"كلِّم 2009 واحصل على عرض الخمس قروش طوال نهار رمضان"، "كلِّم أي شبكة بـ15 قرش لكل محمول في مصر طوال رمضان".. هذه ليست مجرد إعلانات فقط؛ إنها تعكس حالة من الصراع دخلت فيها شركات المحمول الثلاثة مع قدوم شهر رمضان، وأخذ الخطاب الدعائي بين الشركات الثلاث أشكالاً جديدةً، أظهرت كم وحجم العلاقة التنافسية بين شركات المحمول، بعد أن عمدت كل شركة إلى التركيز على عبارات ترويجية لوصف شبكاتها بكلمات مثل "الأسرع والأقوى والأكبر والأوسع انتشارًا" وهي كلمات تحمل في طياتها "تضليلاً" للعملاء، ولا يمكن الاستدلال على مدى واقعيتها، وفق ما يقول أحد خبراء الإعلان.

 

وعلى الرغم من أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يفرض الرقابة على تلك الإعلانات؛ فإنه لم يفرض أي عقوبة ضدها، ويكتفي بلفت نظر الشركة في حال تجاهل الحصول على التصاريح اللازمة، وكما يؤكد المهندس شريف جنينة المسئول بقطاع التنظيم بالجهاز أن خروج النص الإعلاني عن الحدود القانونية، وامتداده للتهكم على شركة منافسة؛ يتم التحقيق فيه بشرط تحريك شكوى من المتضررين، وليس الأزمة متعلقة بين الشركات الثلاث فحسب، بل امتد الأمر مؤخرًا لصراع مع الشركة المصرية للاتصالات؛ خاصة أنها كواحدة من الشركات القليلة في العالم التي لا تمتلك ترخيصًا متكاملاً يتيح لها تقديم خدمات الاتصالات الأرضية والمحمولة في آن واحد، وهو ما وضعها في موقف ضعيف أمام شركات المحمول.

 

إلا أنه اعتبر أن الشركات لها مطلق الحرية في إطلاق أوصاف ترويجية كأن تصف نفسها بالأكبر، لكنه لم يوضح إن كان ذلك يضعها تحت طائلة القانون إذا لم تكن هي الشبكة "الأكبر" فعليًّا.

 

وبعد زيادة وطيس الصراعات بين الشركات الثلاث، دخلت الأزمة بين الشركة المصرية للاتصالات وشركات الهاتف المحمول منعطفًا جديدًا، في ظل تصريحات الدكتور طارق كامل، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي هدَّد فيها شركات المحمول بإجراءات عقابية، إذا لم تتخل عن سياسة حرق الأسعار التي تمثلت في خفض التعريفة إلى ٥ قروش للدقيقة في شهر رمضان.

 

وفي ظل وصول عدد مشتركي المحمول إلى 50 مليون مشترك، سيطرت حالة من الدهشة والاستغراب لدى الكثيرين الذين تساءلوا عن مصير مليارات الجنيهات التي تحصدها شركات المحمول من 50 مليون نسمة من جملة 80 مليون نسمة؛ هم إجمالي الشعب المصري المكون من 70% من الفقراء.

 الصورة غير متاحة

 رسم بياني يوضح ارتفاع عدد مستخدمي المحمول في مصر

وفي ظل ذلك التكالب والتصارع كان رأي مشتركي المحمول مهمًّا وضروريًّا؛ خاصةً أنهم اشتكوا من الكم الهائل والكبير للإعلانات، والتي وصفوها بأنها تفتقد المصداقية؛ لأنها لا تذكر تفاصيل العرض كاملاً، فضلاً عن أن دخول المشتركين لتلك الخدمة يتسبب في إلغاء أي خدمات أخرى، كان المشتركون يحصلون عليها قبيل الدخول في العرض الجديد الخاص بشهر رمضان.

 

واعترف عماد الأزهري نائب رئيس الشركة المصرية للاتصالات للشئون التجارية أن عروض شركات المحمول في شهر رمضان لهذا العام أثرت على الشركة المصرية للاتصالات، مؤكدًا أن معظم هذه العروض خادعة؛ بسبب أن بعض إعلانات هذه الشركات لا تذكر تفاصيل العرض بالكامل، وتكتفي بالإشارة إلى تخفيض سعر الدقيقة، فمثلاً أن تقوم شركة بتخفيض سعر الدقيقة، لا تذكر في الإعلان أن هذا العرض لمشتركيهم فقط، وأن المستهلك عندما يتحدث مع شبكة أخرى سيدفع 30 قرشًا للدقيقة، وعندما يتحدث أرضيًّا سيدفع 50 قرشًا للدقيقة، ونفس الشيء يتكرر مع كل شركة، ولا يتم توضيح ذلك للمشتركين، ويتفاجأ المشترك بفاتورة كبيرة في نهاية الشهر.

 

وطالب الأزهري بلجنة حماية المستخدمين في جهاز الاتصالات أو جهاز حماية المستخدم بالتنبيه على الشركات بتوضيح تفاصيل عروضها لمشتركيها؛ حتى لا يؤثر على المستخدم أو الشركة المصرية للاتصالات، مؤكدًا أن المستخدم ذكي، وعندما ينتهي شهر رمضان، ويجد أن فاتورة التليفون مبالغ فيها؛ سيعرف أن دقيقة الثابت هي الأرخص.

 

وأمام ذلك المشهد، كان السؤال الذي يطرح نفسه، وهو هل عروض شركات المحمول لصالح المواطن أم أنها استنزاف لجيوب المصريين؟ وعن ماذا ينم التخفيض الجديد لشركات المحمول؟ وأين الرقابة من تلك المنافسة التي وصفها البعض بالمخادعة؟

 

(إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات محاولاً الإجابة عنها في التحقيق التالي، وفي البداية التقينا المواطنين لنتعرف منهم على رؤيتهم لعروض شركات المحمول.

 

هالة سيد (طالبة بالثانوية العامة) أكدت أنها لا تثق في عرض شركتها، وأنها على كامل الإدراك أن أصحاب تلك العروض لا يريدون أن يحققوا نفعًا للمواطنين، وأن مصلحتهم هي الأولى والأخيرة؛ ولذا فهي لا تشترك في عروض جديدة تعلن عنها شبكتها التي تستعملها.

 

ويؤكد أحمد علي (طالب بالمرحلة الجامعية) أنه متابع جيد لجميع العروض، وأنه يتابع على موقع شبكته العروض الجديدة أولاً بأول، موضحًا أنه المستفيد، ولا يفكر إن كان العرض حقيقيًّا أو مخادعًا.

 

أما عبد العظيم مهندس إلكترونيات فيوضح قائلاً: "إن الشركات الثلاث تتبارى في عروضها، وتنافس منافسة شديدة، وتقدم إعلانات لها أغلبها تهدف إلى أن نشترك في الخدمة، ونزود من المكالمات الخاصة بنا؛ لكن بالنسبة لي فأنا أدرك تمامًا أنه لا يُفعل شيء لوجه الله".

 الصورة غير متاحة

د. شريف قاسم

 

ولاستيضاح الأمور التقينا الخبراء والمتخصصين لمعرفة آرائهم..."منافسة على حساب الزبون" بهذه الكلمات شنَّ الدكتور شريف قاسم الأمين العام لنقابة التجاريين هجومه على شركات المحمول التي تبارت في خداع المواطنين بعروض مزيفة، لا تهدف سوى لهدف واحد وهو خداع المواطن المصري ونهب جيوبه.

 

وتابع د. قاسم قوله مؤكدًا "أن الصراع الذي تقوم به شركات المحمول ما هو إلا منافسة خادعة، تهدف لخدمة أصحاب الشركات، على الرغم من أن ظاهر عروضهم أنه تخفيض لأسعار المكالمات؛ ولكنه في أساس الأمر يعد عرضًا مخادعًا".

 

تعويض للخسائر

وأضاف أن العروض التي تقوم فيها الشركات بعرض الدقيقة بخمسة قروش ما هي إلا دعوة للمستهلكين من أجل الحديث بشكل كبير وزائد؛ ولكن في حقيقة الأمر الشركات ترمي لتعويض خسارتها، علمًا بأن فترة الصباح في نهار رمضان تكون غير مستهلكة من قبل المواطنين؛ حيث يكونون منشغلين بأعمالهم في الصباح، وكذلك الوضع بالنسبة لطلاب المدارس والجامعات، فخلال شهر رمضان لا يوجد استخدام من قِبل الطلاب؛ مما يعني أن الشركة إذا لم تتبارَ في تقديم خدمة جذابة للمواطنين فسوف تحقق خسائر كبيرة؛ لذا استغلت إحدى الشركات ذلك الأمر، وخصصت عرضًا لوقت الصباح يتم فيه تخفيض الدقيقة حتي يتم جذب المواطنين.

 

وفنَّد د. قاسم عروض تلك الشركات موضحًا أن عرض "الخمسة قروش" الذي يتم تطبيقه بعد الدقيقة الثالثة؛ يعد عرضًا يكشف عن كم الخداع والتدليس الذي ترتكبه تلك الشركات تجاه المستهلكين؛ حيث إن العرض مغزاه أن من يتكلم دقيقة أو دقيقتين لا يحصل على عرض التخفيض؛ مما ينم أن الشركات صاحبة العروض تهدف بالدرجة الأولى لتعويض خسائرها من خلال استنزاف جيوب المصريين، واستهلاك الهاتف في مكالمات أكثر من اللازم؛ واصفًا حملات شركات المحمول بأنها حملات دعائية غير جادة ومستنزفة.

