من جديد عادت أزمة السكر للاشتعال.. فلا يزال مؤشر أسعاره يرتفع يومًا بعد يوم حتى بلغ أربعة جنيهات؛ ما تجاوز سعره في أزمة عام 2006م، فبعد مشاركة القطاع الخاص للحكومة في إنتاج السكر، استغلَّ التجار ارتفاع الأسعار عالميًّا مع غياب الرقابة الحكومية ليرفعوا الأسعار دون مبرر؛ لتحقيق مكاسب خيالية على حساب المستهلك المصري، وذلك بطرح التسعيرة الجديدة مع احتكار السكر في السوق.

 

ويعدُّ السكر من السلع الإستراتيجية الأساسية للمواطن المصري، لا يمكن الاستغناء عنها، وتعتمد زراعة السكر في مصر على محصولين أساسيين؛ هما: نبات القصب وبنجر السكر.

 

وتبلغ المساحة المنزرعة من القصب في العالم نحو 47 مليون فدان، وهي تمثل نحو 64% من جملة المساحة العالمية المزروعة بالمحاصيل السكرية (قصب وبنجر سكر)، ويبلغ إنتاج السكر الخام الناتج في العالم نحو 125 مليون طن سكرًا خامًا، منها نحو 90 مليون طن تنتج من قصب السكر، وهي تمثل 72% من جملة إنتاج السكر العالمي، على حين يُنتج بنجر السكر نحو 35 مليون طن سكرًا، تمثل نحو 28% من جملة إنتاج السكر في العالم.

 

وبلغ إنتاج مصر من السكر بنوعيه في موسم 2003 حوالي 1.258.294 طنًّا، وذلك بتراجع طفيف عن عام 2002م؛ حيث بلغ الإنتاج فيه 1.372.595 طنًّا، وتتفرَّع عن صناعة السكر صناعاتٌ أخرى، مثل الورق والخل والخميرة والخشب والعطور وبعض الكيماويات؛ ما يمثل قيمةً مضافةً.

 

وتخضع سلعة السكر للتداول خلال البورصة العالمية؛ حيث يتعرض لتأثير كبير في أسعاره، من خلال تداولات البورصة الدولية نتيجة عدد من المتغيرات، على رأسها حجم المخزون والإنتاج العالمي، بالإضافة إلى طبيعة الاتفاقيات الدولية بين الدول المصدِّرة والمستوِردة.

 

ومن المعروف دوليًّا وفي مصر أن هناك فتراتٍ يرتفع فيها سعر السكر بدرجة كبيرة؛ ليصل سعر طن السكر إلى درجة غير متوقعة، مثلما حدث في 1974م؛ حيث بلغ سعر استيراد الطن نحو 667 دولارًا/ طن، وقد رجع ذلك إلى انخفاض المخزون العالمي من السكر إلى نحو 25% من الكميات المستهلكة، ثم تلا ذلك موجة من الانخفاض في أسعار السكر.

 

وفي عام 1980م، عاود سعر طن السكر الارتفاع مرةً أخرى؛ ليصل إلى 645 دولارًا/ طن، وقد حدث ذلك نتيجةً لانخفاض المخزون العالمي من السكر بنسبة 28.3% من جملة الاستهلاك السنوي، وأخيرًا سجَّل السكر ارتفاعًا بنسبة 25%؛ حيث بلغ سعر الطن 3750 جنيهًا؛ بعد أن كان يباع بـ2750 جنيهًا؛ ما أدَّى إلى زيادة سعر الكيلو إلى 4 جنيهات.

 

ومتابعةً لمسلسل الاحتكار يسيطر على صناعة السكر في مصر حاليًّا شركة السكر والصناعات التكاملية لإنتاج سكر القصب والبنجر، ويشاركها في إنتاج السكر البنجر 3 شركات أخرى؛ هي: الدلتا والدقهلية والفيوم.

 

(إخوان أون لاين) طرح العديد من الأسئلة على الخبراء؛ للوقوف على النقاط المضيئة لحل هذه الأزمة: أين دور الجهات الرقابية في ضبط الأسعار؟ وما السياسات التي تمارسها شركات السكر للسيطرة على السوق؟ وهل هذا ضد قانون حماية المستهلك؟! وكيف تستورد مصر السكر وهي أكبر دولة منتجة لقصب السكر؟!

