الصورة غير متاحة

 د. إيهاب فؤاد

 

ما أجمل بساطة المصري وهو يُسفر عن إيمانه في قلبه بكلمات بسيطة وعبارات موجزة، إذا ظلمه ظالم، قال: "الله موجود"، وإذا تجبَّر عليه أحد قال: "الله موجود"، وإذا سلبه أحد حقًّا من حقوقه قال: "الله موجود".. إنها ببساطة وسلاسة ويسر سحابة من رحمة تظل المؤمن؛ كلما استشعر أن الله موجود!!.

 

إنها تعني أن العدل موجود، وأن الرحمة موجودة، وأن الخير في ركاب البشر موجود، وأن السلام موجود، وأن السكينة موجودة.

 

إنها تعني بقاء الخير أبد الآبدين، واندحار الشر إلى غير تمكين..

الله موجود.. ما أجملها من كلمة، ترطِّب الفؤاد، وتثلج الصدر، وتزيل الهمَّ، وتدحض الضجر، وتفرغ القلب من كل شاغل يشغله، فالعدل أساس الملك، والرحمة ميزان الحكم، فوجود الله يعني مغفرة الذنوب، وستر العيوب، وقبول التوبة ما لم تغرغر.

 

إنه شعور الواثق في كرم من لا يتصف بعظيم الكرم سواه.

وجود الله.. يعني أن تعمر الأرض بذكره، وأن تسبح الملائكة بحمده، وأن يعمَّ المعمورةَ كرمُ فضله، فما أعظم الخالق الموجود!!.

 

أيها الساكن بين عناكب الهموم.. هوِّن عليك النفس، وأرِح منك القلب؛ فالله موجود.

أيها القابع خلف غيوم الحياة.. ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ (الشرح)، وجود الله يُشعرك بركنه العظيم، وجواره الذي يعلو فوق كل جوار.. إنه جوار يجعلك لا تحزن على شيء مضى، ولا تفرح لما هو آتٍ، وإذا دَهمه ما يكرهه قال بلسان الحال والمقال: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 216)، وهو لا يتطلع إلى ما في يد غيره وحاله ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ (56)﴾ (المؤمنون)؛ فهو يتقلب في فضل الله تعالى، ويستنشق عبير كلامه الذي تهدأ في ظلاله النفس ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)﴾ (الحديد).

 

ويعود النور يحلق في جنبات النفس المؤمنة، وهي تستشعر وجود الخالق العظيم، مدبر الكون، ومسيِّر الخلق إنه نورٌ يرشد صاحبه حين يتخبط غيره في ظلمات الجهالة، ويأخذ بيد صاحبه حين تتكالب عليه المحن، وتتناوب عليه الآهات؛ فتجعله يشعر أنَّ كلَّ محنة لن تذهب سدى، إذا تلقاها المؤمن صابرًا محتسبًا غير ضاجر ولا متأفف، وأنَّ دموعه لن تضيع هباء إذا سحَّت من خشيته، وإذا رفعت لله مظلمته وعبرت عن خشيته، وأنَّ صبره لن يذهب أدراج الرياح إذا احتسبه لله، وأن محنَه منحٌ ربانية، ونفحاتٌ علوية.

 

فالله يحب أن يسمع مناجاتك، وأن تبثه شكواك في تسليم مطلق لإرادة علوية تصحبك مشيئته، وتسيرك قدرته، فهوِّن النفس فالله موجود، واستكثر من الخير فالله موجود، وتصالح مع النفس فالرحمن موجود، وسلِّم لله قياد أمرك، ولا تنم من ليلك وفي قلبك ضغينة لأحد، واطمع في كرم ربك وعظيم فضله، وجزيل عطائه، فهو يعطي بلا حساب، وينعم بلا أسباب، ويغير الحال من حال إلى حال بين طرفة عين وانتباهتها، سبحانك وبحمدك، لا نحصي ثناءً عليك، ولا حول ولا قوة إلا بك.