 

واستنكر د. قاسم من ما أقدمت عليه الشركات الثلاث، وكذلك المصرية للاتصالات باتفاقهم معًا على المواطن المصري ومساهمتهم في استنزافه!!"؛ فضلاً عن أن المصرية للاتصالات لم تتخذ قرارًا جادًّا تجاه تلك المعاملات من تلك الشركات؛ على العكس المصرية للاتصالات ذهبت لما هو أبعد من ذلك، وهو أنها ساهمت واشتركت معهم في تلك العملية المخادعة.

 

الحبل على الغارب

ويرى الدكتور أحمد غنيم مدير مركز البحوث الاقتصادية أن شهر رمضان يعد منافسة تتبارى فيه أغلب الشركات من مختلف القطاعات لتقديم سلعها ومنتجاتها لجذاب الجميع، ولعل شركات الاتصالات تعد واحدة من المرافق المهمة التي تسعى أيضًا لزيادة حركة مبيعاتها ودخولها.

 

وأكد أن شركات المحمول الثلاث اتخذت من رمضان مجالاً للمنافسة والصراع على حساب المستهلكين دون أدنى مراعاة لقواعد وشروط الخدمة؛ مما أوضح أن الاحتكار بلغ به الحال لمرفق الاتصال أيضًا كباقي المرافق؛ لكن ما يتعلق بمسألة تخفيض الدقيقة بشكل مستمر فلن يتم؛ لأن الشركات لن تتمكن من ذلك الأمر، والدليل على ذلك أن شركة المصرية للاتصالات اكتفت بتحذيرهم فقط، وأعلنت أنها ستترك لهم الحبل حتى نهاية شهر رمضان؛ مما يبرز مدى تقاعس المصرية للاتصالات وباقي الأجهزة الرقابية عن التصدي لذلك الأمر.

 

احتكار

 الصورة غير متاحة

محمود العسقلاني

   ومن جانبه أوضح محمود العسقلاني مؤسس حركة "مواطنون ضد الغلاء" أن المرفق القومي لتنظيم الاتصالات أصبح يمارس الاحتكار بالتعاون مع شركات المحمول، بهدف تحقيق مصالحهم الخاصة على حساب المستهلكين.

 

وأدان حالة الصمت المطبق من قِبل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في مواجهة الخداع والتضليل الذي تمارسه شركات المحمول والاتصالات، وقال: الحكومة أصبح لديها حمى الاحتكار لجيوب المصريين، ومحاربتهم في كل مرفق من مرافق حياتهم، وكأن المواطن أصبح هو العدو اللدود للحكومة.

 

واختتم العسقلاني كلامه قائلاً: "إنه لا بد من وضع نهاية للممارسات الاحتكارية التي يرتكبها النظام وأعوانه ضد المصريين".

 

إعلانات زائفة

 الصورة غير متاحة

م. محمد الأشقر

   وبالنسبة لعدم مصداقية إعلانات شركات المحمول، بدأ محمد الأشقر رئيس الجمعية الشعبية لحماية المواطن من الجباية والفساد كلامه، مؤكدًا أنها زائفة ومغيبة للحقائق لأقصى درجة ممكنة، وأنها لا تكفي كافة التفاصيل؛ مما يوضح أنها تخفي قدرًا كبيرًا من الحقائق التي ينبغي أن يكون المستهلك على علم ودراية بها؛ حيث إن إعلان الشركة يبرز مدى جودة وأهمية العرض بوسائل مشوقة، دون سرد التفاصيل التي هي بالأساس تعد أهم معلومة في العرض الإعلاني.

 

وحول حالة الصراع بين شركات المحمول يتفق الأشقر مع العسقلاني في وصف حال المواطن المصري بأنه أصبح كالكعكة يريد الجميع أن ينهبها ويسرقها، ولعل حالة الصراع الحالية بين شركات المحمول تبرز مدى زيف مرفق الاتصالات من الجهتين؛ سواء من جهة شركات المحمول أو شركة الاتصالات التي لم تكتف بدور المشاهد فقط، كما عهد عنها في التعامل مع صراع شركات المحمول الذميم، بل امتد الأمر إلى أنها شاركت مع شركات المحمول في مسألة النهب والسرقة، واكتفت بالتلويح بأنهم أصحاب إعلانات خادعة.