الأخ الحبيب.. أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد؛ فهذه الرسالة قصدت بها لفت انتباه الإخوان إلى أحد الأمراض المتفشية في المجتمعات العربية والإسلامية، خاصةً في هذا الزمان، وأقصد به غياب ثقافة الاعتذار، أو غياب ثقافة الاعتراف بالخطأ؛ وذلك من باب التذكير والتحذير حتى لا يصيبنا ما أصاب القوم. إن فقدان ثقافة الاعتذار على المستوى العام يدل على هشاشة البناء النفسي للمجتمع، كما يكشف عن خلل وعلل يمكن أن تؤدي إلى وقوع الكثير من الجرائم والاعتداءات على النفوس والأرواح، فضلاً عن شيوع الكراهية والبغضاء والأحقاد والضغائن والإحن بين الناس، وما يترتب على ذلك من آثار وتداعيات غير محمودة، وبالتالي فإن علاج هذا المرض من الأهمية بمكان، خاصة إذا عُرفت بواعثه وأسبابه، وإذا كان العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، فإن ثقافة الاعتذار يمكن التدريب عليها واكتسابها والتحلي بها حتى تصير طبعًا أصيلاً كأنما فُطر الإنسان عليها. ويتحكم في ثقافة الاعتذار عدة أمور يأتي على رأسها الطبيعة الشخصية، والتربية، وطبيعة الخطأ، والثقافة العامة السائدة في المجتمع، والبيئة المحيطة، والمكانة الاجتماعية، والعلم والفقه. إن من الملاحظ دائمًا أن الكبار، علمًا وفقهًا ومكانةً وتواضعًا، والذين يثقون في أنفسهم وفيما لديهم من إمكانات وقدرات وطاقات، هؤلاء يمتلكون شجاعة المواجهة، مع النفس ومع الآخرين؛ لذا تجدهم يتمتعون بقدرٍ عالٍ من ثقافة الاعتذار، وكلما ازداد هؤلاء علمًا، ومكانتهم رفعة، ومنزلتهم رقيًا، عظمت لديهم ثقافة الاعتذار؛ لأنهم ببساطة يشعرون بأن هذا السلوك لا يقلل من قدرهم أو ينال من مكانتهم، هؤلاء لا يغيب عنهم أن الكمال لله تعالى وحده، وأنه لا قداسة لأحد من البشر مهما علا شأنه، ولا معصوم من الخطأ إلا الأنبياء والرسل الكرام، وهم ليسوا كذلك.. إنهم يخطئون كما يخطئ بقية الناس، وهم إذا أخطأوا اليوم فسوف يصيبون غدًا. أما الصغار، الذين يعانون إحساسًا داخليًّا بالدونية والضآلة، فهؤلاء يشعرون بأن الاعتذار سيقضي على البقية الباقية من شخصياتهم، وأنه يخل بكرامتهم، وهم- من ثمَّ- لا يعتذرون ولا يقوون على الاعتذار، هؤلاء ليسوا بحاجة إلى تواضع، وإنما حاجتهم الكبرى إلى مداراة شعورهم الداخلي بالتظاهر بأنهم الأكمل والأعلم والأصوب: لذا تراهم ينسبون الخطأ للآخرين أو يقدمون تعليلات في محاولة منهم لتبرئة ساحتهم، والخروج من ورطتهم، وإزالة ما يكون قد علق بأذهان الآخرين من نظرة ازدراء تجاههم. من الناس من يمتلك روحًا عالية وطاقةً إيمانية كبيرة، وهذا النوع يسارع إلى تقديم الاعتذار فور وقوع الخطأ.. يتساوى عنده أن يعتذر لكبير أو صغير، أن يعتذر لوزير أو خفير.. يتساوى عنده أيضًا أن يعتذر أمام فرد أو أمام أفراد، أما الذين هم أقل مرتبة فهؤلاء ربما يترددون في تقديم الاعتذار وينتظرون لفترة ريثما تتاح الفرصة المناسبة.. هم في حاجة إلى من يحفزهم أو يسهل لهم طريق الاعتذار، كما أنهم يفضلون أن يتم الاعتذار أمام فرد وليس أمام جمهور من الناس. المغرورون والمتكبرون والمعجبون بأنفسهم لا يعتذرون عن خطأ ارتكبوه.. وكيف يعتذرون لمن يرونهم دونهم، أو