- المواطنون: القمامة كما هي والمبادرات "كلام جرايد"

- عمال النظافة: "بننزل من بيوتنا نسترزق مش نشتغل"

- النائب عزب مصطفى: شركات النظافة الأجنبية تجربة فاشلة

- المسئولون: الحملة مستمرة حتى آخر ورقة في الشارع

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

حفظًا لماء الوجه، وتماشيًا مع الحملات الشعبية لنظافة مصر، أعلن عدد من المحافظين- على استحياء- عن انطلاق مبادرات للتخلص من القمامة وتشكيل عددٍ من اللجان لنشر الوعي والحفاظ على البيئة، وألزمت المحافظة كافة الأجهزة ومديريات الخدمات التابعة لها بتقديم العون لهذه اللجنة؛ حيث أعلن محافظ الجيزة عن خطةٍ لإنشاء شركة نظافة جديدة تديرها (المقاولون العرب)؛ لتعمل إلى جانب شركة النظافة الإيطالية وهيئة النظافة والتجميل، حتى لا تحدث أزمة جديدة في أكثر المحافظات التي تنتشر في شوارعها القمامة.

 

وفي القاهرة دعا المحافظ عبد العظيم وزير إلى مبادرة جديدة للتخلص من القمامة واستعادة الوجه الحضاري للعاصمة من خلال تشكيل لجان التنمية والوعي البيئي بالأحياء تضم في عضويتها منظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال البيئة، بالإضافةِ إلى الأجهزة التنفيذية والمتطوعين.

 

وأصدر الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء تعليمات مشددة للمحافظين، وخاصةً محافظَي القاهرة والجيزة بضرورة إيجاد حلول عاجلة من أجل التخلص من القمامة التي تملأ شوارع مصر، والاستجابة للنداءات الشعبية التي تنادي بذلك.

 

والسؤال يطرح نفسه بقوة: هل الحملات الحكومية التي أطلقتها الأجهزة التنفيذية لنظافة الشوارع حقيقية بالفعل وستؤتي ثمارها، وستتخلص الشوارع من تلال القمامة المنتشرة بها؟ أم أنها مبادرات على الورق فقط وسيكون مصيرها في صناديق القمامة لتزيد الطين بلة؟!.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولةٍ في أنحاء القاهرة والجيزة، بين عمال النظافة، وسكان تلك الأحياء، والعاملين فى المحلات المراقبين للأوضاع 24 ساعة؛ ليرصد مدى ملامسة حملات النظافة لأرض الواقع، فإلى التفاصيل:

شارع ربيع

 الصورة غير متاحة

 القمامة تسد شوارع رئيسية في القاهرة (تصوير- محمد أبو زيد)

   بداية انطلاق جولتنا كانت من أكثر المناطق التي أعلنت الحملة أنها ستحظى باهتمامٍ كبيرٍ من جهودها، ففي حي الجيزة، بشارع ربيع الجيزي، من أمام مدرسة عمرو بن العاص الابتدائية، تجمَّعت أكوام من القمامة فوق بعضها البعض، تحمل كافة أنواع "الزبالة" من أكل عفن، وزجاج مكسر، وتتجمهر حولها عشرات القطط الجائعة- وكأنَّ المسئولين أوقفوا حملات النظافة خوفًا من غضب تلك القطط-، اقتربنا من أحد أولياء الأمور، واقفًا على بعد أمتار من تلك الأكوام، والمنتظر لموعد خروج ابنه من المدرسة، فسألناه عن رأيه في حملات النظافة التي تحدث، فقاطعنا قبل أن نكمل السؤال قائلاً: "حملات نظافة إيه وخيبة إيه؟!!، الزبالة أهيه أدامكم ماليه شارع شارع ورصيف رصيف، ولا شفنا حد بيشلها، وكل اللي بناخده كلام عن حملات لا تتعدى شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد".

 

ومن أمام أحد المستشفيات بنفس المنطقة، اتجهنا إلى عم دسوقي ذي السبعين عامًا، والذي لاحظنا أنه ينظف بجهدٍ وعناءٍ متكئٍ على مقشته، ينظف فتاتٍ من القمامة ويترك أكوامًا أخرى، سألناه هل ينظف تبعًا لحملة النظافة المقامة في حي الجيزة، فقال: "أنا معرفش حاجة عن الحملة ديه، بس أنا بنظف لأن الشارع ده تابع للمنطقة المسئول أنا عن تنظيفها، وكمان يمكن ربنا يكرمنا بجنيه أو اثنين من أهالي المرضى بهذه المستشفى، ربنا يشفي مرضاهم".

