فلسطين أرضنا وعرضنا

الأخ الحبيب..

في فلسطين، ومصر، والعالم العربي والإسلامي، وفي كل أرض تطؤها قدماك؛ أحييك بتحية الإسلام.. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد،

فأنتهز فرصة الإفراج عن الأخوات الفلسطينيات؛ لأوجه لهنَ ولأسرهن ولحماس ولفصائل المقاومة وللشعب الفلسطيني خالص التهنئة، راجيًا من الله تعالى أن يفرِّج عما قريب عن كل الأخوات الأسيرات، بل وعن الأحد عشر ألف أسير فلسطيني القابعين خلف الأسوار في سجون الاحتلال، ولن يكون هناك احتفال حقيقي إلا يوم أن تتحرر فلسطين- كل فلسطين- من دنس الاحتلال الصهيوني ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ...﴾ (الروم)، وإذا كان ذلك يمثِّل أمرًا مستحيلاً بالنسبة للبعض، حيث يصطدم بواقع أليم، إلا أنه يمثِّل بالنسبة لنا عقيدةً صادقةً وإيمانًا جازمًا، لا تشوبه شائبة، ولا تخالطه ريبة ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

 

حقًّا إن ما تمر به فلسطين من ظروف عصيبة، خاصة في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا، يقطع القلوب ويفطر الأكباد؛ لكن أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية لا يفقدون الأمل، ولا يستسلمون لليأس، ولا يكلِّون عن العمل المبدع والخلاق إلى أن يمنّ الله تعالى عليهم بالنصر والتمكين، إنه سبحانه وليُ ذلك والقادر عليه؛ لكن وضوح الرؤية أمر مهم حتى يتبين لنا مدى التحدي الذي نواجهه، كما أن الإحاطة بكل جوانب الصورة لازم وضروري لكل العاملين في حقل هذه الدعوة؛ كي تكون جهودهم شاملة وكاملة وغير مبتسرة، فضلاً عن أن التذكير بأصل القضية من الأهمية بمكان؛ حيث درج العدو الصهيوني من خلال سياسة فرض الأمر الواقع على الانتقال بنا من جريمة إلى أخرى، حتى تُنسى الجريمة الكبرى؛ وهي الاحتلال، وأستطيع أن أوجز الرؤية في النقاط التالية:

1- إنّ فلسطين هي أرض الرباط والجهاد، وهي أرض المحشر والمنشر.. هي مهد النبوات، وموطئ الرسالات، ومهبط الوحي، وإليها أسرى بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومنها كان معراجه إلى السماوات العلا؛ لأجل هذا هي في القلب، بل في أعمق أعماق القلب.

 

2- إنّ القضية الفلسطينية هي القضية المحورية والمركزية والمصيرية لأمة العرب والمسلمين، وعندها تلتقي كل الخطوط والمسارات المحلية والإقليمية والدولية؛ نحن نفهم ذلك من واقع التاريخ والجغرافيا، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن مشكلة التشرذم والقطيعة والأزمات القائمة بين بعض دولنا، فضلاً عن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل مجتمعاتنا؛ مرتبطة بها وغير منفكة عنها، ولذا فإن السعي إلى إنهاء القطيعة وحل الأزمات وإقامة تنسيق وتكامل حقيقي بين دولنا في كل المجالات، وكذلك مقاومة الفساد والاستبداد في بلادنا غير منفصل بأي حال عن الجهاد من أجل القضية الفلسطينية.

 

3- أصبح ثابتًا ومعروفًا أنّ الغرب وعلى رأسه الإدارة الأمريكية تدعم الكيان الصهيوني إعلاميًّا، وسياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا؛ كي يكون متفوقًا على الدول العربية مجتمعةً، بل أكثر من ذلك تقوم هذه الإدارة والإدارات الأخرى التي تدور في فلكها بالضغط والابتزاز للنظم والحكومات العربية، لتكون سياساتها وتوجهاتها داعمةً للكيان الصهيوني.

 

4- إنّ المشروع الأمريكي الذي تسعى إليه الإدارة الأمريكية الحالية قادم في الطريق خلال أسابيع، يحمل في طياته تصفية القضية الفلسطينية لحساب العدو الصهيوني في الجانب، وإهدار كل الحقوق المشروعة لشعب فلسطين في الجانب الآخر، على اعتبار أن الظروف الراهنة مهيأة لذلك، فالأنظمة والحكومات العربية أصبحت أكثر فشلاً وعجزًا عن القيام بأي دور، اللهم إلا الركض والهرولة نحو استرضاء الإدارة الأمريكية من خلال البوابة الصهيونية.

 

5- إنّ على مصر الدور الكبير تجاه فلسطين بحكم التاريخ والجغرافيا والثقل والحجم، وإذا كانت مصر قد أبلت في الماضي بلاءً حسنًا؛ فإن ما هو مطلوب الآن يتجاوز بكثير ما كان مطلوبًا من قبل، ليس منحةً ولا منًّا، ولكن من منطلق واجبها الأخلاقي والشرعي والقومي والإنساني، بل والمصلحة العليا لها.

 

6- إنّ العدو الصهيوني يمثل العدو الأول، وهو الخطر الأكبر الذي يهدِّد أمننا القومي والعربي والإسلامي، ولن يحدث لهذه المنطقة أمن أو استقرار أو تنمية ما لم نتخلص من هذا العدو، وهذا لا يستطيعه الشعب الفلسطيني وحده، وإنما يستلزم تضافر كافة الجهود وتكاتف كل القوى العربية والإسلامية.

 

7- إنّ الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع يقف كخط دفاع أول وكحائط صد في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني الذي يعمل على تفكيك منطقتنا، وإعادة رسم خريطتها من جديد وفق الأجندة الأمريكية الصهيونية.. هذا المشروع يستهدف هويتنا، وأخلاقنا، وخيراتنا، وخصوصيتنا الثقافية، وطمس معالم تراثنا الحضاري؛ لذا فإن الشعب الفلسطيني لا يجاهد لتحرير أرضه ومقدساته فحسب، ولا يدافع عن حقه في حياة حرة كريمة فقط، وإنما يدافع عن كرامة الأمة وشرفها وأمنها واستقرارها؛ وبالتالي وجب على العرب والمسلمين- حكومات وشعوبًا- أن يقفوا إلى جوار الشعب الفلسطيني وألا يتركوه بمفرده يحارب معركتنا، وأن يدعموه سياسيًّا وإعلاميًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.

 

8- إن المبادرة العربية رُفضت من قِبل العدو الصهيوني، رغم أنها تمثل اعترافًا وإقرارًا للغاصب على غصبه واحتلاله لأرض العروبة والإسلام؛ الأمر الذي نرفضه جملةً وتفصيلاً، فنحن لن نعترف للعدو الصهيوني بأي شرعية مهما كانت الضغوط ومهما كانت التضحيات، ونعتقد اعتقادًا جازمًا أن المقاومة هي الخيار الإستراتيجي الوحيد لتحرير الأرض وتطهير المقدسات، وأن لغة القوة هي اللغة التي يفهمها العدو الصهيوني، وإذا كانت الحرب بيننا قادمة لا محالة والعدو الغاصب يستعد لها، فمن باب أولى أن يكون أصحاب الحق المشروع أكثر استعدادًا.

 

9- نحن أمام مشروعين؛ مشروع استسلام، ومشروع مقاومة، وقد ثبت تاريخيًّا وواقعيًّا وعلميًّا وعمليًّا وإستراتيجيًّا؛ فشل مشروع الاستسلام، وبالتالي لم يعد هناك مناص من أن يلتف الجميع حول مشروع المقاومة؛ إنّ مشروع الاستسلام الذي يصب في مصلحة العدو الصهيوني يتولى كبره الإدارة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والكثير من الأنظمة العربية، فضلاً عن السلطة الفلسطينية بقيادة أبي مازن، هذا المشروع يستخدم كل الوسائل والأساليب للقضاء على مشروع المقاومة وحصاره وإضعاف شوكته، وما حدث من محاولة انقلاب على شرعية حكومة إسماعيل هنية، وحصار على غزة (ولا يزال)، ومحرقة غزة، وخطة دايتون في الضفة، وأخيرًا سعي السلطة لتأجيل التصويت على تقرير جولدستون- رغم وجود أغلبية تمكن من الموافقة عليه- استجابةً للضغوط الأمريكية، وبالتالي تفويت الفرصة للملاحقة الجنائية والقانونية لمجرمي الحرب الصهاينة أمام المحاكم الدولية، كل ذلك يمثل خير شاهد ودليل.

 

10- إنّ المحاولات الجارية والمتسارعة الآن لتهويد القدس وهدم المسجد الأقصى (أولى القبلتين وثالث الحرمين) تمثل ذروة الصراع في القضية الفلسطينية، ويجب التصدي لها بما يناسبها، وقبل فوات الأوان. هذا دور الأنظمة والحكومات، وإلا سوف تنفجر الشعوب في وجه الجميع؛ لأن الأمر يتعلق بأقدس المقدسات، وعلى الإدارات الغربية أن تعي وتدرك ذلك جيدًا، هي بالتأكيد سوف تمارس كل أنواع الضغط على الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية، كي تقوم بدورها في قمع الشعوب؛ لكن الأخيرة يمكن أن تتحرك بعيدًا عن نطاق السيطرة، ويحدث ما لا يتصوره أو يتوقعه إنسان، ولن يكون هناك أثر فاعل إلا من خلال حراك جماهيري عام مستمر، وفق خطة زمنية على مستوى العالم العربي والإسلامي، فضلاً عن شعوب العالم الحر، تقوده مؤسسات المجتمع المدني والقوى الحية والرموز الوطنية والقومية والإسلامية والعالمية، وذلك للضغط على الأنظمة والحكومات؛ حتى ترتفع إلى مستوى الحدث، وأملاً في أن تقوم بدورها المأمول إقليميًّا ودوليًّا دفاعًا عن الأقصى الأسير، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) ﴾ (التوبة).

والله من وراء القصد...

------------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين