قبل أن تكتب وصيتك!

الأخ الحبيب..

تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

فلعلك تذكر أني سألتك في رسالتي إليك قبل الماضية عن ضرورة أن يكون لك مشروعٌ في حياتك، أو في هذه المرحلة من مراحل حياتك، تخدم به عقيدتك وأمتك، وأين تجد نفسك من حيث طاقاتك وإمكاناتك، وهل سعيت لكي تكتشف هذه الطاقات وتوظِّفها وتستثمرها أم لا؟!

 

ومن منطلق الحكمة القائلة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا"، أسألك في هذه الرسالة سؤالاً أتصور أنه مهمٌّ للغاية سوف يكون له ما بعده، وهو: هل كتبت وصيتك؟ وما هي الأعمال التي يجب عليك أن تنجزها سريعًا قبل أن ترحل؟ وما هي المعاني والقضايا التي أردت أن تُضَمِّنَها إياها مثل الوصية قبل الرحيل؟! وما هي الوصايا التي رغبت أن تتذكرها وتوصي بها زوجك وأولادك وذوي رحمك وإخوانك وأحبابك؛ بعد أن يغيبَك الثرى وترحلَ عن دنياهم؟!

 

إذا كنت لم تقُم بذلك فأسرِع إلى استدراك ما فاتك، وبادِرْ بالقيام بما يجب عليك قبل أن تلقَى الله تعالى؛ لأن الآجال محدَّدةٌ سلفًا، والأعمار- وإن طالت- لا بد لها من نهاية، يقول ربنا عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 34).

 

وأنت توقن يا صاحبي أن الموت قد يأتي بغتةً وبدون مقدمات، ولا مجاملة في ذلك لأحد صغيرٍ أو كبيرٍ، وأظن أن ما يحدث أمامنا خيرُ شاهد ودليل، ولا يحتاج إلى إثبات أو برهان؛ لذا أرجو منك- رحمني الله وإياك- ألا تؤجِّلَ أو تسوِّفَ في هذا الأمر، وأن تتعامل معه بجدٍّ، فلا ندري ما الذي يمكن أن يحدث بعد يوم أو بعد ساعة أو حتى بعد لحظة.

 

الأخ الحبيب..

وقبل أن تتهيَّأ لكتابة وصيتك أدعوك إلى لحظة تأمُّل، مجرد لحظة، تتأمل فيها جلائل نعم الله عليك، وهي كثيرة كثيرة، لو أمضيت عمرك كله ما استطعت إحصاءها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: من الآية 18)، لكنَّ أول هذه النعم وأعظمها على الإطلاق هي نعمة الإسلام والإيمان.. نعمة العزة والحرية والسيادة والسعادة الأبدية، جعلني الله وإياك من أهلها، هل سألت نفسك يومًا ماذا لو أنك وُلدت لأبويْن كافريْن؟ وماذا لو نشأت كافرًا، وعِشت كافرًا، ومت كافرًا؟!.. مصيبة لا تعدلها مصائب الدنيا كلها!!.

 

لكنَّ الله تعالى عافاك ورحمك، فقد علم- وعلمه سابق على الخليقة- أنك لو خُيِّرتَ بين الإسلام والكفر فسوف تختار الإسلام، فكتب الإسلام قبل أن تُولد وقبل أن يكون لك وجودٌ في هذه الحياة.. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)﴾ (الأعراف).

 

هكذا اقتضت إرادته ومشيئته، وعدله ورحمته، ومنحته وعطيته، فأكرِم بها منحة وأعظم بها عطية، وإذا كان لكل هِبَة أو عطية حق، فإن حق هذه العطية الكبرى هو الشكر، وعظيم الامتنان، والعمل الصالح الذي يرضى عنه الله تعالى ويتقبله ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾ (النمل: من الآية 19).. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: من الآية 15).

 

هذا حق الله تعالى علينا، وهو أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، كما جاء في الحديث، أما حقوق العباد فتلك قضية أخرى؛ لذا أذكِّر نفسي وإياك بها، والوقوف عندها، وحسم الموقف منها قبل فوات الأوان، وقبل أن يدهمنا هازم اللذات، لا بد أن نسأل أنفسنا كل لحظة، هل لأحد حقوق علينا؟ وهل هي حقوق مادية أم معنوية أم الاثنان معًا؟ هل لأحد علينا من دين؟ هل حصلنا عن أحد أو من جهة ما على شيء ليس من حقِّنا؟ وهل في نيتنا سداد هذا الشيء؟ وما هي الإجراءات التي اتبعناها نحو ردِّ الحقوق؟ وإذا لم نكن قادرين على ذلك هل استسمحنا أصحاب الحق؟ وهل سمحوا لنا؟! هل أخطأنا في حقِّ الآخرين؟ هل اغتبنا فلانًا أو أسأنا إلى إنسان؟

هل كنا سببًا في إضاعة حق أو إهدار مصلحة أو منفعة لإنسان؟!

 

لا بد من مراجعة مواقفنا إزاء الآخرين، فلربما حدث منا ما يؤلم دون قصد أو تعمُّد، لا بد أن نحرص على أن تكون الصفحة بيضاء نقية على الدوام؛ حتى إذا لقينا الله تعالى لم تكن هناك سيئة نُحاجُّ بها يوم القيامة.. سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم ولا دينار له، قال: لا، إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".

 

لقد ألهتنا الدنيا كثيرًا!!، شغلتنا وأوهمتنا وأوجعت قلوبنا!!، أدمعت عيوننا وألهبت جفوننا وأرَّقت مضاجعنا وأسهرت ليالينا!!، كم من الوقت مضى ونحن مشغولون بها؟! كثير كثير.. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" ليتنا شَغلنا أنفسنا بالآخرة، أو ليتنا كنا ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص: من الآية 77)، أي كما أحسن الله تعالى إليك في الدنيا بالنعم الباهرة والآلاء العظيمة، وكما سيُحسن إليك في الآخرة كما وعد سبحانه في كتابه ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)﴾ (يونس).

 

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا؟ ألم يبيِّض وجوهنا ويُدخلنا الجنة؟ ويُجِرْنا من النار؟- قال- فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرّ لأعينهم" (رواه مسلم).

 

إن العمر أوشك أن يطوي صفحته ويطفئ شمعته، كانت لنا آمال وأمنيات في هذه الحياة، تَحقَّق منها الكثير بفضل الله، وبقي القليل، ولا ندري هل يمنُّ علينا ربنا تبارك وتعالى فيمتد بنا العمر لتحقيق هذا القليل أم لا؟ وهب أنه يتحقق، ما الذي يمكن أن يعود على المجتمع من حولنا؟

 

إن لذات الحياة الدنيا انتهت وتبدَّدت، حتى البسمات ضاعت وتلاشت، وصحبة الأمس تفرَّقت ومضت، لقد كان لنا أصدقاء وأحباب أعز علينا من أنفسنا، لكنهم تركونا وغادروا، رحلوا ولم يبقَ إلا الذكرى، متى نلحق بهم؟ اليوم.. غدًا.. بعد غد؟ الله أعلم، الآن فهمت ووعيت واستقرَّ في وجداني قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "أتأني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس".

 

يا صاحبي.. آن لنا أن نقف في خشوع أمام هذه الآية ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)﴾ (الزمر).. آن لنا أن ندرك أن ما فات كثير، وما بقي قليل قليل، فسارع إلى التوبة، وبادر بردِّ الحقوق.. حق الله تعالى، وحقوق العباد.

 

وأسأل الله تعالى أن يتوفانا مسلمين ويُلحقنا بالصالحين، وأن يجعل خواتيم أعمالنا أصلحها وأفضلها وأخلصها عند الله، ولله الأمر من قبل ومن بعد..

والله من وراء القصد..

--------------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.