 

وتابع عم دسوقي قائلاً: "أنا تابع للنظافة الحكومية ومش تابع لشركة، بس ولا حد بيدينا معدات ننظف بيها ولا حد بيدينا أي حاجة تساعدنا، ولا حتى المقشة اللي في أيدي ديه، ده أنا اللي شريها"!.

 

أم المصريين

انتقلنا إلى منطقة مستشفى أم المصريين، والذي قال مسئولو الحملة إن تلك المنطقة حظيت باهتمام ورعاية كبرى في النظافة، شاهدنا نفس مشاهد الزبالة السابقة، ولكن بشكلٍ أكثر سوءًا، خاصةً المجاورة للمستشفى وسوق المنيب، فالتصقت أكوام القمامة المتراصة بجدران السور الخارجي من المستشفى من مخلفات المباني السكنية المحيطة بالمستشفى، وفضلات السوق وروث الحيوانات، وكأنَّ أكوامَ القمامة تمثل الدعائم الأساسية لسور المستشفى خشيةَ أن ينهار!!.

 

اتجهنا إلى أحد رجال الأمن أمام مدخل المستشفى، متسائلين لِمَ كل تلك الأكوام من القمامة المحاطة بها المستشفى؟ وهل شاهد أية حملات لإزالة تلك المخلفات؟ فأجابنا قائلاً: "كل واحد بيرمي اللوم على غيره، السكان بيرموا اللوم على الزبالين.. والزبالين بيرموا اللوم على الشركات التي يعملون بها.. والمستشفى بتقول السوق السبب.. والسوق بيقول الحكومة مش موفرة مكان نرمي فيه".

 

واستطرد: "جاء 4 أو 5 عمال من شركة نظافة منذ أسبوع، يوم واحد بس، وحاولوا يشيلوا الزبالة، وكل ما يشيلوا حبة زبالة ويروحوا يرموها في مكان- الله أعلم به- يرجعوا يلاقوا زبالة جديدة تانية سواء من السوق أو من السكان، فيئسوا وروحوا، ولم نراهم بعد ذلك اليوم"!!.

 

الحملات وهمية

 الصورة غير متاحة

أكوام القمامة في شوارع مصر أصبح أمرًا مألوفًا

   انطلقنا بعد ذلك إلى حي سمعنا أن حملات النظافة غمرته، وستزيل آخر ورقة قمامة به، وهو حي الدقي، فشاهدنا وضعًا مماثلاً للوضع السابق مع اختلافٍ فقط في نوعية القمامة وحجمها، فلاحظنا أن الشوارع امتلأت بالقاذورات، ولكن على أبعادٍ واسعةٍ نوعًا ما بالنسبة لسابقتها.

 

فمن أمام مدرسة الدقي الإعدادية للبنين، بشارع إيران، قابلنا الحاج عبد الله عامل نظافة بالشركة الإيطالية، والذي لفت انتبهانا عمله بجد وحرصه على إزالة الأوراق والمهملات من الأرض، فضلاً عن ارتدائه لزي النظافة، وامتلاكه لعربة النظافة، ومقشة جديدة، سألناه هل كل هذه الهمة من أجل حملة النظافة، فبادرنا بالإجابة "طبعاً لأه"!!، ده بس علشان عرفنا أن مسئولنا في الشركة هيمر يتابع، والمنطقة دي تابعة له، فلو ماكنتش نظيفة هيتخصم لنا، والمرتب مش ناقص أصلاً، بس هما بيتبعونا في السنة مرة، فمش مشكلة نتعب يوم في السنة"!!.

 

وتابع: "ده مش تقصير مننا، ولا أننا مش شايفين شغلنا.. ده اللي إحنا بنعمله ميجيش حاجة ناحية الملاليم اللي بناخدها".

 

وفي شارع مصدق قابلنا عم داود وهو عامل نظافة بالشركة الإيطالية منذ فترةٍ طويلةٍ أيضًا، والذي أكد لنا أيضًا أنه لا يعلم أي شيء عن حملة النظافة هذه، وأن الشركة لم تخبرهم بها من الأساس، وحتى عندما سألناه عن المعدات أو أي متابعة، ردَّ علينا قائلاً: "لا بيوفروا لنا معدات ولا في حد بيتابع إحنا بنشتغل ولا لأ، ولولا أن الناس ممكن تدينا فلوس أو أكل مكناش نزلنا من بيتنا أصلاً"!!

 

تلفزيونية فقط!

وفي شارع الأنصار بالدقي تقول مها محمود "ربة منزل": "لا يوجد حملات نظافة ولا حاجة والزبالة مالية الشوارع زي ما هي، وبنتفقع بس في التلفزيون لما نلاقيهم قاعدين بيتكلموا عن الجهود العظيمة التي تُقام من أجل حملات النظافة وأنا واقفة في البلكونة 24 ساعة وشايفة كل حاجة".

 

ومن أمام مستشفى الصدر والحميات والرمد بإمبابة، وفي مشهد مطابق للمشاهد السابقة، وجدنا أكوامًا من القمامة منتشرة على جانبي الطريق، وأمام مداخل المستشفى أيضًا.. توجهنا الى أحد عاملي النظافة بالشركة الإيطالية، وسألناه عن الحملة المقامة، فردَّ علينا قائلاً: "هو الشركة جمعت العمال الخاصين بمنطقتنا من كام أسبوع، وقالت لنا على الحملة دي، وأن فيه مسئولين من الممكن أن يمروا في أي وقت ويتابعوا حالة النظافة، وإلى يومنا هذا لم يمر أحد علينا، ولا فيه حملة زي اللي بتيجي في التلفزيون، ولا أدونا حتى أدوات للحمله اللي بيقولوا عليها".

 

ويقول عبد الرحمن أحد سكان حي إمبابة: "لازم يبقى فيه حملة متكاملة للسكان وتوعيتهم قبل ما يقوموا بحملةٍ مع عمال النظافة؛ لأنه مهما العمال نظفوا وأزالوا القمامة، السكان بيحطوا الزبالة تاني، وبيرموها من الشبابيك فمفيش فايدة أبدًا، الموضوع كله محتاج إعادة نظر وفرض عقوبات وغرامات".

 

نظام عقيم

 الصورة غير متاحة

 عزب مصطفى

   وكانت محطتنا الأخيرة مع النائب عزب مصطفى عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب، ونائب دائرة قسم أول الجيزة، وعضو لجنة الصحة عن الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، والذي أعرب عن استنكاره الشديد لما آل إليه الوضع في جميع محافظات مصر، وعلى رأسهم الجيزة، مشيرًا إلى الكمِّ الهائل من أكوام الزبالة الموجود أمام مجمع الجيزة، وخاصةً شارع المحطة وفيصل والهرم.

 

وأوضح النائب أن المحافظة أثبتت بعد تلك الحملة التي وصفها بالفاشلة، أنها عاجزة عن إصلاح أي شيء، بل تزيده سوءًا؛ لأن الشوارع تثبت عدم وجود أية حملات سوى على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون.

 

وأكد أن النظام الذي تتبعه المحافظة كله خاطئ، ونظام الشركات الأجنبية أثبت فشله الشديد، فبعد عقد الشركة الإيطالية التي لم يُر لها أثر في الشارع، ومن قبل الشركة الإسبانية، فكل ذلك يؤكد فشل تلك التجربة وعدم تماشيها مع ثقافة الشعب المصري، مضيفًا أنه في حالة تمسك النظام بهذه الشركات الأجنبية فعليه تغيير ثقافة الشعب أولاً، ورفع توعيتهم، وكيفية التعامل مع هذا النظام الجديد، ثم نبدأ في حملاتٍ وغيرها من الفعاليات.

 

وشدد على ضرورة ملاحقة الوضع لأن تركه يُنذر بكارثة محققة خاصةً مع تفشي إنفلونزا الخنازير بشكلٍ واسع، مقترحًا محاور عدة لا بد من سرعة تنفيذها، من توفير مقالب قمامة بأعداد كبيرة، وإقامة مصانع لتدويرها، مع عودة مجمع الزبالة الذي كان يجمعها من الشقق، بعدما ثبت أن أثره في نظافة الشارع أكبر بكثيرٍ من نظافة الشركات الأجنبية.