين فيها كانوا عمالقةً، أما الآن فالمساجد عملاقة، لكن المصلين أقزام.
يا عمر.. لقد أتعبت كل من جاء بعدك، أجهدتهم.. لم تترك لهم شيئًا جديدًا ذا بال يقدمونه لعقيدتهم وأمتهم وأوطانهم، بل وللبشرية كلها.
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه كان الصحابة يخافون عمر ويهابونه لشدَّته وصرامته، وازدادت خشيتُهم منه وتملَّكهم الرعب أن يؤول أمرُ الخلافة إليه، خاصةً في أواخر أيام الصدِّيق، لكنَّ إمارة المؤمنين فجَّرت في عمر ينابيع جديدة.. مناقب أخرى لم تكن ظاهرةً من قبل، أو كانت ظاهرةً لكنها لم تكن بهذا العمق.
نعم كان المسلمون يعلمون الكثير عن مكانة عمر عند الله تعالى وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف كان القرآن ينزل مؤيدًا لرأيه، منحازًا لوجهة نظره في كثير من المواقف الفاصلة في تاريخ المسلمين؛ وذلك لشفافيته العالية، وتجرُّده المذهل وزهده النادر، وقلبه المتوهِّج، ونفسه النقية التقية الزكية، وورعه العجيب، وهو ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه"، وكيف أن الحبيب المصطفى كان يرى فيه ما لا يراه غيره؛ فيصفه بالملهم، ويقول عنه في خلافته في رؤيا رآها: "فلم أرَ عبقريًّا يفري فريه".
في إحدى طرقات المدينة التقى عمر رضي الله عنه قاتل أخيه زيد في حرب "اليمامة"، وكان يحبه حبًّا عظيمًا، قال عمر للرجل: إني لا أحبك، فرد الرجل: أويمنعني ذلك حقي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لا.. قال الرجل: لا عليك، إنما يأسى على الحب النساء، لقد كان الرجل "جلفًا" في ردِّه، قاسيًا غليظًا في عباراته، لم يراعِ مشاعر أمير المؤمنين، لكنه كان واثقًا من عظمة عمر وعدل عمر.. وتلك هي العظمة في أحلى وأبهى صورها.
وعن عدله وقوته وصرامته فى إنفاذ الحق، لا نجد أشهر من قصته رضي الله عنه مع القبطي الذي ضربه ابن "الأكرمين" ثم فقَّهه في التطبيق؛ إذ لا عدل إلا إذا نَفَذَ الحق إلى صاحبه، فما معنى أن يحصل الإنسان على حكم لصالحه ثم لا يستطيع تطبيقه؟ وتبقى كلمته الخالدة دستورًا يتردَّد على ألسنة العالمين: أيا عمرو.. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".
وتبقى كلمة: إن الذين تحدثوا عن عبقرية عمر وعظمة عمر؛ نسوا شيئًا مهمًّا؛ هو عبقرية الرعية وعظمة الرعية، ربما كان ذلك ناشئًا عن عبقرية عمر ذاتها التي غطَّت على ما سواها، كما قال الشاعر:
فإنك شمس والملوك كواكب إذا ظهرت لم يبدُ منهن كوكب
لقد كان عمر العظيم يحكم عظماء، ويقود عمالقة، وإن نسينا فلن ننسى هذا الموقف الخالد: لو رأيتم فيَّ اعوجاجًا فقوموني.. فيرد عليه أحدهم: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناه بسيوفنا.. فلا يغضب عمر.. ولا يضيق ولا يتأذَّى، بل يطرب ويسعد ويُسَرُّ لذلك.. ألم أقل لكم إنها العظمة..
أسأل الله تعالى أن يعلِّمنا ويفقِّهنا في ديننا، ويلهمنا الرشد والسداد، وللحديث بقية إن شاء الله..
والله من وراء القصد.
---------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.