- زكريا الجنايني: لن يقدموا شيئًا وخبرتنا معهم تؤكد ذلك

- د. حسين شلبي: خسائر هائلة وسياسات فاشلة وخطط غامضة

- إبراهيم عبد العزيز: الزراعة تحولت لمزادات والفلاح هو المظلوم

 

تحقيق- هند محسن:

فجأة وبعد نحو 30 عامًا؛ تذكَّر الحزب الوطني الحاكم الفلاح المصري وهمومه ومشاكل قطاع الزراعة، وهو القطاع الذي شهد تدهورًا خطيرًا في ظل حكومات الحزب الحاكم، كما زادت سياسات القطاع الزراعي سوءًا بعد سوء، وأصبح الفلاح هو ضحية تلك السياسات الفاشلة، والتي تنعكس بلا شك بالسلب على عموم المواطنين.

 

القطاع الزراعي في مصر شهد كوارث هائلة؛ حيث انهار التعاون الزراعي تحت وطأة البيروقراطية القاتلة، وانحازت سياسات الدولة لكبار المزارعين والرأسماليين؛ فأدى الأمر بهم إلى الاحتكار من قِبل الشركات الزراعية الكبرى؛ حيث تركت الدولة الأسواق لتحديد أسعار المنتجات الزراعية دون دعم الفلاح البسيط أو حمايته منها، ورسخت تبعية الفلاح للشركات العالمية ووكلائها المحللين، كما شهد القطاع علاقة تبادلية غير عادلة فيما يخص أسعار المحاصيل الخام من جهة وأسعار مستلزمات الإنتاج من جهة أخرى!!

 

وغابت إرادة الدولة في الحفاظ على الأرض الزراعية في وادي النيل والدلتا من التآكل والضياع، إلى جانب تدهور أوضاع البحث العلمي ومراكز البحوث الزراعية في ظل عدم رؤية واضحة لمستقبل الزراعة ككل في مصر، كما تآكلت الأراضي الزراعية الخصبة من قِبل البناء؛ حيث ضمتها الدولة وإقطاعيو مصر الحاليون لكاردونات المدن، فجرفت الأراضي خصيصًا لذلك؛ حيث تم تجريف نحو مليون و200 ألف فدان من الأراضي الخضراء من أصل 6 ملايين فدان، وذلك طبقًا لإحصاءات مؤسسة (الأهرام)!!

 

وروَّجت حكومة الحزب الوطني لأوهام المشروعات العملاقة، وتحويل الأراضي الزراعية إلى مشروعات ومنتجعات سياحية.

 

وتدهورت خصوبة الأرض؛ بسبب الإجهاد والتلوث بالكيماويات والمبيدات، وارتفعت مناسيب المياه الأرضية والملوحة، وذكرت إحدى الإحصاءات عن مركز الأرض أنه بحلول عام 2010م ستفقد مصر 12% من أجود أراضيها الزراعية، ولم يهتم واضعو السياسات في مصر بالمياه والطاقة كمحددَيْن رئيسيَّيْن للزراعة.

 

وتصدرت مشكلة مياه الري قائمة كوارث الزراعة؛ فتلوثت المياه بالمبيدات والصرف الصحي، فضلاً عن سوء توزيعها على الفلاحين كحصص متساوية للري، هذا غير دعاوى تسعير مياه الري.

 

ولم يسلم الفلاح من كوارث الحزب الوطني، ففقد فرصة الحصول على الأراضي الزراعية، وتم نزع ملكيات الأراضي دون تعويض الفلاحين، والمبرر أن النزع للمصلحة العامة، كما ارتفعت إيجارات الأراضي بالنسبة للفلاح، وارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي بشكل كبير وعلى رأسها سعر الأسمدة، وتم توريد مبيدات فاسدة له؛ فأصابت الأرض والفلاح والمواطنين بأمراضٍ خطيرة أقواها مرض السرطان.

 

وتستمر كوارث حكومة الحزب الوطني، بالسياسات المتخبطة لوزارة الزراعة؛ فقام تحت سمعها التجار والشركات الكبرى وأعضاء الجمعيات التعاونية وبنك الائتمان بسرقة الدعم الذي تقدمه الدولة لقطاع الأسمدة، والذي يبلغ 7 مليارات جنيه، كما تم تداول المبيدات المغشوشة، والتي أثرت على المحاصيل والتربة.

 

وينضم لقائمة الكوارث صفقة القمح الفاسد، وزيادة زراعة الأرز عن المعدل المفروض زراعته، فضلاً عن المبيدات المسرطنة، ومشروع الهندسة الوراثية للمحاصيل، إضافةً لعدم تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الزراعية، نظرًا لتعمد حكومي في عدم وضع خطة شاملة للقطاع الزراعي.

 

وبعد كل هذا الخراب، يقول الحزب الوطني الحاكم إنه يضع الزراعة في محور اهتماماته الرئيسية، والذي أعلن عنه في مؤتمره السادس الذي يعقد حاليًّا.. والسؤال الذي يطرح نفسه:
ماذا سيقدم الحزب الوطني أكثر مما قدمه من فساد وخراب؟ وكيف يرى الخبراء التناقض القائم في ظل تأكيدات الحزب الحاكم عن عدم تخليه عن الفلاح، في الوقت الذي يتم فيه انتهاك جميع حقوقه الجسدية من تعذيبه، والمالية من نزع ملكيته عن أرضه؟ وماذا عن سياسات وزارة الزراعة المتخبطة وكيف نواجهها؟ وهل يملك الحزب الوطني حلولاً فعلية هذه المرة أم هو مجرد خداع عقلي؟ وكيف نكشف زيف ادعاءاتهم؟

 

"شو إعلامي"

 الصورة غير متاحة

 زكريا الجنايني

بدايةً، يقول النائب زكريا الجنايني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، وعضو لجنة الزراعة والري بمجلس الشعب: إن خبرتنا بالحزب الوطني الحاكم أنه لن يقدم شيئًا يُذكر إلا هذا الـ"شو الإعلامي"، والذي أصبح لا يقنع حتى المواطن البسيط على حد وصفه؛ الأمر الذي يؤكد عدم مصداقية الحكومة في برنامجها، فضلاً عن تدميرها لمحاصيل مهمة، منها مصل القمح والأرز!!

 

وأضاف الجنايني أن مهنة الزراعة التي أصبحت القلعة الوحيدة التي نحتمي منها، بعد أن أفقدتنا حكومة الحزب الوطني قطاعاتنا المختلفة، وعندما يتم تدميرها؛ فنكون قد فقدنا آخر حصوننا.

 

وأوضح الجنايني أن وضع الحزب لا يسمح بهذا التغيير المطروح في برنامجهم، وبالتالي لا نتوقع أي جديد في مجال نهضة الزراعة، ويجب عليهم اللجوء للمتخصصين من علماء ومراكز بحثية وعمل مؤتمر موسع؛ لعرض كافة مشاكل قطاع الزراعة، ومن ثَم طرح حلول لها.

 

وقال الجنايني: إن التناقضات في تصريحات أعضاء الحزب الحاكم، والواقع الحياتي الذي يعيشه الفلاح ما هي إلا فقدان للمصداقية، صحبه فشل في تطبيق البرنامج المطروح؛ حيث إنهم لم يفلحوا في أيٍّ من مجالات الحياة، فنحن خارج المنافسة العالمية، ولا وجود لنا في مجالاتها أبدًا، وبالتالي لم يبق ما يقدمونه للوطن إلا "مانشتات" مفلسة، كما أنهم حولوا الزراعة إلى أمرٍ سياسي انهارت على إثره.

 

وطالب كل قوى الوطن أن تكشف ادعاءات الحزب الوطني، بفضحه بتقارير ودراسات عن أرض الواقع ، وإبراز ما خفي من فساد المسئولين، ومثلاً نشدد على مطلب الاكتفاء الذاتي من محصول القمح الذي أراضينا غنية به، متحديًا أن تحدث هذه النهضة في ظل حكمهم؛ حيث إن وزير الزراعة السابق أحمد الليثي حاول أن ينهض بقطاع الزراعة إلا أن جزاءه كان الإقصاء.

 

خطط متدهورة

ويرى الدكتور حسين شلبي أستاذ الاقتصاد الزراعي أن كل ما يقوم به الحزب الوطني ما هو إلا "بروباجندا" إعلامية، فتحسين القطاع لا يأتي بالكلام؛ ولأن الزراعة تحتاج إلى بُعد زمني طويل؛ لذلك فهي تحتاج للخطط طويلة المدى، أما الخطط الحالية فمتدهورة للغاية، كما نرى ما أصاب القمح، وقصب السكر والقطن، وزراعة ضعف المطلوب من محصول الأرز؛ فهذا تخبط واضح، والسياسات الزراعية الحالية فاشلة، وبرنامج الحزب ما هو إلا مجرد شعارات قديمة بلغة حديثة!!

 

وأكد شلبي أن الفلاح المصري ذكي بفطرته، فهو لا يصل إليه كلام الحزب عن التطوير في قطاع الزراعة، فضلاً عن تعود المزارع منذ زمنٍ بعيد أن حكومة الحزب الوطني لم تقدم له أي تطور أو تنمية أو موارد إنتاجية صالحة وصحية لزراعة أرضه، قائلاً: "يا ريت يعملوا تطوير ولو جزئي، يا ريت بس يبدءوا ، لكن ده مش هيحصل!!".

 

وطلب شلبي مساءلة الحزب الوطني ماذا فعلتم العام الماضي؟ وماذا قدمتم؟ وهل التزمتم ببرنامجكم أو لا؟ في إطار كشف حساب لكشف زيفه.

 

 الصورة غير متاحة

أحوال الفلاحين والمجالات الزراعية تدهورت في ظل سياسات الحزب الوطني

وعرض شلبي للخسائر الهائلة في القطاع الزراعي؛ حيث كان من المفترض زراعة مساحة ما يقرب من 1.5 مليون فدان بالأرز، إلا أنه تم زراعة 2.5 مليون فدان؛ ما أدى إلى خسائر كبيرة لأن الأرز يستهلك في زراعته كميات ضخمة من مياه الري وموارد إنتاجه، وهناك صفقة القمح الفاسد المستورد، فغير أننا نستورده وبإمكاننا الاكتفاء الذاتي منه، فالصفقة حققت خسائر هائلة لنا؛ لأن القمح كان فاسدًا، فكأننا لم نستورد أصلاً!!

 

وأضاف شلبي أن خسائرنا الزراعية لا تنتهي، فغير ما نخسره يوميًّا من زيادة أسعار إنتاج قصب السكر، والخسائر المحققة في زراعة القطن والذرة، نخسر يوميًا أراضي زراعية يتم تجريفها في كردونات البناء، ناهيك عن عدم تحقيق المطلوب من القطاع الزراعي، وتنفيذ مشاريع الاكتفاء الذاتي في محاصيل مصر؛ لأننا لا نزال نستوردها وهي في أرضنا!!

 

مزادات واحتكارات

ويوضح إبراهيم عبد العزيز مدير مركز الأرض لحقوق الإنسان أن حكومة الحزب الوطني وراء التراجع في زيادة الرقعة الزراعية منذ عام 2000م وحتى اليوم، فمن المفترض استصلاح 200 ألف فدان سنويًّا؛ كي نحافظ على نصيب المواطن المصري الذي يبلغ 1/8 فدان فقط، ولكن هذا تراجع أيضًا بشكل مخيف!!

 

وأضاف عبد العزيز أن الدولة لا تسير وفق خطة لتزيد نسبة الأراضي الجديدة وزيادة نسبة محاصيل كالقمح والقطن وقصب السكر، وبالتالي نحتاج إلى استثمارات؛ لكن ما يحدث على أرض الواقع ومنذ 30 عامًا؛ هو تعرض المزارع وأرضه للمياه الملوثة والري بمياه الصرف الصحي والمبيدات المسرطنة، والتي تسبب 38 مرضًا أخطرها مرض السرطان.

 

وأشار عبد العزيز إلى أن وزارة الزراعة لا تملك خطةً واضحةً لتطوير القطاع، وأصبحت مهمتها الوحيدة إرشادية، ومحاولة عمل أبحاث، ومن ثَم محاولة تطبيقها، قائلاً: "الكلام جيد لكن عليه أن يصل لحيز التنفيذ؛ لكن ما نراه هو عناوين للصحف فقط!!".

 

وأعرب عبد العزيز عن استيائه الشديد، فالفلاح المصري المواطن الحقيقي المظلوم على أرض وطنه، على حد تعبيره؛ فهو يكد ويتعب، وفي نهاية الأمر لا يجد حقه، كما أن مصالح الزراعة تحولت إلى مزادات واحتكارات تسيطر عليها فئة بعينها.

 

وشدد عبد العزيز على مساعدة الفلاح ودعمه في موارد الإنتاج؛ فيجب تخفيض سعر الأسمدة وعدم تسعير المياه، كما تردد لاحقًا حتى لا يتم خصخصتها، فيلتزم الفلاح بتوريد مُشجِّع لمحاصيل معينة وتستفيد البلاد، يجب أن يتم ذلك وإلا سنخسر الكثير.

 

وطالب كشف ادعاءات الحزب الحاكم بإظهار الواقع الذي يعيشه الفلاح، وإظهار مشاكله، وتسليط الضوء عليها، وعلى سياسة الحزب غير المنضبطة، مشيرًا إلى أن أحد أسباب الخلل الذي يعيشه قطاع الزراعة أن وزيرها لا علاقة له بالزراعة في الأساس، وهذا في حد ذاته فضيحة!!

 

أما الدكتور أسامة البهنساوي أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة جامعة الأزهر؛ فيرى أن المسألة تكمن في أن سياسات الإصلاح الزراعي لم يتم تطبيقها، وذلك بسبب تكرار الأزمات السعرية والمالية.