الحياة مع البركة

الأخوات الفضليات:

أحييكن بتحية الإسلام، فالسلام عليكن ورحمة الله وبركاته وبعد؛

فأقصد بالبركة أمي الرءوم التي أُكن لها كل تقدير واحترام وإعزاز وإجلال، والتي تعيش معي في كل لحظات حياتي: في قلبي ووجداني ووعيي، نعم غابت عني بجسدها، لكنها ما زالت تطل عليّ بروحها وابتسامتها ونظراتها وحبها وعواطفها ولفتاتها وسكناتها.

 

لها أدين بالفضل- كل الفضل- لبذلها وعطائها وتضحياتها، ولولاها ما كنت، ولا أصبحت.. وجودي وحياتي وعواطفي وآمالي وأحلامي، بل وتفكيري مرتبط بها مشدود إليها، لا ينفك عنها، إنها والدتي الحبيبة- زينب- رحمها الله رحمة واسعة وجمعني بها في مستقر رحمته، من مواليد مدينة دمياط عام 1925م، الشقيقة الصغرى لعدد من الأخوات والإخوة: هانم، قدرية، فاطمة، عزت، سليمان.

 

وكان الجميع يحنو عليها ويتودد إليها لدماثة خلقها ووداعتها، وجمالها، وقد توفوا جميعًا قبلها، وأذكر أن والدتها- وتُدعى حبيبة- توفيت قبل الجميع وزينب ما زالت بعد صغيرة؛ مما زاد في حنو الجميع وحدبهم عليها، فتزوج والدها بامرأة- تُدعى أم عبده- كانت متزوجة من قبل وتوفي عنها زوجها.

 

وللحقيقة كانت أم عبده تحنو على أولاد زوجها وتعاملهم كما أبنائها تمامًا، وقد أنجبت منه ثلاث بنات هن: هدى ونعيمة ونوال لا زلن على قيد الحياة، وكان ارتباطهن بوالدتي زينب كبيرًا وعلاقتهن بها كانت حميمة للغاية، وقد عاشت أم عبده حتى تزوجت والدتي وأنجبت كل أخواتي الحبيبات: ليلى وعفاف وفوزية، وأخي الحبيب مصطفى، وكانت تأتي لزيارتنا وتمكث عندنا أيامًا، وكنا نناديها بـ"نينة"، وكان ذلك نتيجة لكرم ومودة والدتي وبرها بها وببناتها.

 

كانت الوالدة الحبيبة من النوع الهادئ الوادع، لا تثور إلا إذا رأت خطأً لا يمكن إغفاله أو التجاوز عنه، مع حزم وحسم في كل الأمور، ولا شك أن هذا أهلّها لكي تتحمل المسئولية وتقوم بالتبعة بعد وفاة والدي رحمه الله خير قيام وهي في سن يناهز الثلاثين، وعاشت بعده ستة وثلاثين عامًا أشرفت فيها على توجيهنا وإرشادنا وتربيتنا وعصمتنا من كثير من الزلل، خاصة أن الوالد لم يترك لنا شيئًا غير بيتنا الذي نسكنه.

 

وكان أكبرنا في سن الخامسة عشرة وأصغرنا في سن السابعة، فكفلنا خالنا الذي لم يرزق بأطفال، والذي فقد تجارته الكبيرة قبل أن نؤول إليه، فكانت الحياة صعبة بمعنى الكلمة تحملتها الوالدة بكل الثبات والصمود إلى أن صار ثلاثة منا أساتذة في الجامعات المصرية وتزوجنا وأنجبنا جميعًا.

 

ولأضرب مثلاً بهذه القصة القصيرة كي أدلل على ما كانت تتمتع به الوالدة من حسم؛ فقد كنت في صغري أعشق الكلاب وأرغب في اقتنائها، وكانت هناك بائعة للفاكهة تقف بعربتها بالقرب من بيت جدي لوالدتي وقد عرفت بهذه الرغبة فأهدتني كلبًا صغيرًا غاية في الجمال، فأخذته وذهبتُ به فرحًا إلى البيت، وقمت بشد وثاقه بحبل إلى ماسورة المياه الداخلة إلى شقتنا، وكانت الشقة المقابلة غير مبنية حيث أقامت الوالدة بها عششًا للبط والفراخ والأوز والأرانب.

 

وفي صبيحة اليوم التالي لإحضار الكلب الصغير خرجت الوالدة من باب الشقة كعادتها تحمل طعام الدواجن فأبصرت الكلب وقد علت وجهها الدهشة، فقالت: ما هذا؟ قلت مترددًا: ده.. ده.. كلب.. قالت: أنا أعرف، أنا أسأل من أحضره؟ وما سبب وجوده هنا، قلت: أنا الذي أحضرته لكي.. وقبل أن أكمل قالت: خذ هذا الكلب واذهب به إلى المكان الذي أحضرته منه، قلت بخبث: لقد أحضرته ليقوم على حراسة البط والفراخ والأوز، قالت: لا يبقى هنا دقيقة واحدة، قلت: دعيه أيامًا، قالت: لا يمكن، قلت: ولو يومًا واحدًا؟. قالت بحسم خذه الآن وإلاّ.. وفهمت أن المسألة لم تعد تحتمل الهزل وقد أصبحت على مقربة من العلقة الساخنة، وأن الكلب سوف يُلقى به في الشارع لا محالة حيث لا عناية ولا رعاية، فاضطررت مرغمًا لأخذ الكلب والذهاب به إلى صاحبته لتتصرف فيه، فهذا أفضل حل ممكن.

