- د. سحر عبد الغني: غياب دور الأسرة والإعلام أهم الأسباب
- عماد مخيمر: أبناء المدخنين الأكثر إقبالاً على الإدمان
- منى البصيلي: أمراض التدخين الهرمونية هي الأخطر
تحقيق- الزهراء عامر:
13 مليون مدخن في مصر، تقل أعمار 60% منهم عن عشرين عامًا.. هكذا يصدمنا تقرير منظمة الصحة العالمية الذي يُرجع سبب انتشار التدخين إلى غياب سياسة جدية لمنع التدخين والتقليل من أضراره، كما لا يوجد ما يقنِّن فعليًّا بيع منتجات التبغ، ويحظر بيعها لصغار السن.
وتدخين الأطفال بات ظاهرةً اجتماعيةً واضحةً وشديدةَ الخطورة؛ فهي تهدِّد حاضرنا ومستقبلنا مع كل سيجارة تلتصق بتلك الأنامل الصغيرة التي لا تدرك خطورة ما تفعل، وتسعى فقط لإثبات ذاتها ولفت أنظار المحيطين إليها، وهي لا تمثل فقط تهديدًا للثروة البشرية، وإضعاف الصحة العامة لشباب الغد وصناع المستقبل، بل نضيف إلى ذلك عبء الاستنزاف الاقتصادي لمعالجة نتائج هذه الكارثة.
وحول العلاقة بين فقر الأسرة وإقبال أطفالها على التدخين، أكد تقرير منظمة الصحة العالمية في مايو الماضي بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للامتناع عن التدخين، والذي رفع شعار "الفقر والتبغ دائرة مغلقة"؛ أن الفقراء هم الأكثر إقبالاً على التدخين؛ حيث تتراوح نسبة الإنفاق على التدخين بين الفقراء بين 15% إلى 45% من الدخل اليومي للأسرة، وقد تصل النسبة إلى 60%، كما هو الحال في بعض أنحاء الصين، وفي بلد فقير مثل بنجلاديش، أما بالنسبة لمصر فهي تتصدر قائمة بلدان إقليم شرق البحر المتوسط في هذا المجال؛ حيث تنفق 545 مليون دولار سنويًّا على تكاليف علاج الأمراض التي يسببها التبغ، إضافة لما تنفقه على شراء التبغ ومنتجاته؛ حيث تفوق نسبة الإنفاق على التبغ ما تنفقه الأسرة على العلاج وممارسة الرياضة والثقافة.
وكشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول أخطار التدخين السلبي أن هناك نحو 600 ألف طفل من أطفال العالم يلقون حتفهم سنويًّا؛ نتيجة تعرضهم لمخاطر التدخين غير المباشر، أو ما يًسمى بالتدخين السلبي عن طريق الآباء والأمهات؛ حيث تظهر تأثيراته بشكل مباشر على الرئة والجهاز التنفسي، وله تأثيرات أخرى مستقبلية على القلب وأخرى تصيب الأطفال بالسرطانات.
وبحسب تقرير، صدر مؤخرًا عن قطاع الشئون الوقائية "إدارة مكافحة التدخين" التابع لوزارة الصحة المصرية؛ فقد ارتفع عدد الأطفال المدخنين في البلاد ممن هم دون العاشرة إلى 73 ألف طفل، فيما بلغ عدد المدخنين الذين لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة نحو نصف مليون طفل.
وطبقًا للأرقام التي تضمنها التقرير، يبلغ عدد المدخنين في مصر 13 مليون مدخن، يستهلكون 80 مليار سيجارة سنويًا، بإجمالي أربعة مليارات علبة سجائر كل عام.
ويبرز التقرير الآثار السلبية للتدخين في الجانب الاقتصادي، حيث أشار إلى ارتفاع نسبة المتغيبين عن العمل من المدخنين، والتي تصل إلى 50%، مقارنة مع غير المدخنين.
وأوضح أن التدخين يستنزف 22% من دخل الفرد المدخن، فيما يبلغ حجم الإنفاق القومي على التدخين خمسة مليارات جنيه مصري سنويًّا، أما تكاليف علاج الأمراض المرتبطة بالتدخين فهي تصل إلى ثلاثة مليارات جنيه مصري سنويًّا، بحسب المصدر.
ومع كل هذا تقف الحكومة تنظر إلى الأطفال وهم يتساقطون مثل أوراق الشجر البالية دون اتخاذ أي أجراء يحمي جيل المستقبل من الوقوع في التهلكة، بزيادة الضرائب على التبغ لخوفها الشديد من قلة الطلب عليها؛ ولكن هناك دولاً أخرى مثل بريطانيا التي تؤكد أنه على الرغم من انخفاض مشتريات التبغ، بفضل زيادة الضرائب عليه؛ فقد زاد مجموع العائدات الضريبية التي تصب في خزانة الدولة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الدوافع التي دفعت نصف مليون طفل للتدخين؟ وهل هناك علاقة بين تدخين الكبار وانتشار هذه العادة بين الأطفال؟ وما الآثار المترتبة عليها في ظل التقصير الحكومي المعتاد؟
(إخوان أون لاين) ناقش هذه التساؤلات..
أين الأسرة؟
الأسرة حصن المجتمع
توضح د. سحر عبد الغني أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس أن غياب دور الأسرة المنشود، وغياب دور الأب بانشغاله في عمله لتوفير الاحتياجات المادية؛ أكبر دافع وراء انحراف الأبناء؛ فالأب لا يعلم من هو صديق الطفل، ويكون بعيدًا عن ابنه في الوقت التي يحتاج لوجوده بجواره كصديق يوجهه للصواب، فعندما لا يجده يقلِّد من بجواره دون وعي.

وتشير إلى أن لعب الأطفال لها دور كبير في انتشار وترسيخ تلك العادات؛ لأنه يقلِّد اللعبة التي معه دون وعي الأسرة بخطورة هذه الألعاب على مستقبل طفلهم، مؤكدة أن افتقاد وسائل الإعلام للقيم الأخلاقية أصبحت تعطي الطفل الطرق والوسائل لتعاطي المخدرات بأساليب جديدة، دون أن يظهر عليه أعراض تناول مثل هذه الأشياء، فلا تجد لدينا محطة فضائية إرشادية تسهم في تربية الأطفال، وتوجيه أفكارهم للطريق الصحيح.
وتقول عبد الغني: التدخين هو البوابة الرئيسية لتعاطي المخدرات، ومن يدخل عالم المخدرات يفعل ما يشاء من سرقة وانحراف وجريمة؛ ليحصل على المخدرات ما يشركه في جماعات انحرافية تبعده أكثر عن الطريق السليم.
وتضيف: المدخن أو المدمن يؤثر على المجتمع سلبيًّا، فلا يستطيع أن يقوم بمهامه المطلوبة بجانب أن المخدرات عبارة عن وباء، والذي يدخل فيه يشد له أفرادًا آخرين؛ حتى لا يشعر المدمن أنه هو المخطئ وحده.
وحذرت من أن الطفل الذي ينشأ على هذا النمط يكون طفلاً غير سوي، لا يستطيع أن يأخذ معلوماته من أين، ولا توجد أسس معينة كافيه يستند لها الطفل في الحصول على معلوماته، فهناك فوضى ثقافية يعاني منها المجتمع.
وتطالب د. سحر عبد الغني بضرورة تدخل كافة مؤسسات المجتمع المدني وتضافرها معًا؛ لتتغلب على هذه الظاهرة، وتقول: الأسرة عليها أن تفهم معنى التربية السليمة حتى تخرج جيلاً له أسس ومبادئ راسخة، لا تتغير مع تغير الوقت، بجانب الرقابة على ما تقوم بنشره وسائل الإعلام، بالإضافة إلى دور المدرسة في التوعية والرقابة للطلاب.
وتختتم حديثها بالتحذير من الاستمرار على هذا المنوال ما سيؤدي إلى تفاقم المشكلة في الفترة القادمة؛ لأنه لا يوجد أسلوب جيد في الوقاية، فالحالة ستسوء من سيئ لأسوأ فهذه الإحصائيات لا تقوم بالحل.
"أسطى بلية"
تدخين الآباء يهدد مستقبل الأبناء!!
ويرجع د. عماد مخيمر أستاذ علم النفس بجامعة الزقازيق أسباب إقبال الأطفال على التدخين في بداية حياتهم إلى تدخين الآباء؛ فأبناؤهم أكثر إقبالاً على التدخين، كما أن الطفل يكون مدمنًا أثناء الحمل بسبب وجود بعض الأشخاص المحيطين به مدخنين، فيتعرض للتدخين السلبي الذي يتنقل له عبر أمه، وهذا الطفل يكون أكثر عرضةً للتدخين عند غيره من الأطفال.

ويؤكد أن الطفل الذي يعمل أكثر عرضة لممارسة هذه العادة؛ لأنه يتعامل مع وسط كلهم مدخنون، بل الأخطر مدمنون لبعض أنواع المخدرات؛ فالمحيط الذي يحيط به كله مشجع أو ميسر له، ويضيف: هذا بجانب قضائه معظم الوقت بعيدًا عن البيت، ولا يوجد عليه رقابة من أحد؛ ما يساعد أكثر على الانحراف.
ويوضح أن هذه العادة السيئة لها أضرار صحية كبيرة على الطفل منذ تكوينه، فقد يصاب الطفل ببعض الأزمات الصدرية، بالإضافة إلى بعض الأضرار التي تلحق به من الناحية الاجتماعية، فيفقد هذا الطفل الثقة في نفسه، وعندما يكبر لا يكون أبًا صالحًا ولا زوجًا صالحًا، بجانب تعطل دراسته، فلا يستطيع أن يكون شخصًا منتجًا.
أمراض هرمونية
وترى منى أحمد البصيلي الطبيبة بمركز الاستشارات النفسية والاجتماعية بالإسكندرية أن الضغوط النفسية؛ هي العامل الرئيسي وراء انحراف الأطفال، والبعد عن الطريق السليم، بجانب محاولتهم المتكررة لإثبات الذات، ولفت أنظار المحيط به إليه؛ لأنه يفقد الجهة التي يلجأ لها لحل المشكلة.
وتؤكد أن هناك مجموعة من الأمراض الناجمة عن تدخين الأطفال، والتي تصيب بشكل مباشر الهرمونات والجهاز العصبي، موضحة أن هرمونات الإنسان وجهازه العصبي تكون في طور النمو حتى سن العشرين، وإذا ما أقبل الإنسان على التدخين قبل هذه السن؛ فسوف يؤثر تدخينه بالسلب على الهرمونات ونمو الجهاز العصبي، ويسبب خللاً مؤكدًا فيهما، وبالتالي تكثر لدى الطفل المدخن أمراض المناعة بشكل عام وسرطان الدم المبكر والأمراض الهرمونية والسكر، هذا طبعًا بالإضافة إلى قائمة أمراض أخرى تصيبه كتصلب الشرايين والشيخوخة المبكرة وأمراض الدم والعيون، فضلاً عن وجود بعض العادات التي يمارسها المدخن تزيد من انتقال الأمراض؛ وهي تبادل السجائر التي تتسبب في زيادة مرض السل الذي انتهي لفترة، ولكن رجع بضراوة نتيجة الأعمال الخاطئة.
وتشير إلى أن هناك جانبًا سلبيًّا آخر لعملية التدخين؛ هو إهدار الأموال التي تتمثل في صرف الأموال على شراء السجائر، وصرف الأموال على العلاج؛ للتخلص مما سببته السجائر، موضحًا أن هناك مزيدًا من الإنفاق في مجال خاطئ.
وأدانت النظام المصري الذي يشرِّع كل يوم قوانين لا تطبق، ما يكون على حساب الجيل الشاب الذي هو أمل أي مجتمع، مثال قانون منع بيع السجائر لأقل من 18 سنة، ومنع التدخين في الأماكن العامة، وتقول لو طُبقت هذه القوانين فستحمي الأطفال من الوقوع في الخطأ.
وطالبت بضرورة الرقابة على المدارس وورش العمل، وخاصة المدارس الفنية الصناعية؛ لأن طلابها في سن صغيرة، ويدخنون بنسبة 80% إلى 90%.
وشددت على ضرورة رفع الدعم عن السجائر، موضحة أن مصر هي البلد الوحيد التي تدعم منتجات التبغ؛ فرفع سعر السجائر تجعل الأطفال لا يستطيعون شراءها، ولا يشتريها إلا المقتدر، وبالتالي يقل الإقبال عليها.