 

عصابات السلع

 الصورة غير متاحة

 تيمور عبد الغني

يوضح النائب تيمور عبد الغني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمون بمجلس الشعب أن الأزمة الحالية للسكر طرأت نتيجة احتكار السكر؛ ما يعبِّر عن مدى ضعف الحكومة وعدم قدرتها على السيطرة على السوق.

 

ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في نقص الكمية الموجودة في الأسواق؛ لأن الدولة لديها مخزون إستراتيجي من السكر يغطي احتياجاتها لفترة طويلة، ولكن تكمن المشكلة في وجود بعض العصابات، كل عصابة تسعى لاحتكار شيء أساسي، فنجد عصابة الحديد والإسمنت والمواد الغذائية، وانضمَّت في الفترة الأخيرة إلى هذه العصابات عصابة السكر.

 

ويشدِّد عبد الغني على ضرورة وقف المحاولات المتكررة من جانب الحكومة لتقليص المساحات المنزرعة من قصب السكر؛ ما أدَّى إلى ضعف الإنتاج المحلي من السكر، فبعد أن كانت مصر تصدِّر السكر عاليَ الجودة إلى الدول الأخرى إذا بها اليوم هي التي تقوم باستيراده.

 

ويؤكد أن معظم الأزمات الاقتصادية في مصر تكون نتيجة سعي التجار المصريين إلى مواكبة الأسعار العالمية، على الرغم من وجود إنتاج سكر مصري كان أفضل من الإنتاج العالمي، وكان متميزًا في الدول العربية، موضحًا أن النظام الفاسد هو الذي يضع البلاد في هذا المأزق الاقتصادي الذي لا يمكن الخروج منه.

 

ويرى أن من يقف خلف هؤلاء المحتكرين هم قياداتٌ مصريةٌ بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا أحد يستطيع أن يفعل لهم شيئًا، وقال: رجال الأعمال يُديرون الدولة بمسميات مختلفة، وكل فرد منهم يأخذ دوره في الغنيمة، فهؤلاء أشخاص معدومو الضمير، ومن المؤسف أن الحكومة هي التي تيسِّر لهم كل السبل.

 

عرض وطلب

ويوضح د. صلاح الجندي أستاذ الاقتصاد بكلية الزراعة بجامعة المنصورة أن ارتفاع الأسعار بشكل متذبذب،ارتفاعًا وانخفاضًا، يكون حسب طبيعة سوق العرض والطلب، والذي يخضع بدوره للكميات المنتجة والمخزونة، موضحًا أن آليات العرض والطلب في مصر تكاد تكون معطلة.

 

ويشير إلى أن نظام اقتصاد السوق الحر الذي تتبعه مصر لا توجد فيه أية قيود على المنافسة وتداول السلع في الأسواق، فبعض التجار يفهمون السوق الحر والحرية على أنها فوضى أو "ترك الحبل على الغارب"، على حدِّ قوله، موضحًا أن نظام اقتصاد السوق الحر لا‮ ‬يعني انعدام رقابة الدولة على الأسواق، وضبط حركتها،‮ ‬ومواجهة زيادة معدلات التضخم وحالات احتكار السلع والمنتجات الضرورية للمواطن.

 

ويدين التضارب الذي يحدث بين الشركات التجارية بقصد زيادة الربح على حساب المستهلك، وقال: هذا الأمر سيؤدي إلى تأخر عملية التنمية، وسيوقع على الشعب الضرر؛ لأن المجتمع المصري اليوم لا يتحمل ارتفاعًا جديدًا في السلع الغذائية، وخاصةً وجود ما بين 14 و15 مليون مواطن تحت خط الفقر.

 

ويطالب د. الجندي المسئولين والجهات الرسمية بضرورة وضع بعض الضوابط على عملية استيراد السكر أو السلع الغذائية لضمان جودتها بجانب التحكُّم في الأسعار التي تشتري بها الحكومة من الخارج، خاصةً أن أسعار الغذاء اليوم في العالم انخفض مؤشر أسعارها.

 

ويشدِّد على ضرورة تأكد الحكومة من سلامة آليات العرض والطلب، بجانب تفعيل القوانين التي تحمي المستهلك؛ كقانون حماية المستهلك، وقانون منع الغش التجاري، وغيرها من القوانين التي تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ولكن من المؤسف أن تصدر هذه القوانين للوضع فقط في أدارج مكاتب المسئولين.

 

الذوق العام

 الصورة غير متاحة

زراعة قصب السكر تقابل معوقات عديدة

ويرى حسين شلبي أستاذ الاقتصاد الزراعي أن زراعة قصب السكر تحتاج إلى منسوب مياه عالٍ، مثل الأرز، وفي هذا الوضع الذي يعاني من الفقر المائي تلجأ الدولة إلى تحديد مساحة المزروع من القصب، على الرغم من أن هذه المساحة لا تلبِّي الاحتياجات ولا تغطي الاستهلاك؛ نظرًا للزيادة السكانية ولقلة الإنتاج، فتضطر إلى سدِّ العجز من السكر بالاستيراد من الخارج.

 

ويشير إلى أنه لا بد أن يتم توضيح الفرق بين الاستهلاك والذوق العام؛ فالذوق العام المصري لا يفضل سكر البنجر؛ لأن مذاقه أقلُّ حلاوةً من سكر القصب، موضحًا أن أوروبا أغلب استهلاكهم من السكر جاء من البنجر.

 

ويُرجع د. شلبي عدم اعتماد الدولة على البنجر في السكر إلى بعض الأسباب؛ أولها أن البنجر يُزرع في مساحة محدودة في مصر والجو غير ملائم لزراعته، والسبب الثاني يتركز في العادات والتقاليد، فالمزارع المصري لا يورِّث أبناءه الأراضي الزراعية فقط، ولكنه يورِّث فيهم أيضًا الزراعة التي اعتاد زراعتها، بجانب أن زراعة البنجر تحتاج إلى نوعية معينة من العناية وطرق حديثة وإمكانيات محددة لا يستطيع الفلاح المصري أن يستخدمها.

 

التسعيرة الجبرية

 الصورة غير متاحة

محمود العسقلاني

ويلقي محمود العسقلاني مؤسس حركة "مواطنون بلا غلاء" الضوءَ على طبيعة السوق الذي يرفع شعار مصلحة التاجر فوق كل شيء، موضحًا أنه عندما انخفضت أسعار السكر عالميًّا قبل افتعال الأزمة الحالية  رفض التجار المصريون تخفيض أسعار السكر، بزعم أن لديهم مخزونًا من السكر تمَّ شراؤه بالأسعار القديمة، وعندما ارتفعت أسعار السكر عالميًّا ظهر التجار مرةً أخرى بمطالبتهم بضرورة أن يستجيب السوق للأسعار العالمية، ولا ينظرون لما لديهم من مخزون للسكر.

 

ويؤكد أن الدولة فشلت في إدارة ما يسمَّى بتضارب المصالح، وتظهر في وسائل الإعلام، تعلن أنها لديها مخزونًا من السكر يكفيها لمدة عشرة أشهر قادمة.

 

وأضاف أن الحل الوحيد لهذه الأزمة هو فرض التسعيرة الجبرية على السلع الغذائية، بعد إصدار هيئة المفوضية بمحكمة القضاء الإداري تقريرًا‮ ‬قانونيًّا،‮ ‬طالبت فيه بتحديد أسعار السلع الغذائية الأساسية والمنتجات الإستراتيجية.

 

ويشير إلى أنه بدون تنفيذ هذا الحكم فأرواحنا في يد التجار، لا سيما أن الدولة تقوم بتفعيل كل القوانين التي تكون ضد المستهلكين، وفي نفس الوقت عندما يصدر حكمٌ ضد المنتجين والمحتكرين تعجز الدولة عن تنفيذه وتقوم بتأجيله يومًا بعد يوم.

 

ويطالب بضرورة استخدام كل قوانين الطوارئ ضد من يمارس الجشع ويستغل قوت المواطن والمستهلك، بدلاً من استخدام هذه القوانين ضد السياسيين والإصلاحيين الذين تكون غايتهم الأولى هي إصلاح هذا الوطن.

 

ويتهم العسقلاني الحكومةَ بالتواطؤ مع التجار على حساب الشعب؛ وذلك بتنازلها عن حصتها الأساسية من السكر إلى بعض التجار القادمين من الخارج، موضحًا أن هؤلاء التجَّار لا يوجد عندهم ضميرٌ؛ لأنهم في غضون أيام ضاعفوا أرباحهم 100%.