 

كانت الوالدة رحمها الله من النوع الكريم المعطاف وخاصة تجاه الفقراء والمحتاجين، وأذكر أنها كانت ترسلني كل يوم ببعض الطعام إلى سيدة عجوز لا عائل لها تسكن بالقرب منا في غرفة خشبية متواضعة للغاية أسفل سلم إحدى البنايات، وكان والدي رحمه الله يشجعها على ذلك، ويسألها: هل أرسلت طعامًا إلى فلانة وفلانة؟ وفي المناسبات المختلفة، كرمضان والأعياد، كانت الوالدة أكثر عطاءً وجودًا.

 

كانت علاقتها بالجيران غاية في التميز، تحفظ حرماتهم وجيرتهم، ولم يؤثر عنها قط أنها دخلت في خصومة مع جارة لها، وكن يأتين لزيارتها كثيرًا، ولم تكن تقع في حق إحداهن كما تفعل النساء عادة في مجالسهن، وهو ما جعلها محبوبة ومحترمة ومقدرة من الجميع، وكانت حريصة كل الحرص على صلة الرحم، تصل أخواتها وأخاها وشقيقاتها من أبيها، وبنات زوجة أبيها، وكانت خالتها هانم- زوجة الرجل الثري- رحمها الله تعالى تحبها حبًّا جمًّا وتؤثرها بزياراتها الكثيرة، وتقضي عندها أوقاتًا طويلة.

 

كانت الوالدة- رغم حسمها وحزمها- خفيفة الظل إلى أبعد مدى، وكانت تمزح مع الأطفال كثيرًا، خاصة حينما يحتاج الموقف إلى ذلك، صعدتْ إليها يومًا الابنة الصغرى لجارتنا وهي تحمل معها شهادة الشهر الأول للسنة الثانية الابتدائية، وقد بدت عليها السعادة، وحينما نظرت الوالدة إلى الشهادة وجدتها تمتلئ دوائر حمراء (كعكًا) في معظم المواد: فقالت لها على الفور: انزلي إلى والدتك الآن وقولي لها إن تضع لك على الكعك سكرًا.

 

وفي يوم كانت في زيارة إلى الأخت عفاف، قالت إحدى بناتها بخبث للوالدة: قولي لي يا نينة "مامتك" كانت بتشتغل إيه؟ (وكانت الوالدة لا تقرأ ولا تكتب، بل كانت توقع باسمها بالعافية)، فردت الوالدة عليها: كانت بتشتغل ناظرة مدرسة، قالت الحفيدة: فما كان اسمها، أجابت الوالدة: كان اسمها رشا!!.

 

ذكرني هذا بنادرة حكاها لنا الدكتور علي سالم مشهور- رحمه الله- أستاذ الرياضيات وعميد كلية علوم أسيوط الأسبق في الثمانينيات، قال: جاءني ابني يومًا (وكان في السنة الخامسة ابتدائي)، وقال لي مندهشًا: تصور يا بابا.. عندنا في الفصل طفل اسمه عبد الجبار!!

 

في السنوات الأخيرة من عمر الوالدة ابتليت بجملة من الأمراض المستعصية، وكانت صابرة محتسبة، ولإحساسها بقرب منيتها؛ قررت في يونيه من عام 1992م أن تنتقل إلى بيتها بدمياط حيث تعيش الأخت ليلى وحيث قبر الوالد رحمه الله، وفي سبتمبر من العام نفسه نزلتُ من أسيوط مع زوجي وابنتي نهى إلى القاهرة حيث كان مقررًا أن أسافر إلى ألمانيا لحضور اجتماع للإخوان هناك فأوصيت زوجي وابنتي بالسفر إليها والمكث معها، وقد كان.

 

واشتد المرض على الوالدة ومكثت زوجي معها حتى وافتها المنية بعد أيام قليلة، وفي اللحظات الأخيرة قبل الوفاة، ظلت زوجي تلح عليها بالنطق بالشهادتين وبالدعاء لي فاستجابت رغم المعاناة الشديدة لسكرات الموت، والحمد لله على ذلك كثيرًا.

 

وقد بذل إخوان دمياط- وعلى رأسهم أستاذنا الحبيب الحاج أسعد زهران أكرمه الله- جهدًا مشكورًا في تشييع جنازة مهيبة لها، وحرص أستاذنا ومربينا وشيخنا محمد حامد أبو النصر المرشد العام الأسبق للإخوان المسلمين رحمه الله ورضي عنه وأرضاه على حضور جنازتها وتلقي العزاء على قبرها بدمياط.. رحمها الله رحمة واسعة وغفر لها وجمعنا بها في عليين مع النبيين والصديقيين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

 

كل ذلك حدث وأنا لا أعلم، وحينما حضر فضيلة الأستاذ المرشد بعدها إلى ألمانيا كلّف الأخ الحبيب إبراهيم شرف- رحمه الله- بأن ينتحى بي جانبًا ويخبرني بالحدث، فلم أملك نفسي من النحيب والبكاء، وسبحان من له الدوام.

 

الأخوات الكريمات:

أوصيكن خيرًا بأمهاتكن وأمهات أزواجكن فهن الخير والبركة، خاصة في هذا الزمان الذي قلّ فيه الخير وتوارت فيه البركة، واجتهدن أن تبذلن أقصى ما في وسعكن لإدخال السرور على قلوب هذه البركات لعل الله تعالى أن يبارك في أولادنا ليحفظوا لنا مواقفنا حيال أمهاتنا، ونسأل الله أن يغفر لآبائنا وأمهاتنا وعلمائنا ومشايخنا وأصحاب الحقوق علينا، وأن يجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة.

والله من وراء القصد..

------------------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين