د. إيهاب فؤاد

يموت العظماء في صمت، لا تسمع لموتهم ضجيجًا، يخرجون من الدنيا كما أَتَوْها؛ لكنهم عند خروجهم يعلموننا أدب الرحيل، مسلسلٌ يتكرر أمام أعيننا كل يوم، بل كل لحظة، لا تقوم الدنيا ولا تقعد، ربما كانوا في حياتهم ملء السمع والبصر، ربما علَّموا الدنيا بأسرها؛ لكنهم حين يرحلون عن دنيانا يكون رحيلهم محيرًا، يا لتلك القلوب التي تمضي إلى ربها آمنةً مطمئنةً، ترحل على غير العادة، وكأنَّ الله يريد أن يُطهِّرها من كل ما في الدنيا من زخارف، ليبقى أمرها موكولاً إليه، إنها تمضي إلى ربها وجُلُّ همها أن يرضى عنها، تمضي وقد تجرَّدت من كل شوائب الدنيا وما يتعلق بها، لقد طلَّقته إلى غير رجعته، وودعته أبدَ الآبدين خلف ظهرها.
إنه الصدق والإخلاص الذي يُنَقِّي اللهُ تعالى به عبادَه، لا تتبعهم الزفة عند الموت، ولا يُحرِّكُ الإعلام ساكنًا إلا ما كان على استحياء، وكأنَّ رحيلَهم رسالةٌ للمتشبثين بالدنيا وزخارفها، هكذا يرحل العظماء، إنهم حين يرحلون تبكي عليهم الدنيا التي فارقوها، ويبكي عليهم مصلاهم، وتبكي عليهم السماء والأرض بينما غيرهم سائرون في غيهم، يعيشون في الدنيا ويتمتعون فيها ويأكلون ويشربون كما تأكل الأنعام.
ولعلي أذكر هنا كلمات الفاروق عمر؛ حين جاءه خبر انتصار المسلمين في معركة فتح الفتوح، يومها بكى لموت النعمان- رضي الله عنه- بكاءً شديدًا، ثم سأل عمر- رضي الله عنه- السائب عن مَن مات؛ فقال كثيرون من المؤمنين يا أمير لا تُعرَفُ وجوههم، فقال المستضعفون من المسلمين، ما ضرَّهم أن لا يعرفهم عمر بن أم عمر، ما دام الذي أكرمهم بالشهادة يعرفهم، لقد رحل عن دنيانا رجلٌ علَّمَنا الكثيرَ، ربَطَنا به، وربطنا بعلمه، في بساطةٍ عجيبة، وفي آياتٍ للكون كان يسبر غورها، ويغوص في أعماقها في كل يوم اثنين في تمام الساعة التاسعة؛ حيث كنا نجلس أمام التلفاز صغارًا نستمع إلى ذلك الصوت الحزين، والمتناغم مع ما يبثه ذلك البرنامج من عجائب، إنه برنامج "العلم والإيمان"، ثم يطل على الشاشة وجه الدكتور مصطفى محمود وهو يحيي الجالسين أمام الشاشات "أهلاً بكم"؛ لتبدأ الرحلة الأسبوعية في كون الله الفسيح، وفي ملكوته العظيم، لقد كانت تأخذنا الرحلةُ إلى عالم يُشعِرُنا بعظمة مبدع هذا الكون، كانت رحلةً إيمانيةً نستغرق فيها بكل أعماقنا ونحن تتكشف أمام أعيننا آيات بينات، وصور مبهرة.
ما ضرَّ هؤلاء الصادقين أن لا تودعهم الدنيا، وأن لا يقف لهم الإعلام على قدمٍ وساق، وأن لا يعلن التلفاز الحداد عليهم، ما ضرَّهم أن لا تشيعهم الأقلام، وأن لا تسطر الصفحات صولاتهم وجولاتهم وبين الثنايا عبراتُ المحبين تُذْرَف على عَلَمٍ من الأعلام، رحل عن دنيانا ويحبوها أمل أن يكون اللقاء على الحوض؛ حيث تتبدد المتاعب، وتزول الأحزان، حيث لا صخب ولا ضجر، ولا همَّ، ولا غمَّ ولا كدر؛ حيث الجنان التي أعدَّها الله تعالى لعباده الذين منحهم نِعَمَه، وأسبغ عليهم من فضله، وأظلهم بظله، واستمدوا النور من كلامه المعجز، لقد عاشوا غرباء، ورحلوا غرباء في زمنٍ لا يجد العلماء في ليلٍ عبوس إذا تلوَّى للرأس صدرًا يلقون برءوسهم عليه، يرحل العظماء في زمنٍ سرقت الأحزانُ البراءةَ من عيون الأطفال، والبسمةَ على شفاه الصغار.
لقد طُويت صفحاتٌ لامعة، وسجلاتٌ ناصعة من خصالٍ كانت ترطب القلوب، وتهدي العقول، ومن جميل ما أورده سفيان بنِ عيينة عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شرٌّ منه، ولا أعنى عامًا أخصب من عام، ولا أمطر من عام، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم؛ فيهدم الإسلام ويثلم.
وقال الحسن البصري: "موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار".
رحم الله العالم الجليل الدكتور مصطفى محمود وأسكنه الله فسيح جنانه.