لمن هم أقل منهم شأنًا وقيمةً ووزنًا؟! إنهم حتى لا يعترفون بخطئهم أمام علية القوم من الزعماء والرؤساء والقادة، روى مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال:"كل بيمينك!! قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت- ما منعه إلا الكبر- قال: فما رفعها إلى فيه". الطغاة والمستبدون لا يعتذرون لشعوبهم ولو بلغت جرائمهم عنان السماء، ولو ولغوا في الدم الحرام.. ولماذا يعتذرون؟ إنهم يعتبرون أنفسهم فوق الخلائق جميعًا، ومن حقهم أن يفعلوا بهم ما يريدون، ولن تجد حاكمًا في التاريخ من هؤلاء الطغاة ارتكب خطأ في حق شعبه واعتذر له. في التاريخ الحديث ارتكب بوش الابن جرائم إبادة ضد الإنسانية في أفغانستان والعراق، وأعان العدو الصهيوني على ارتكاب جرائم يندى لها جبين الإنسان خجلاً في حق شعب فلسطين، ومع ذلك كله لم ولن يجد هو ومن بعده حرجًا فيما فعلوه. الأخ الحبيب.. إذا كانت ثقافة الاعتذار ضعيفة ومتراجعة بين الرجال وبعضهم، فإنها تكاد تكون منعدمة عند الرجال تجاه النساء.. فما زال الرجال في عالمنا العربي والإسلامي يعتبرون أنفسهم الجنس الأرقى والأكثر تفوقًا وتميزًا في كل المجالات الحياتية، حتى في تلك المجالات التي كان يتوقع أن تبْرع فيها النساء، كما أنهم يؤمنون بأنهم الأقوى بدنيًّا ونفسيًّا، والأفضل عقلاً وتفكيرًا، والأحسن حكمةً ورشدًا، وهذا كلام فيه نظر، فقد يكون الرجال- على وجه العموم- الأقوى بدنيًّا، ولكن من حيث القدرة على التحمل والصبر والمثابرة والدأب فإن النساء لهن فيها باع كبير، أما من حيث قوة العقل والتفكير وسعة الحكمة والرشد فليست حكرًا على الرجال، فكم من النساء- قديمًا وحديثًا- أقوى عقلاً وأنضج تفكيرًا وأبلغ حكمةً وأكثر رشدًا من كثير من الرجال. إن انعدام ثقافة الاعتذار عند الرجال تجاه النساء سببه في الغالب الأعم ميراث التخلف الذي وصلنا عبر عصور الانحطاط التي مرت بالمسلمين، والتي أورثت الرجال غرورًا كاذبًا وإحساسًا خادعًا بالتفوق والتميز، والذي ما زال ينعكس على تصور كثير من الرجال في عصرنا، وهو أن خطأ الرجال في حق زوجاتهم أمر غير وارد، وهذا- لعمرو الله- أحد الأمراض التي اُبتليت بها مجتمعاتنا وكانت سببًا في تصدع بعض البيوت وانفراط عقد المحبة والمودة بين كثير من الأزواج، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الأخ الحبيب.. وتبقى كلمة لازمة في هذا الموضوع وهي أن الاعتذار إذا كان وسيلةً للغش أو التضليل أو التحايل أو الخداع أو الالتفاف أو التآمر للوصول إلى أغراض سيئة فهو أمر مرفوض تمامًا، فضلاً عن أنه مذموم بإطلاق، وهو ما عناه المولى- تبارك وتعالى- في شأن المنافقين في قوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: من الآية 66)، وقوله﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ (التوبة: من الآية94). أسأل الله تعالى أن يقيل عثراتنا ويغفر زلاتنا ويستر عوراتنا، وأن يجنبنا الخطأ والزلل، وأن يجعلنا من التوابين المتطهرين، وألا يجعل للشيطان سبيلاً علينا.. والله من وراء القصد.. --------------- * النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين
ثقافة الاعتذار